الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

رواية تلوذ بالماضي لتسخر من الحاضر

الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد يؤكد أن السخرية التي بدت واضحة في روايته، إنما هي ممن وأدوا ثورة يناير 2011 وتاجروا بها.

العرب  [نُشر في 2017/01/09، العدد: 10507، ص(15)]

توازي ما بين الواقع والفانتازي

القاهرة - يسترجع الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد في أحدث رواياته “قطط العام الفائت” أحداثا سابقة من الماضي، ولكن في قالب من الفانتازيا غير معهود في أعماله السابقة.

تدور أحداث الرواية، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، في عام 2011 في بلد اسمه “لاوند”، يقول المؤلف في تقديم الرواية إن ثورة قامت فيه في اليوم نفسه الذي حدثت فيه الثورة في “مصرايم” المجاورة.

تبدأ شخصيات الرواية في الظهور تباعا وهي الحاكم أمير أبوالعساكر ومساعدوه مدير المحن والأزمات ووزير الأمن والأمان والسر عسكر، ناظر الحربية، وهي شخصيات لن يعاني القارئ كثيرا في إسقاطها على الواقع في مصر، وتحديد هويتها الحقيقية.

تبدأ الفانتازيا بكشف المؤلف عن القدرات الخارقة لشخصياته، فمدير المحن والأزمات يستطيع تحويل ذراعيه إلى ثعبانين يعذب بهما المعتقلين والمعارضين، أما حاكم لاوند فيلقي بخصومه عبر الزمن ويعيدهم إلى الماضي.

تنجح الثورة في لاوند بعد أن فرت قوات الأمن أمام المتظاهرين الشبان الذين اعتصموا في “الميدان الكبير” بالعاصمة لاوندة، لكن الحاكم بدلا من أن يهرب أو يتخلى عن السلطة يلقي بجميع المتظاهرين إلى العام السابق، ويقنع الشعب بأن العام هو 2010 وليس 2011.

ولاستكمال مقاربة الرواية مع الواقع، يقدم المؤلف جماعة “النصيحة والهدى” التي تستغل الدين في السياسة للوصول إلى الحاكم، وتتعاون مع الحاكم في الخفاء بينما تعاديه في العلن.

تطول الأحداث وتتشعب ويستمر المؤلف في طرح شخصيات جديدة من الشبان والفتيات الذين يقودون الثورة ضد حاكم لاوند من خلال الفضاء الإلكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت. ويدركون ما فعله بهم الحاكم لكنهم يصرون على تكرار تجربة الثورة.

في المقابل لا يتخذ الحاكم أي إجراءات لتغيير الأوضاع أو تحسين صورته أو تطبيق إصلاحات، بل يستقدم المزيد من الأسلحة الفتاكة الحديثة لمواجهة الشبان، وكأن المؤلف أراد أن يبلور فكرة أنه مهما عاد الزمن سيكرر الحكام أخطاءهم، وسيبقى الشباب على حماسته ورغبته في التغيير.

ولأن تزييف الزمن أو خداع الناس لا يمكن أن يستمرّا، كان لا بد من حلول شهر يناير مرة أخرى وقيام الثورة من جديد.

لجوء المؤلف إلى الفانتازيا في إعادة طرح ما مر على مصر بعد ست سنوات من ثورتها، ربما ينم عن أشياء كثيرة قد يكون أبرزها “غصة” لا تزال في حلقه مما آل إليه حال فئة الشباب التي أطلقت انتفاضة 25 يناير، وكانت ملء السمع والبصر في الفضائيات ووسائل الإعلام آنذاك ثم توارت عن الأعين ولم يعد لها أي دور أو نشاط سياسي.

كذلك استعان عبدالمجيد بشخصية محبوبة غابت عن الدنيا مثل الممثلة سعاد حسني في روايته، حيث استغل طيفها في إلهاب حماس الشبان، وبث الأمل فيهم، وفي الوقت نفسه إلهاء الحاكم ومعاونيه وإصابتهم بالتخبط طوال الوقت، وهذا قد يكون من قبيل التأكيد على أهمية الفن والثقافة في حياتنا واسترجاع لمعان أحلام تدهسها أحداث الواقع.

رواية إبراهيم عبدالمجيد ليست توثيقا لما جرى في مصر في 25 يناير 2011 أو في أي دولة عربية أخرى، لكنها إطلالة من نافذة المستقبل على ما كان وما جرى في الماضي بعين ساخرة لا تخلو من النقد المستتر في قالب فانتازي.

ويرى الناقد يسري عبدالله في تقديمه للرواية أثناء حفل التوقيع الذي نظمته الدار المصرية اللبنانية للرواية مؤخرا، أن عبدالمجيد قدم رمزية ليست كالرمزية المعروفة في السرد العربي، إذ طرح بناءً رمزيّا متوازيّا، حيث أنشأ توازيا ما بين الواقع والفانتازي، كما عمل على أسطرة الواقع، من خلال العديد من الدلالات، مثل تجمد الثوار في الميدان، وأسماء الشخصيات المرتبطة بالسلطة.

وقال عبدالله، يضفّر إبراهيم عبدالمجيد في هذه الرواية مقاطعه السردية بآليات الفنون البصرية المختلفة، وهذه واحدة من أهم التقنيات داخل هذه الرواية، فنحن باختصار أمام نص منفتح على فنون بصرية وتحديدًا على فن السينما، وهناك استفادة كبيرة من آليات فن كتابة السيناريو إلى الحد الذي يجعلك حينما تقرأ مقطعًا سرديّا ما تراه كصورة سينمائية أمام القارئ.

كما أكد إبراهيم عبدالمجيد بدوره في تقديمه لروايته الجديدة أن السخرية التي بدت واضحة في روايته، إنما هي ممن وأدوا ثورة يناير 2011 وتاجروا بها، وليست السخرية من الثورة نفسها كما ظن البعض.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر