الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

سهيل قاشا يجدد سرقاته وينتحل كتاب الروسي كلشكوف

  • زادت وتيرة السرقات الأدبية والعلمية في زمن فقد فيه المؤلف أو صاحب العمل قيمته لصالح النتيجة أو النجاعة التي يقدمها، إضافة إلى خلط القيم وتسطيح المعارف لغايات استهلاكية أو تجارية أو نفعية ضيقة، لذا بات من العادي في زمن سطو الاستهلاك على حياة البشر وأحلامهم وأفكارهم، السطو على إبداعاتهم وخلاصة تجاربهم، لكن ما ليس عاديا هو أن تنجرف في هذا السطو مؤسسات مرموقة مثل مؤسسة بيت الحكمة العراقية أولى بيوت العلم عربيا.

العرب رشيد الخيون [نُشر في 2017/01/11، العدد: 10509، ص(15)]

ما هي دوافع الأب قاشا في إصراره على انتحال كتب الآخرين

أصدرت بيت الحكمة ببغداد كتابا بعنوان “الحياة الرُّوحية في بابل” (بغداد 2014)، هذا ما سُجل على وجه الغلاف الأول، وفي الصفحة الداخلية (بغداد 2013)، على أنها الطَّبعة الأولى، والكتاب مِن تأليف، حسب ما سُجل أيضا، الأب الدُّكتور سُهيل قاشا، وسُجل أيضاً اسم الدُّكتور إياد كريم الصَّلاحي كمراجع علمي للكتاب. كان الكتاب قد صدر، تحت العنوان نفسه “الحياة الروحية في بابل” (دمشق: منشورات “المدى” 1995)، للباحث الآثاري الرُّوسي كلشكوف، ونقله إلى العربية الباحث العراقي عدنان عاكف حمودي.

عثرتُ على الكتاب، طبعة بيت الحكمة، معروضا في معرض الشَّارقة للكتاب للعام الماضي 2016، فرابني العنوان، لأنني سبق أن نشرتُ عام 1995 عرضا للكتاب الأصل في صحيفة “الحياة” (27 فبراير 1996)، ومع أنني أعلم ولي تجربة مع سهيل قاشا في السَّرقة أو الانتحال، فأجلت البت في الموضوع حتى أقابل بين “الحياة الروحية في بابل”(1995) و”الحياة الرُّوحية في بابل”(2014)، مع ثقتي بأن الكتاب كان منحولاً، ليس مِن العنوان، فقد يُعذر مَن يصدر كتاباً بعنوان مشابه لكتاب آخر، لكن رابني اسم المؤلف، وفي الأقل الإشارة إلى مَن سبقه بالتأليف، وهو لم يفعل ذلك.

السرقة المعرفية

إذا كان قاشا تعود على ممارسة الانتحال، فما هو موقف "بيت الحكمة"، وبأي عذر يعتذر هذا الصرح العلمي في تاريخه

ليست السَّرقة الأولى التي يقوم بها قاشا، ويعتدي على جهود الآخرين، بجرأة عجيبة، ولا أدري هل هو إصرار على الانتحال وإمعان فيه، مع أنه رجل دين ويعيش في دير بلبنان، أم أنه مِن السَّذاجة ألا يميز بين التَّأليف والنسخ مِن الكُتب. فمن سوء حظه أن أكتشف سرقة سابقة له وفي المعرض نفسه، عندما اقتنيت كتابه “المعتزلة ثمرة الفكر الإسلامي الحر” الصادر عن دار “التنوير” (2010) ببيروت، ووجدت أنه انتحل مقدمة كتابي “معتزلة البصرة وبغداد” (منشور 1997) كاملةً (13 صفحة)، وكل ما بقي في الكتاب عبارة عن انتحالات من هنا وهناك.

ثم يفتضح أمره بسرقة من كتاب الأديب اللبناني عبده وازن “حديقة الحواس”، واكتشف وازن سرقة كتابه إثر دعوة وردته من دار “النُّعمان للثقافة” تدعوه لحضور حفل إعلان فوز كتاب سُهيل قاشا لعام 2011 “أنا والكتابة”، عندها اكتشف وازن السَّرقة، أي بعد عام من نشر فضح سرقته كتابي “معتزلة البصرة وبغداد”، ومِن عجب أن تمنح الجوائز بلا تدقيق ولا توريق لتاريخ المؤلف.

انشغلتُ كثيرا في أمر السرقة الأدبية أو المعرفية، فقد سبق أن نشرت مادة عن سرقة كتاب عن الأيزيدية، ارتكبها أكاديمي سوري، رئيس لقسم أكاديمي في جامعة حلب سابقا، في «الشرق الأوسط»، العدد: 8302 والمؤرخ في 21 أغسطس 2001. يدعي هذا الأكاديمي أنه ألفَ أكثر من مئة كتاب، ويُدعى كأستاذ زائر في جامعات بريطانية، كجامعة أكستر، ومنح عدة جوائز من الهند والعرب، وكان الكتاب المسروق “اليزيدية في ماضيهم وحاضرهم” لعبدالرَّزاق الحسني (1997).

نشرتُ مادة عن سرقة كتاب “الصَّابئة المندائيين” لليدي دروار، قام بها كاتب عراقي، له العشرات من الكتب في النقد الأدبي، ونشره مركز أردني معروف، وعنون كتابه بمعاكس عنوان دروار “المندائيون الصَّابئة” ونُشر الموضوع في «الشَّرق الأوسط» العدد: 8421 والمؤرخ في 18 ديسمبر 2001. كذلك نشرتُ في “الحياة” (23 مايو 2015) عن سرقة مارسها كاتب مصري، يعمل مسؤولا في مركز فنون، سطى فيها على كتاب الباحث ناصر الحُزمي “حرق الكتب في التُّراث العربي الإسلامي”، ونشره كاملا كبحث في صفحة تراث وباسمه.

حق يُخطف

نشرتُ مادة في جريدة «إيلاف»، 3 مايو 2004، فضحت سرقة بحث عن الصابئة المندائيين أيضا. كما نشرت مادة بينت فيها أن الدبلوماسي الإيراني علي دشتي ترجم إلى الفارسية بتصرف كتاب الرصافي «الشخصية المحمدية»، ولم يؤلف «23 عاما.. دراسة في السيرة النبوية المحمدية»، «الشرق الأوسط»، العدد: 9703 المؤرخ في 22 يونيو 2005. وكتبت أيضا مادة «القرصنة والتدليس في نشر الكتب»، عما يحصل بإيران من قرصنة طباعة الكتب العربية، «الشرق الأوسط»، العدد: 9941 والمؤرخ في 15 فبراير (شباط) 2006.

وكنت قد ناشدت رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني في مقالة نشرتها على صفحات الرأي في «الشرق الأوسط»، العدد: 10068 والمؤرخ في 22 يونيو 2006، تساءلت فيها عن توزير أحد سراق الحروف، حيث أصبح أحدهم وزيرا، وقيل لي إن أحد مستشاريه لم يطلع الرئيس على المقالة، تحت حجة أن هناك وزراء لهم باع في الفساد المالي، فما قيمة سرقة الحروف؟ مع أنها أخطر بكثير من سرقة الدَّراهم، فإذا كانت الدَّراهم تخص الجيوب فالحروف تخص العقول.

دخلت في معارك كي أمنع المتسترين بالعمامة والدين من نشر مواد منتحلة في المجال الثقافي، عندما كنت محررا في جريدة «المؤتمر» العراقية (2000 – 2003)، لكن هذا المعمم أخذ حزبه يناديه بالشيخ الدكتور، بتوجيه على ما يظهر من رئيس حزبه، الذي يرى أنه في حاجة إلى عمائم تقدمه للجمهور العراقي المغلوب على أمره وعقله، وهو لم يحصل على الشهادة المتوسطة، وقيل لديه الآن معهد يعيد به تشكيل العقل العراقي، فتأمل حجم الكارثة.

اضطررتُ إلى مناشدة الفقهاء في أمر السَّرقة الأدبية، بعد البحث وثبوت خلو كتب فقه المذاهب الإسلامية، وما كتب حول السَّرقة وأحكامها في كتب قانونية وفقهية مختصة، من أي إشارة أو تلميح إلى السرقة الأدبية والفكرية، استفسرنا الفقهاء المتقدمين في مذاهبهم عبر الرسالة الآتية “ما حكم السرقة الأدبية والعلمية في الفقه، وأعني سرقة نص مكتوب من كتاب أو مجلة، أو أي دورية أخرى، مطبوعة ومنشورة ونسبته إلى كاتب آخر، نصاً أو بعد تحوير وتحرير، وما حكم سرقة الأفكار والآراء الأدبية والعلمية بعد كشفها بالدَّليل القاطع، وهل يشبه حكمها حكم سرقة المال والحلال، مع أنها أكثر خطورة من غيرها”؟.

أجاب على هذا الاستفتاء آية الله علي خامنئي مرشد الجمهورية الإيرانية الإسلامية، ورئيس لجنة الفتوى في الأزهر، وآية الله محمد حسين فضل الله (ت2010)، والشيخ زكي بدوي (ت2006) عميد الكلية الإسلامية ببريطانيا، وآية الله الميرزا جواد التبريزي، والسيد فاضل الميلاني أستاذ الجامعة الإسلامية وعضو مجلس أمناء مؤسسة الإمام الخوئي بلندن، وآخرون لم تصلني ردودهم، كآية الله علي السيستاني، وذلك بسبب صعوبة البريد آنذاك بين العراق وأوروبا، ولا وجود للإنترنت، ونشرت الإجابات مع صورها في “الشَّرق الأوسط العدد (9021) والمؤرخ في 10 أغسطس 2003.

سذاجة المؤلف والمراجع تتحيّل على القارئ مع قصد استغفاله، لكنها أيضا فاتت على أكاديميين مختصين

أتيت على هذا، كي أوضح كم تسبب السَّرقة المعرفية معاناة للباحثين، وكم فيها مِن استغفال للقراء، وهذا ما قام به سهيل قاشا، ويبدو أنه مصر على الاستمرار في ذلك بلا وازع ضمير، الذي يُقدم نفسه الأب الدُّكتور قاشا، وقبل (2007) لم يكن لي علم بانتحالاته أن أجريت معه مقابلة وافية ببيروت، وناشدته أن يحل محل أنستاس الكرملي، فأبٌ له نحو 77 كتابا يصعب الشَّك في أمانته، حتى الكرملي لم يكن له هذا العدد.

بيت الحكمة والكتاب المنحول

ليس أكثر شيوعا من سمعة “بيت الحكمة” العلمية، قبل أن تصادرها وتشوههها العقائد الحزبية والدِّينية، فكنا نأمل أن يعتدل حال الحكمة بعد 2003، لكن أول رئيس لها جاء بعلاقة المصاهرة، فزادنا الإحباط إحباطا. حسب ما كتبه الباحث سعيد الديوه جي (ت2000) أن الحكمة بيوت وليست بيتا واحدا، ويمكن كل مؤسسة ترجمة وتأليف وتعليم وبيوت كُتب يُطلق عليها عنوان “بيت الحكمة”، لأن الثَّقافة والفلسفة تعنيان الحكمة، وأول بيت حكمة أسسه العباسيون ببغداد، وكم مِن علماء ومترجمين عملوا في هذا البيت، ومعلوم أن حضارة الشُّعوب تنقل مِن التَّرجمة حيث التَّبادل الحضاري (كراس بيت الحكمة 1954).

أتساءل هنا ما قياس العلمية لدى مراجع كتاب سُهيل قاشا علميا، ووضعه اسمه على الغلاف الدَّاخلي؟ هل كان مختصا في الآثار والتَّاريخ القديم مثلا؟ وإذا لم يكن مختصا فأولى خطوات المراجعة العلمية أن يكون في الكتاب مثبت للمصادر، وجاء الكتاب خاليا منها، وأن يبحث المُراجع عن الكتاب، والإنترنت لم يبخل بمعلومات وافية عن الكتاب الذي أصدرته المدى (1995)، وإلا كيف تمت المراجعة كي توصف بالعلمية؟ وأي مؤسسة، مِن المفترض أن تكون علمية لأنها أكاديمية وبحثية كبيت الحكمة، أصدرت الكتاب ووشحته مراجعتها العلمية باسم الدُّكتور إياد كريم الصَّلاحي؟

ثم إذا كان سهيل قاشا تعود على ممارسة الانتحال، فما هو موقف “بيت الحكمة”، وبأي عذر يعتذر هذا الصَّرح العلمي، في تاريخه لا في حاضره، كما يبدو. فمؤلف الكتاب الأصل أعد فكرة التأليف في العام 1974، عندما كان عضواً في بعثة علمية صغيرة من معهد التاريخ القديم التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية، فساهم بدراسة المواقع الأثرية، فترة أمضاها المؤلف كلشكوف وسط الرِّمال الجرداء، وبين خرائب وأنقاض لتأليف “الحياة الروحية في بابل” طبعة المدى 1995.

سرقة أدبية

فبأي حقٍ يُخطف الكتاب، والجريمة مركبة ضد المؤلف وضد المترجم أيضا، فقد وجده سهيل قاشا جاهزا، وزادته فخرا، على ما يبدو وأمنا مِن الفضيحة، مراجعة بيت الحكمة (العلمية) لكتابه. أخذ سهيل قاشا الكتاب كاملا، لكن مع تقديم وتأخير، أما فصل “المصير عند البابليين”(صفحة 33 طبعة المدى وصفحة 29 طبعة بيت الحكمة)، فجاءت النصوص نفسها تماما من البداية وحتى النهاية، وحتى المثل السومري “اتبع مصيرك” جعله قاشا في الهامش، كي يبعده عن عنوان الفصل، وكان كمفتتح تحت العنوان مباشرة.

تخيلوا المضحك في تأليف قاشا أنه يكتب في الصفحة 30 الآتي “سنعتمد في دراستنا على تحليل المصطلح الأهم والأكثر شيوعاً واستعمالا ومقارنته مع المصطلحات الأخرى القريبة منه…”، وهذه عبارة المؤلف نصا. إنه وضع نفسه مكان المؤلف الأصلي للكتاب واحتل مكانه ومكان المترجم أيضا، وأنه الذي درس وبحث. فهل هناك جرأة على العلم والبحث كهذه الجرأة، يشترك فيها مُراجع الكتاب (العلمي)؟

يأخذ قاشا عناوين كلشكوف ونصوصه، ويبدأ العبارة ولا ينتهي إلا بملء صفحات من كتابه، ليس لدي وقت أقضيه مع هكذا منتحل وهكذا مراجعة خائبة، لكن مَن يقرأ الطبعتين مباشرة يذهب إلى الصفحات التالية المنقولة نصا: 31 وما بعدها، 32 وما بعدها، 34 وما بعدها، 36 وما بعدها، 37 وما بعدها، 38 وما بعدها، 40 وما بعدها، 42 وما بعدها، 44 وما بعدها، 46 زما بعدها، 48 وما بعدها، 60 وما بعدها، 62 وما بعدها، 64 وما بعدها، 66 وما بعدها، مع انتحال القصائد نصا، ومحاولته ذكر مصدر آخر غير الكتاب المسروق.

قد تفوت سذاجة المؤلف والمراجع على القارئ العادي، مع قصد استغفاله، لكن ما ظننتها تفوت على أكاديميين مختصين، في الجامعات العراقية، تمنيتهم قد عثروا على هذا الانتحال المدمر للثقافة وروح البحث، مع ممارسة استسهال الكتابة، والحصول على اللقب العلمي في حال المراجع والمؤلف بسهولة. حاول قاشا التَّقديم والتَّأخير في العناوين والنّصوص، كي يخفي الانتحال، فيأخذ من فصل ويضمنه لفصل آخر، مع تلاعب طفيف في العبارات، حتى جاء الكتاب، طبعة بيت الحكمة، مشوهاً، لمَن اطلع على الكتاب الأصل. لهذا إذا كان بيت الحكمة يحترم تاريخه فيجب أن يُقدم اعتذارا رسميا عن هذه الفضيحة، لمؤلف الكتاب ومترجمه والقارئ، ويسحب الكتاب فوراً، ويتشدد مع الذين توكل إليهم المراجعات العلمية، وفي التعيينات في أقسامه أيضا.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر