الاثنين 19 فبراير/شباط 2018، العدد: 10905

الاثنين 19 فبراير/شباط 2018، العدد: 10905

مفارقات الديمقراطية بين رف الكتب

عالم الاجتماع كريستيان موريل يحاول في كتابه فهم القرارات التي يتخذها الأفراد والجماعات بإصرار وثبات وهم يدركون أنها تخالف الغاية المنشودة.

العرب  [نُشر في 2017/09/17، العدد: 10754، ص(13)]

تاريخ مشدود إلى الماضي

في الجزء الرابع من كتابه "ظهور الديمقراطية"، يتساءل مارسيل غوشي عن الأسباب التي أدت إلى بروز عالم جديد بعد أزمة السبعينات، وعن جدة هذا العالم الذي يشهد انتصارا غير مسبوق لمبدأ الديمقراطية، ولكنه يجعل تطبيق هذا المبدأ إشكاليا. ويبين أننا نشهد اليوم المرحلة الأخيرة من "الخروج من الدينيّ"، ليس بمعنى الإيمان الفردي، بل بمعنى المبدأ الذي كان ينظم حياة المجتمعات قبلنا. مثلما نشهد الدخول بعنف إلى الحداثة، وهو ما يغير كل شيء في حياتنا، من ظروف التعايش الكوني إلى هوية كل فرد منا. ويشرح أيضا كيف أن التنظيم السياسي الذي كان يحافظ في شكله على بصمة الخضوع للقوى المسلطة من فوق تبخّر، ونابت عنه وظيفة الدولة – الأمة التي اتخذته حجر الأساس للعالم المعولم. ويضيف أننا كنا نسكن تاريخا نظنه متجها نحو المستقبل، فإذا هو مشدود إلى الماضي.

نهاية ثنائية اليمين واليسار

الفيلسوف ألان بونوا هو أول من تنبأ بزوال ثنائية اليمين واليسار، رغم أن كتابه "يمين – يسار، انتهى! : اللحظة الشعبوية" صدر قبيل الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة، وجاء استنتاجه انطلاقا من قراءة واعية للتحولات السياسية والمجتمعية التي سادت دول أوروبا والولايات المتحدة، واتسمت بصعود الشعبوية في كل مكان صعودا كان من نتائجه البركسيت ثم انتخاب دونالد ترامب رئيسا لأعظم دولة في العالم. والسبب في رأيه أزمة تمثيل نيابي أكثر منها مسألة أيديولوجية، فالشعوب ما عادت تثق في الأحزاب التقليدية، ولا في حكام يريدون ممارسة السلطة دون الرجوع إلى من يفترض أنهم يمثلونه، أي الشعب، فكان التصويت لوجوه من خارج "الاستبليشمنت" تحديا صارخا للمنظومة الكلاسيكية القائمة. ويتساءل هل أن الشعبوية لحظة عرضية عابرة أم أنها مدعوة إلى التجذر والديمومة كوجه جديد من الممارسة الديمقراطية.

تعمد تكرار الأخطاء

جديد عالم الاجتماع كريستيان موريل كتاب بعنوان "القرارات العبثية. سوسيولوجيا الأخطاء الراديكالية الثابتة" يحاول فيه فهم القرارات التي يتخذها الأفراد والجماعات بإصرار وثبات وهم يدركون أنها تخالف الغاية المنشودة. وتتولد عنها في الغالب أخطاء راديكالية لا تتغير. ويضرب على ذلك أمثلة عديدة، من الحياة اليومية، في البيت والمصانع والطائرات والشركات التجارية والمؤسسات المالية، لا يتعظ فيها الناس بأخطائهم السابقة، بل يتشبثون بقراراتهم وإن باءت النتيجة دائما بالفشل.

ويتساءل: ما هو الاستقراء الذي ينتج مثل تلك القرارات؟ هل تبنيها الآليات المشتركة؟ هل يبررها رهان الغايات؟ ما مصير تلك القرارات؟ وكيف يمكن أن نخطئ بهذا القدر ونعيد الكرّة؟ ثم يجيب عنها عبر تحليل سوسيولوجي متعدد الأوجه، كالتأويل المعرفي لإبراز قوة الأخطاء البسيطة للاستقراء والاستدلال والتفسير المشترك.

تعرية الفكر الداعشي

"الدولة الإسلامية بلسانها" كتاب لمريم بن رعد، الباحثة في معهد البحوث والدراسات عن العالم العربي الإسلامي، وعضو مؤسسة البحث الاستراتيجي بباريس، تجرد فيه بروباغندا الدولة الإسلامية من خلال تحليل خطابها المبثوث بلغات عديدة وبطريقة متطورة عبر مختلف قنوات الاتصال، من مجلات ومحطات إذاعية وتلفزيونية ووكالات أخبار، ليس لتفكيكه فحسب، وإنما أيضا لمعرفة أفضل السبل لمكافحته.

وتقترح الباحثة شبكة قراءة ذكية تسلط عن طريقها الضوء على الفكر الداعشي بتعرية الثنائيات البارزة التي يقوم عليه ذلك الفكر بوصفها عناصر أساسية في مواجهة الغرب كالشرق ضد الغرب والخلافة لمواجهة الديمقراطية والإسلام للتصدي للكفر، وكلها نابعة من تمثل للعالم ينمّ عن بنى ذهنية قبل كل شيء تعكس أزمة راديكالية للحداثة أكثر من كونها تجليا لصدام الحضارات.

التعويض الأكبر الحق

في كتابه "تصنيع المسلمين: مقالة في جعل المسألة الاجتماعية طائفية وراديكالية" ينتقد الباحث نجيب سيدي موسى المتخصص في العلوم السياسية تركيز الفرنسيين على "المسلمين" فيصفونهم مرة بكونهم تهديدا للنظام العام ومرة بكونهم ضحايا المنظومة، وأحيانا بهذا وذاك، وفي رأيه أن ذلك يدخل في إطار إعادة تنظيم المجتمع الفرنسي لأن "التعويض الأكبر" الحق هو تعويض صورة العربي بصورة المسلم والعامل المهاجر بالمنحرف المتشدد والشاب العربي الملتزم بذي جنسيتين تنزع منه جنسيته الفرنسية.

وبالعودة إلى مسار هذا التحول يركز الباحث على دور السياسيين من شتّى الاتجاهات في نشر حمّى الهوية التي تشوش الحدود الاقتصادية والاجتماعية، وميل بعض اليساريين إلى التحالف مع التيارات الرجعية الإسلاموية التي تزعم تمثيل الأحياء الشعبية، وتضافر نشاط العنصريين والمناهضين للعنصرية ونشطاء الجاليات بشكل يخلق طبقة جديدة تشغلها الهموم الدينية أو العرقية.

مسلمو فرنسا والأمل في غد أفضل

"كل هذا يفترض أن يخلق فرنسيين ممتازين" كتاب حواريّ بين نعيمة مفضل المنشطة في بعض المدن الفرنسية ذات النسيج الاجتماعي المهمش، وأوليفيي روا المتخصص في الإسلام السياسي، ويدور حول مسلمي فرنسا في علاقتهم بالوعد بقيام "إسلام فرنسي" مندمج كان طرح في سبعينات القرن الماضي، ثم آل إلى أحياء مهمشة ضيّعتها الجمهورية. تثير مفضل الواقع البائس اجتماعيا وثقافيا ومدينيّا وتدعو إلى اتخاذ سياسة مغايرة في تلك الأحياء المنسية، فيما يرى روا أن ثمة خطوات تسير في المسار الصحيح تجاه مسلمي فرنسا وأن الفرنسيين المسلمين يتجهون نحو خلق طبقة وسطى حقيقية، وأن شجرة الأعمال الجهادية الإسلامية لا يمكن أن تغطّي غابة النجاحات. الحوار صريح طرح مشاكل مسلمي فرنسا من جميع النواحي، وانتهى بأمل الطرفين في أن تؤدي الجهود إلى خلق فرنسيين من أصول عربية متميزين وممتازين.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر