الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

أحفاد الموريسكيين يبكون تراثهم الأندلسي الضائع في سليمان التونسية

  • يفاخر أحفاد الأندلسيين ممن بقوا في إسبانيا بتراث أجدادهم في العصور الوسطى، لكن الحال ليس ذاته مع أحفاد الموريسكيين الذين هجروا الأندلس قسرا، واستقروا في مدن وحواضر جنوب المتوسط.

العرب  [نُشر في 2017/03/15، العدد: 10572، ص(20)]

تراث بين غبار الضياع

سليمان (تونس) - يشعر رضوان رايشيكو مثل أغلب الموريسكيين الذين هاجروا من إسبانيا بعد سقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين عام 1492 وحطوا الرحال في تونس فرارا من محاكم التفتيش، بحسرة مضاعفة.

وسبب تلك الحسرة أن الموريسكيين، وهو لقب يشير إلى المسلمين الذين أجبروا على اعتناق المسيحية أو النفي بعد سقوط غرناطة، لم تقف خسارتهم عند فقدانهم لأملاكهم في إسبانيا وإنما عانوا لاحقا على مدى عقود طويلة من اهتزاز انتمائهم بالوطن الأندلسي وبداية موت بطيء لموروثهم في أوطانهم الجديدة.

لكن رضوان وهو كهل في عقد الخمسينات من عمره مختص في التاريخ الأندلسي، لا يزال من بين العائلات الأندلسية القليلة التي بقيت في مدينة سليمان التونسية بمحافظة نابل، من يبدون إصرارا على حماية هويتهم الأندلسية بعد نحو خمسة قرون من وصول أجدادهم الأوائل إلى المدينة.

يقول رضوان بصوت تغلب عليه الحدة “نحن نعتبر معركة الأندلس حربا صليبية. الإسبان يسمونها الريكونكيستا (الاسترداد) ونحن نسميها الكونكيستا (الاحتلال)” ويضيف “نحن هنا ندعم حركات التحرر السلمية من أجل استقلال الأندلس”.

و”الرايشكو” هو لقب لعائلات أندلسية نسبة إلى أبو عبدالله محمد الحادي عشر آخر ملوك الأندلس في غرناطة ويلقب من قبل الملكين فرديناند وإيزابيلا بالرايشيكو، أي الملك الصغير بالإسبانية.

وربما يشترك جميع مؤرخي العالم الإسلامي في خسارة ملك استمر لنحو ثمانية قرون وشهد قمة الازدهار في العصور الوسطى في وقت كانت فيه أوروبا تغط في عصر الظلمات. لكن الموريسكيين المشتتين في أنحاء العالم تبدو تجربتهم أكثر قساوة.

من بين 300 عائلة أندلسية قدمت خلال فترة التأسيس لم يبق اليوم سوى عشر عائلات، من بينها البيرسو والباشكوال وجحا والرايشيكو والماظور

وفي مدينة سليمان الشاطئية على بعد نحو 30 كيلومترا عن العاصمة تونس ينتصب الجامع الكبير وسط المدينة كأحد المعالم الرئيسية لتاريخ الأندلسيين المؤسسين للمباني والأحياء السكنية المحيطة به.

وبعد سنوات قليلة من وصول أولى العائلات الأندلسية إلى المدينة شيد الجامع بطريقة بناء فريدة في العام 1616. وتحاكي صومعته الصوامع المتواجدة في الأندلس. بينما تمتاز قاعة الصلاة بوجود سقفين، سقف أول مبني وآخر خشبي مغطى بالقرميد بمثابة العازل الحراري والمكيف لبيت الصلاة، وهي طريقة أندلسية فريدة في البناء.

وخلال الحرب العالمية الثانية فقد الجامع سوره القديم بمدافع قوات المحور أثناء مرورها على مدينة سليمان. لكن الجامع لا يزال بشكل عام متماسكا حتى اليوم ويستقبل مصليه بشكل منتظم إذ تعمل السلطات على ترميمه وصيانته بشكل دوري.

لكن على النقيض مما يبدو عليه الجامع الكبير يبرز عدد من المباني السكنية الأندلسية في الأحياء القريبة منه في وضعها الآيل إلى السقوط. وتزداد شكاوى السكان المجاورين لها في منازل عصرية من تحول تلك المباني المهجورة إلى مرتع للقوارض والزواحف.

الجامع الكبير يتوسط المدينة

وقال أحد السكان المجاورين لمبنى أندلسي كان يستخدم في ما مضى كمخزن للسلع “أهمل أصحاب المبنى الأصليون منزلهم لافتقادهم إلى الوثائق وأبقت السلطات الوضع هنا معلقا. تخرج اليرابيع من حين لآخر لتقض مضاجعنا”.

وتحتفظ أزقة سليمان في بعض مفترقاتها بسقف مقوس يطلق عليه أهل المدينة بـ”السباط” كما هو منتشر في المدن الإسلامية العتيقة في إسبانيا غير أن بعضها بدا عليه التصدع فيما اختفى عدد منها مع تحول السكان نحو تشييد مبان عصرية.

ويشير فوزي ساسي كاتب عام بلدية سليمان إلى أن “وسط المدينة يعد بأكمله منطقة أثرية. لا يمكن البناء فيه من دون ترخيص مسبق من المعهد الوطني للتراث مع ذلك يعمد بعض السكان إلى البناء من دون رخص”.

ويضيف ساسي “البلدية لا يمكنها أن تقوم بمفردها بعمليات الترميم من دون تنسيق مع معهد التراث. بدأنا هذه الفترة في ترميم موقع أثري بعد أن قمنا بمراسلات على امتداد سنة كاملة”.

وتبدو المعضلة الأساسية أمام محاولات إحياء التراث الأندلسي بالمدينة في أنها تتوقف في جزء كبير منها على حل المشكلات العقارية ونزاعات قانونية معقدة بين أحفاد العائلات الأندلسية لتقاسم الميراث ما عطل تدخل الدولة للترميم.

ويوضح عزيز محسن مهندس مختص في التراث وعضو بجمعية صيانة مدينة تونس أن “المشكل الأساسي عقاري. فأغلب المنازل الأندلسية ذات تقسيم تقليدي، لكن في العصر الحديث تفضل العائلات من أصل واحد تقسيم العقار بحسب أعدادها”.

ويتابع “يؤدي ذلك إلى اندثار تدريجي للطابع المعماري الأندلسي القديم مقابل زحف المعمار الأوروبي العمودي”.

وما يحز في نفس عزيز والأندلسيين المحافظين، أن جزءا كبيرا من الأجيال الجديدة المنحدرة من الأقليات الأندلسية لا تأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الثقافية لتراثها، ولأسباب اقتصادية فرطت في العقارات إما بالهدم وإما بإهمال الصيانة.

حالة إهمال للمواقع الأثرية

ولكن ليست تلك الأسباب وحدها التي تفسر حالات الإهمال المتفشية في المواقع الأثرية في سليمان ولدى غالبية المعمار الأندلسي.

ويكشف محمد علي بوقفة عضو جمعية صيانة مدينة سليمان أنه “في غمرة الانفلات الأمني بعد أحداث الثورة عام 2011 حصلت حالات نهب وسرقات ونبش منظمة بالمواقع الأثرية في غياب الحراسة والمراقبة”.

وأضاف أنه “في حال وجوب التدخل لترميم المواقع الأثرية يتعين إخطار السلطات، المتمثلة في المعهد الوطني للتراث. وهذه الخطوة تدخلنا في متاهات من البيروقراطية وخسارة الكثير من الوقت. في الأثناء تكون الأضرار التي لحقت بالمعلم الأثري قد زادت اتساعا”.

وتعاني عمليات الترميم في كل الحالات من عدة مشاكل لا ترتبط فقط بقلة الموارد المالية والبيروقراطية، ولكن أيضا بندرة المواد الأولية الأصلية وقلة المختصين في المعمار الأندلسي إلى جانب استنزاف الكثير من الوقت في عمليات الترميم الدورية. وبحسب السلطات البلدية يتم اقتناء مواد البناء ذات الخصوصية الأندلسية من مزود وحيد في تونس وهو متواجد في مدينة تستور شمال غرب تونس، وهي أحد المعاقل الرئيسية الشهيرة للسكان الأندلسيين الوافدين.

ولكون بعض المباني الأندلسية في سليمان تشكل نسخا مطابقة لنظيرتها في إسبانيا خلال حقبة الحكم الأموي، فإن هذا الأمر يزيد من عمليات الترميم صعوبة وتعقيدا.

ويقول السكان إن الطاحونة الأندلسية في المدينة مثلا لا يوجد نظير لها سوى في مدينة إشبيلية.

وفي مسعى لتبديد الصعوبات اللوجيستية والمادية تبحث جمعية صيانة مدينة سليمان اليوم عن عقد شراكات مع جمعيات إسبانية وعالمية تهتم بالمعمار الأندلسي لإنقاذ ما بقي من المنازل والمباني المتداعية من الانهيار الوشيك.

معمار أندلسي

وتستعد البلدية بالفعل عبر مشروع لترميم مقام ولي صالح على شاطئ سليمان مهدد بالاندثار بفعل عوامل الانجراف عبر تمويل من البنك الألماني للتنمية، إذ تخطط البلدية لتحويله لاحقا إلى مزار سياحي في الجهة. ولم تنسف حالة المعمار المتدهورة في سليمان القصص والعادات والأكلات الأندلسية المتناقلة من جيل إلى آخر.

ويروي سكان المدينة حتى اليوم قصصا أسطورية عن كرامات الجد الأول لعائلة الماظور الأندلسية من بينها أنه كان يستطيع إمامة صلاة الصبح في الجامع دون أن يكون قد بارح منزله.

ويروي رضوان رايشيكو “تقول الأسطورة إن الإمام محمد الماظور كان يضع قدما في منزله وأخرى في الجامع ليؤذن في الناس. وهي حيلة حتى لا يغادر المنزل”.

ويتابع “تضيف الأسطورة أنه عندما اكتشف الابن حيلة أبيه محمد الماظور اختفى من الوجود وعاد بعد سنوات محملا بقيود من الحديد وبقي في خدمة القراصنة إلى أن دفن على تلك الحالة في مقبرة آل الماظور”.

ومثل عائلة الماظور الشهيرة بشعرائها وعلمائها يتقاسم أهل سليمان مع العائلات الأندلسية الوافدة منذ نحو 500 عام مواقع خاصة بها للدفن في مقبرة المدينة. وحتى القبور هناك حافظت على ميزة المعمار والخط الأندلسي على واجهاتها.

ويذكر المؤرخون أن قدوم الأندلسيين المؤسسين في القرن السابع عشر حول مدينة سليمان إلى مركز إشعاع اقتصادي وتجاري ومنطقة استقطاب للطرابلسية القادمين من ليبيا والعثمانيين الأتراك في فترات لاحقة.ويوضح رضوان رايشيكو “بعد فترة ازدهار في القرنين 17 و18 حصل تراجع وتردّ للأوضاع في المدينة خلال القرن التاسع عشر ما دفع بالكثير من الموريسكيين إلى الهجرة ثانية خارج مدينة سليمان نحو العاصمة تونس أين أمنت لهم السلطة الحماية”.

ومن بين 300 عائلة أندلسية قدمت خلال فترة التأسيس لم يبق منها سوى عشر عائلات اليوم من بينها البيرسو والباشكوال وجحا والرايشيكو والماظور، وقد اضطرت إلى التفريط في أراضيها بسبب موجات النهب والسرقات المنظمة على مدى فترات من التاريخ.

ويلقي أحفاد الأندلسيين في ذلك باللائمة بشكل خاص على الحكام العثمانيين من البايات في فقدانهم لأملاكم.

ويشير رضوان إلى أن “الحكام البايات وبطانتهم قاموا بعمليات نهب منظمة وبالقوة لأراضي الفلاحين الأندلسيين ما دفع بالكثير منهم إلى الهجرة. والسلطات المتعاقبة أيضا لم تبذل أي جهد لحماية الموروث الأندلسي. بل قامت بعمليات طمس مقصود”.

وحسب روايات البعض من أهل مدينة سليمان فإن العائلات الأندلسية تعرضت إلى العنف والسرقات بسبب السياسة الضريبية المجحفة بحقها وبسبب توافد عدد من القبائل من داخل البلاد بنية السطو على أملاكهم، في فترة تميزت بالاضطرابات الاجتماعية السياسية وصعوبة الوضع الاقتصادي في المملكة قبل دخول الفرنسيين المستعمرين في القرن التاسع عشر. وأوضح رايشيكو “فقد الأندلسيون اليوم كل الإمكانيات لصيانة ممتلكاتهم، كما فقد أغلب من بقي منهم الاعتزاز بالانتماء إلى تراث الأجداد وانصهروا في المجتمع التونسي”.

لكن آل رايشيكو المحافظين وكغيرهم من الموريسكيين المنتشرين في أنحاء العالم، مازالوا يطالبون العرش الملكي الإسباني بالاعتذار عن حقبة التهجير القسري ومحاكم التفتيش بحق المسلمين، أسوة باعتذار الملك خوان كارلوس قبل سنوات لما حصل للموريسكيين اليهود خلال نفس الحقبة القاتمة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر