الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

طبيب نفسي يتحول إلى سيزيف جديد

  • الكتابة الأدبية هي انحراف عن التعيين في أساسها، وكسر للقيود، وخروج عن الأطر المحددة سلفا، وتعيين للجنس الأدبي يثير أزمة منذ كتاب أرسطو “فن الشعر”، ولذا فإن الرواية اليوم تحقق نجاحها على حساب الأجناس الأدبية الأخرى من خلال انفتاحها على كل الفنون، وقدرتها على صهرها في باطنها.

العرب أسامة الحداد [نُشر في 2017/01/07، العدد: 10505، ص(15)]

الشخصيات تتكلم وتبوح تلقائيا

عذابات هاملت وتردده وبحثه عن الانتقام ورغباته بدت كلها جلية في رواية وحيد الطويلة الرابعة “حذاء فلليني” والتي يقدم خلالها مغامرة سردية من خلال خطاب روائي سريع التدفق، حيث المونولوج الداخلي الذي يعتمد على التداعي واستثارة الذكرى، فينهمر البوح من خلال كائناته الورقية، التي تحاول اكتشاف ذواتها، وتعمد إلى إزاحة العالم أمام رغباتها، وهزائمها، فكل شخصية من الشخصيات الثلاث الرئيسية، تعبر عن إحدى الشخصيات اللاواعية عند فرويد الـ”هو”، والـ”أنا”، والـ”أنا الأعلى”.

ويبدو فلليني وراء عدسته، يعد أدواته للفصل الأخير، حيث ينتقل من تقنيات المسرح التي بدت جلية داخل بنية الرواية، إلى استخدام تقنية السيناريو، وكأنه يقدم خطابا مسكوتا عنه، عن انتقال التراجيديا من خشبة المسرح إلى الشاشة، عبر خطاب روائي يعيد تيار الوعي إلى الصدارة، وتتوالد داخله الحكايات الصغيرة في دائرة حاول الكثيرون الولوج إليها، فالصراع بين السلطة والمقهورين، أو الجلاد والضحية يحمل ديمومته، ويعيدنا إلى أعمال سردية شهيرة مثل “السيد الرئيس”، و”خريف البطريرك”.

والإنتاجية الدلالية تتوالى داخل جسد النص بداية من الحفل الرسمي الذي دعي إليه المعالج النفسي مطاع، وهمسات النميمة والحقائب المنسية وأوراق التقارير المتداخلة، لنبدأ مع بطل الرواية في لعبة التوقعات والاحتمالات، فالاندراج في نظام من التوقعات هو دخول في الأدب وأكثر التوقعات اطرادا هو توقع التخييل، فالحدث الرئيسي داخل النص يبدو عاديا داخل دول العالم الثالث في مرحلة ما بعد الكولونيالية خاصة في المنطقة العربية، حيث السلطة العنيفة والهشة تسيطر على كل شيء، والثقة مفقودة بين الجميع، فجميع شخصيات الرواية هي أقرب لظلالٍ ضائعةٍ داخل متاهةٍ تبحث عن خلاصها.

الحدث المحوري هو أن المعالج النفسي يتمّ اعتقاله وتعذيبه دون أن يعرف لماذا، فينتقل داخل مونولوجاته بين أفكارٍ متدرجةٍ من القتل إلى التعذيب فالإخصاء. واغتصاب الزوجة أمامه فالتسامح والانتصار على خوفه، وعجزه. ثم التوازن بين العالم الحقيقي والعالم الخيالي المضطرب ليصبح المعالج النفسي بحاجة إلى طبيب يداوي ذاته المبعثرة، بين ذكريات قديمة عن جارته وأبيه، وحياته داخل القبو، قبل أن يدرك أحد الضباط، أنه بلا تهمة، فالبطل هنا يحاول تذكر حياته عبر بوحه في مونولوجاته.

إن عذاب سيزيف الأكبر هو أمله في النجاة هكذا يرى مُنظرو العبثية واللاجدوى ومناقضو سارتر الذي رأى الإنسان محكوما بالحرية في فلسفته الوجودية، وهذا ما يمزق مطاع، إذ أنه يبحث عن الخلاص من تجربة القبو، ويحاول أن ينجو من ذاكرته.

ومن أبرز ملامح الخطاب الروائي لغته الشعرية، وهي سمة لدى وحيد الطويلة بدت جلية في روايته السابقة باب الليل، فالسرد يأتي من ضمير الأنا، واستخدام الأنا هو فعل شعري بامتياز، فالأجواء الباطنية التي يحملها التداعي، والمونولوج من سمات السرد الشعري.

وتتوالي هذه اللغة الشعرية داخل النص الذي يحمل تقنيات المسرح ويفتح الباب على مصراعيه للجدل ولتداخل الأنواع وإشكالياتها، إذ من العسير تعريف أي جنس أدبي لسردية وحيد الطويلة.

واللافت أيضا هو الخصائص المسرحية التي نجدها تتحقق في رواية “حذاء فلليني” بصور متعددة، حيث الشخصيات تتكلم وتبوح تلقائيا، والأماكن تبدو محددة كأنها خشبة مسرح، سواء صالة الفندق أو غرفة الكشف، والأحداث تبدو معيشة، يتمدد خلالها الحاضر، إن تداخل الأجناس، أو بالأدق تجاوزها للتزاوج في ما بينها، يتجلى في فضاء النص العابر للأجناس والمتمرد عليها.

ولعل اللجوء إلى آليات المسرح أو لنقل مسرحة الرواية أو تقديم رواية ممسرحة، ليس من قبيل اللعب، بل يحمل الخطاب الواضح المأساة/ الملهاة حيث يعيش الجميع داخلها، ينتظرون ما لا يأتي، ويبحثون عن خلاصهم، ولم يكن فلليني سوى الطيف أو العلامة لذلك.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر