الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

العلماء يقتربون بالبشر من ابتكار حياة تكنولوجية بديلة

  • يسعى العلماء إلى تكثيف دراساتهم حول الجينات الوراثية بهدف إدخال تعديلات تقنية قادرة على إنقاذ كل الكائنات من الموت. وتقف في طريق خلق حياة تكنولوجية بديلة العديد من العراقيل العائدة في أغلبها إلى عدم دراية بتأثير نتائج ذلك على مستقبل البشرية. ويعد عمل العلماء على إحداث تعديلات على كل المخلوقات عند البعض استنساخا لأجيال مستقبلية يمكن أن تهدد الحياة لا العكس.

العرب شيماء رحومة [نُشر في 2017/03/20، العدد: 10577، ص(12)]

فك شفرة الجينوم المسؤول عن الحياة

يشهد العالم العديد من التغيرات المناخية التي تهدد حياة البشر على الأرض، وكان عالم الفيزياء البريطاني ستيفن هوكينغ حذر في وقت سابق من أن البشرية قد لا تعيش أكثر من ألف سنة مقبلة على كوكب الأرض، إذا لم يقم الجنس البشري بالبحث عن كوكب آخر ليعيش عليه.

ولا ينفك العلماء أمام هذه التهديدات يحاولون الاستفادة من التقدم التكنولوجي لخلق حياة بديلة خالية من الأمراض وقادرة على حماية كل الفصائل من الانقراض.

وقد خطا فريق علمي دولي مؤخرا خطوة كبرى صوب خلق أشكال معقدة من الحياة من لا شيء من خلال تركيب خمسة كرموسومات صناعية جديدة من فطر الخميرة وهو ما يمثل ثلث جينات هذا الكائن المجهري الدقيق أو مخططه الوراثي.

واستخدم الفريق الدولي أجهزة كمبيوتر لإيجاد نسخ معملية من التكوينات التي تشبه الخيوط التي تحمل الرمز الجيني داخل الخلايا.

وقد تقلق المساعي الرامية إلى خلق الجينوم (علم الجينوم هو أحد فروع علم الوراثة المتعلق بدراسة كامل المادة الوراثية داخل مختلف الكائنات الحية) البعض ممن يرون أن علماء التكنولوجيا الحيوية يحاولون القيام “بمهمة الرب”.

ويتحدى العلماء تلك الرؤى الضيقة للعلم، إذ يعتبرون أن تلك التجارب امتداد منطقي للهندسة الوراثية المستخدمة بالفعل لصنع أدوية مثل الأنسولين والمحاصيل المعدلة وراثيا.

وسبق أن استغرق هذا الفريق سبع سنوات لخلق أول كرموسوم للخميرة في 2014، وتوضح إضافة خمسة كروموسومات أخرى تسارعا في تحقيق تقدم في علم الأحياء المخلوقة بما يؤذن بعهد جديد من أشكال الحياة غير الطبيعية.

ويمكن توظيف سلالات جديدة من الخميرة المستحدثة في إنتاج أدوية جديدة وكيماويات وأنواع من الوقود الحيوي. كما يمكن أن يكون هذا العمل أساسا لمشروع أكثر طموحا لخلق جينوم بشري خلال السنوات العشر المقبلة.

وترتبط الخميرة ارتباطا وثيقا بالبشر على المستوى الجيني بدرجة تدعو إلى الدهشة إذ تتشارك مع الإنسان في 26 بالمئة من جيناته على الرغم من أن الجينوم البشري أضخم بنحو 250 مرة.

تقنيات ابتكار الحمض النووي ستسمح بأن يكون خلق جينومات بأكملها أمرا روتينيا في المستقبل

وفيما تمكنت فرق بحثية أخرى من خلق كروموسومات البكتيريا والحمض النووي للفيروسات فإن مشروع جينوم الخميرة هو أول مشروع يتضمن إدخال كروموسومات تخليقية في كائن تحتوي خلاياه على نواة مثل خلايا الإنسان.

وفي بحثهم الذي نشروه في دورية “ساينس” قال العلماء، وهم فريق من الولايات المتحدة والصين وبريطانيا وفرنسا شاركوا في هذا البحث الحديث، إن الخميرة التي تحتوي على مادة جينية وقع خلقها في حالة جيدة مثل الخميرة الطبيعية.

وقال جيف بويك من مركز لانجون الطبي بجامعة نيويورك وأحد كبار الباحثين في المشروع إن إنتاج جينوم للخميرة يبشر بإمكانية خلق مجموعة مختلفة من الجينومات للوفاء باحتياجات لم يتم الوفاء بها بعد في مجالي الأدوية والصناعة.

وأضاف “تشير النتيجة إلى أن بإمكاننا الاستمرار في أن نكون حتى أكثر جرأة في تصميماتنا المستقبلية وأن ندخل المزيد من التعديلات الجذرية وأن نستكشف حقا إلى أي مدى يمكننا استخدام الجينوم لنجعل الخميرة تفعل ما نريد وتنتج المزيد من المنتجات المفيدة”.

وأفاد توم إليس من “إمبريال كوليدج” في لندن قائلا “إنها نقطة تحول في أكبر مشروع في العالم لعلم الأحياء المخلوقة”.

ويتألف الجينوم من الحمض النووي (دي.إن.إيه) وهو سلسلة من أربع مواد كيماوية. وتوصل العلماء إلى طريقة للتلاعب بثنائيات تلك المواد الكيماوية لإعادة كتابة الشفرة الجينية.

ويتكون جينوم الخميرة الطبيعية من 12 مليون ثنائية لكن النسخة المخلوقة أصغر بنسبة نحو 8 بالمئة بعد أن حذف العلماء بعض ما اعتبروه حمضا نوويا لا علاقة له بالشفرة الجينية وغير مرغوب فيه.

وتقنيات تخليق الحمض النووي تتحسن باستمرار وتنخفض كلفتها أيضا مما دفع الباحثين إلى القول إن ذلك سيسمح بأن يكون خلق جينومات بأكملها أمرا روتينيا في المستقبل، لا سيما وأن علماء من بريطانيا تمكنوا في الفترة الأخيرة من خلق جنين صناعي دون بويضة أو حيوان منوي.

ووفقا لدراسة نشرت بمجلة ساينس العلمية، فإن مجموعة علماء بجامعة كامبريدج البريطانية نجحت في ابتكار وسيلة جديدة لخلق حياة داخل المعمل دون الحاجة إلى الحيوانات المنوية أو البويضات.

وأوضح الباحثون في دراستهم أنهم تمكنوا من خلق جنين فأر صناعي في المعمل باستخدام الخلايا الجذعية فقط، كما تمكن العلماء سابقا من خلق أجنة دون حيوانات منوية، كما هو الحال في استنساخ النعجة دوللي، حيث كان خلق حياة دون بويضة شيئا مستحيلا في السابق.

وتمكن الباحثون من خلق جنين فأر باستخدام نوعين من الخلايا الجذعية، هما الخلايا الجنينية وخلايا مسؤولة عن إنتاج المشيمة، حيث زرعت كل منها على حدة، ثم جمع بينهما عن طريق “سقالة” ثلاثية الأبعاد، وبدأ الخليط يشبه جنين الفأر بعد 4 أيام.

التعديلات الوراثية ليست استنساخا بل خلق أجيال خالية من الأمراض

وقال الدكتور ماجدالينا جيرنيكا جوتر، قائد فريق البحث “بدأت الخلايا الجنينية وخلايا إنتاج المشيمة في الاتحاد مع بعضها البعض وشكلت هيكلا يشبه ويتصرف مثل الجنين”. وعلى الرغم من ذلك فإنه من غير المرجح أن يتطور هذا الجنين الصناعي إلى جنين سليم طبيعي، إذ أن الباحثين كانوا بحاجة إلى استخدام شكل ثالث من الخلايا من شأنه توفير الغذاء وتمكين خلايا الدم من التطور.

ويأمل العلماء بأن تساعدهم الأجنة الاصطناعية في دراسة مراحل مبكرة لحياة الإنسان وفهم سبب الإجهاض التلقائي.

وجدير بالذكر أن الخبراء بمقدورهم حاليا إجراء تجارب على أجنة تبقى بعد الإخصاب المختبري. وحسب العلماء فإن خلق كمية غير محدودة من الأجنة الاصطناعية سيسرّع الدراسات في هذا المجال.

كما توصل علماء من معهد روزلين في أدنبرة، الذي طور أول نعجة مستنسخة في العالم، إلى طريقة مبتكرة لإنتاج الدجاج وإنقاذه من الانقراض.

وبحسب صحيفة ديلي ميل البريطانية، فإن العلماء بهذا المعهد تمكنوا من ابتكار نوع من الدجاج المعدل وراثيا بإمكانه أن يلعب دور الأم البديلة لبقية الدجاجات.

وقال الخبراء إنه بهذه الطريقة يتسنى للمربين الحفاظ على السلالات النادرة من الدجاج للأجيال القادمة، مثل الاسكتلندية دمبي، أي البدينة القصيرة، وغيرها من السلالات الأخرى النادرة.

وقام العلماء لخلق الدجاجة المتحولة بمراجعة الجينات للتخلص من قدرتها على إنتاج بيضها الخاص بها، ثم يتم حقنها بالخلايا الجذعية من نوع آخر من الدجاج، وبذلك يتم الاستيلاء بطريقة فعالة على جهازها التناسلي.

وتصبح الدجاجة “العقيمة” قادرة على إنتاج البيض من سلالة مختلفة، دون إدخال أي جينات خاصة بها في الفراخ التي تنتجها.

وأفاد الباحثون في ورقة علمية نشرت في مجلة ديفيلوبمنت بأن “التلاعب في جينات أنواع الطيور كان متأخرا بمراحله عما تم إنجازه في الثدييات بسبب تعقيد بيض الطيور”.

وقال الدكتور مايك ماكغرو كبير الباحثين في معهد روزلين بجامعة أدنبرة إن “هذه الدجاجات المتحولة هي الخطوة الأولى لإنقاذ وحماية سلالات الدواجن النادرة”.

وأضاف “أردنا أن نثبت أنه يمكننا استخدام تقنية التحكم في الجينات لتعطيل إحدى الجينات المتحكمة في تطور الحيوانات المنوية والبيض في الدجاج، فأنتجنا دجاجة ليس لها أي بيض”.

وتابع ماكغرو “إن ما قصدناه من جعل الدجاجة عقيمة هو التوصل إلى استخدام تقنية زرع الخلايا الجذعية التي تنتج الحيوانات المنوية أو البيض بين الدجاج، لذا يمكننا استخدام هذه الخلايا الجذعية من أي سلالة من الدجاج، وتزرع في هذه الدجاجة الأنثى العقيمة لتكون قادرة على البيض من سلالة ذلك الدجاج النادر”.

وقال إنه “يمكن تنمية الملايين من الخلايا الجذعية من مجرد كمية صغيرة من الدم الجنيني ثم توضع في الثلاجة لسنوات قبل أن يتم نقلها إلى المضيف. ويمكن استخدام هذه التقنية في أنواع أخرى مثل البط”.

وأشار “نحن مهتمون بالدجاج لأنه هو الكائن الأكثر استهلاكا بين البشر، ونحن نريد الحفاظ على جميع السلالات المختلفة لدينا منه”.

ولا تقف المسألة عند الدجاج، فالعديد من العلماء يعملون على الاستفادة من التقدم التكنولوجي في ابتكار بدائل غذائية تنقذ البشر على المدى البعيد من الموت جوعا.

وأمام ما يشهده المناخ من تحولات بالإضافة إلى تراجع نسبة الأراضي الصالحة للزراعة ونقص الموائد المائية التي تهدد بحصول جفاف، بات من المهم الإسراع في إيجاد أغذية دائمة لا تنفد ولا تعول على الوسائل التقليدية بل على مواد تقنية.

العلماء يأملون بأن تساعدهم الأجنة الاصطناعية في دراسة مراحل مبكرة لحياة الإنسان وفهم سبب الإجهاض التلقائي

كما أعلنت مجموعة من الخبراء في الأكاديمية الأميركية للعلوم عن تأييدها لتغيير الحمض النووي للخلايا التناسلية والأجنة البشرية للقضاء على الأمراض والتشوهات الخلقية الخطيرة.

وكانت السلطات البريطانية فتحت الطريق أمام هذا المسار من خلال سماحها في فبراير 2016 بالتلاعب بالأجنة لغايات مرتبطة بالبحوث العلمية في شأن علاجات لجملة من الأمراض.

ويثير هذا القرار والتوصيات الجديدة الصادرة عن الأكاديمية الأميركية للعلوم قلقا لدى باحثين كثيرين يخشون من أن تستخدم هذه التقنيات للتلاعب الوراثي يوما ما في زيادة الذكاء أو لمنح المواليد الجدد مواصفات جسدية محددة. وأشارت الأكاديمية في تقريرها إلى أن التلاعب الوراثي الذي يطال الخلايا التناسلية “يجب ألا يسمح به سوى للمعالجة أو الوقاية من أمراض خطيرة”. إلى ذلك، يجب أن تحصل عمليات التلاعب هذه وفقا لأطر محددة، و“تحت مراقبة مشددة” تضمن الشفافية الكاملة.

ويؤكد الخبراء أن التلاعب بالحمض النووي للخلايا الجسدية (التي لا تحمل سمات وراثية) بات موضع العديد من الدراسات السريرية.

وأوضحت ألتا شارو أستاذة الحقوق والأخلاقيات الحيوية في جامعة ويسكونسن-ماديسن، وأحد رؤساء اللجنة التي قادت هذه الدراسة، أن “التلاعب بالجين البشري أمر واعد جدا لفهم العديد من الأمراض الوراثية المدمرة ومعالجتها والوقاية منها، ولتحسين علاج عدد كبير من الأمراض الأخرى”.

ولفت التقرير إلى أن تكنولوجيا التلاعب الجيني تتقدم سريعا، مما يجعل التلاعب بالجزء الوراثي من الجين البشري والسائل المنوي والبويضات والخلايا الجذعية “ممكنا في المستقبل القريب، وما إذا كان الأمر يستحق التفكير فيه جديا”.

وعلى الرغم من المجهودات الحثيثة يواجه العلماء قوانين ردعية لا تسمح بالتلاعب بالحمض النووي للخلايا التناسلية البشرية.

وفي إطار تشديد الخناق على العلماء وقع أكثر من 40 بلدا اتفاقا دوليا ينص على عدم التلاعب الوراثي الذي من شأنه أن يغير من خصائص السلالة البشرية.

وفي العام 2015 دعت اللجنة الدولية المعنية بأخلاقيات علم الأحياء التابعة لمنظمة اليونيسكو إلى وقف العمل في تقنيات التلاعب بالحمض النووي للخلايا التناسلية البشرية، لتفادي حصول تغيير مناف للأخلاقيات في الخصائص الوراثية للأفراد، مما قد يؤدي إلى ظهور ممارسات انتقائية لتحسين النسل.

ومع ذلك أعلنت كبرى الشركات الصينية المتخصصة في الاستنساخ غروب بويلايف أواخر 2015، عن استعدادها لإطلاق عملية استنساخ البشر.

وقال العلماء العاملون في الشركة إن التكنولوجيات الحديثة تسمح بعمل ذلك، وهناك فقط عقبة رئيسية تمنعهم من استنساخ الإنسان هي الرأي العام، مؤكدين سعيهم إلى إطلاق عملية استنساخ الكلاب والبقر والماعز في المستقبل.

وأفاد رئيس الشركة كسو كساو جونغ بأنه تتوفر في الشركة تكنولوجيات تمكنها من استنساخ الإنسان.

ويستمر خبراء الشركة الآن بالعمل على تطوير سبل استنساخ القردة كي يمنعوها من الإصابة بأمراض خطيرة. ثم تبقى خطوة بيولوجية واحدة تخطوها الشركة للانتقال من القرد إلى الإنسان.

ويذكر أن العلماء والمهندسين البيولوجيين يعتزمون استنساخ حيوانات أخرى، بما فيها خيول السباق وكلاب للشرطة وكذلك البشر.

وتجدر الإشارة إلى أن العالم الياباني يوشينوري أوسومي الحاصل على جائزة نوبل في الطب لعام 2016، تمكن من تحديد الجين المسؤول عن تنظيم عملية “الالتهام الذاتي” للخلايا وهو مصطلح طبي حديث يعبر عن التهام الخلايا الدهون والأجزاء التالفة وتحويلها إلى مواد عضوية وإصلاح التلف.

ويعد عمل أوسومي شديد الأهمية للتعرف على المشاكل الجسدية التي تسبب عددا من الأمراض الغامضة مثل السرطان وباركنسون.

ومصطلح “الالتهام الذاتي” هو مصطلح معروف منذ أكثر من 50 عاما، لكن لم تحدث طفرة في فهم أسرار هذه العملية إلا بعد أن بدأ الدكتور أوسومي أبحاثه وتجاربه بشأنها من خلال خميرة الخبز في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.

وقال أوسومي إن الجسم البشري “يكرر دائما عملية التحلل الذاتي، وهناك توازن جيد بين عملية تكوين الخلايا والتحلل. وهذا هو سر الحياة”.

وبالنهاية يحاول العلم الحديث بالتحالف مع الذكاء الاصطناعي إنقاذ البشرية من الموت على الرغم من العراقيل التي تواجهه، بالإضافة إلى ضرورة تقريب الفهم الصحيح لهذه المسألة المعقدة التي يرى البعض أنها مهمة الرب وعلماء التكنولوجيا الحيوية يحاولون القيام بها.

يعمل العلماء على إيجاد حلول للتخلص من العديد من الأمراض خصوصا الوراثية أمام العجز عن إيجاد أدوية للبعض منها.

وعلى سبيل المثال مرض جفاف الجلد المصطبغ أو كما يعرف بمرض أطفال القمر، هو مرض وراثي بالأساس تم اكتشافه لأول مرة سنة 1870 من طرف الدكتور موريتز كابوزيس، وهو ناتج من فقدان حمض نووي ريبوزي منقوص الأكسجين لخاصيته في معالجة الطفرات الناتجة من اختراق الأشعة فوق البنفسجية للجلد نظرا إلى غياب إنزيمدي ان ايه بوليميراز 1 و3 ما يتسبب في احتراق الجلد وتقرّحه التام ومن ثمة الإصابة الحتمية بالسرطان.

ومن الصعب على البعض فهم معاناة المصابين بأمراض مماثلة يعمل العلم على التخلص منها.

كاتبة من تونس

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر