الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

التعليم في شلاتين كتابة على الرمال والخلوة بديل المدرسة

  • شلاتين منطقة نائية، تقع في الجنوب الشرقي لمصر، على الحدود مع السودان، وتضم خمس قرى، هي أبورمادا وحلايب ومرسى حميرة وأبرق ورأس حدربة، والتعليم فيها ليس إلا “خلوة” أو “كُتّابا” في الهواء الطلق مما يجعلك تتساءل: هل نحن حقًا دخلنا القرن الحادي والعشرين أم مازلنا في العصور الوسطى؟

العرب  شيرين الديداموني [نُشر في 2017/04/13، العدد: 10601، ص(20)]

الرمل أولى خطوات التعلم والكتابة

حياة بائسة تلك التي يحياها أهل مدينة الشلاتين، إذ يعانى الكثير من مواطنيها، الذين يبلغ تعدادهم ما يقرب من 19 ألف نسمة، من مشكلة أوراق الثبوتية (المستندات الرسمية من شهادات ميلاد ورقم قومي) التي تثبت جنسيتهم المصرية، ومن ثم تكفل لهم الخدمات التعليمية وغيرها.

معظم أطفالهم لا يلتحقون بالمدارس لعدم وجود مستندات رسمية لديهم، لذلك كانت الخلوة (أو الكُتّاب) الوسيلة المثالية للقضاء علي هذه المشكلة، فما من شخص وُلد في مثلث حلايب وشلاتين وأبورمادا ونشأ فيها، إلا وكانت الخلوة أول مكان جلس فيه في صغره بين يدي الشيخ.

ولفظ الخلوة جاء في الأصل من “الاختلاء”، أي الانفراد في مكان لا مخالطة فيه، ثم صار مصطلحاً يُطلق على المكان الذي يختلي فيه معلم القرآن الكريم مع الأطفال بعيداً عن الضوضاء ليعلمهم نطق القرآن وكيفية حفظه، ثم توسعت لتشمل القواعد الإملائية واللغوية، ويتم ذلك في الهواء الطلق على حصر خضراء، أو من خلال كتاتيب صغيرة مبنية على هيئة أكشاك خشبية.

الكتابة على الرمال

كل طالب في الخلوة فصل قائم بذاته ومعلمو المحافظات المصرية الأخرى يهربون ويعتبرون المكان مجرد منفى

في أبورمادا (في الجنوب من مدينة شلاتين)، رصدت “العرب”، أطفالا بعيون واسعة وبشرة سمراء، ولا تفارق البسمة شفاههم، وتزداد وجوهم توهجا عند ترحيبهم بالغرباء، بينما تتشبث أناملهم الصغيرة بألواح رديئة اللون والنوع، وكأنها إكسير الحياة بالنسبة إليهم.

أول ما يقرأه الدارس هي الحروف الهجائية، أو كما يسمونها “الألفات”، حتى يتقن نطقها، فالشيخ المسؤول عن الخلوة يدربه على التمييز بين الحروف المتشابهة نطقاً، حيث يرددها المتعلم، ويقوم الشيخ بتصويب النطق وتصحيحه، إلى أن يتمكن الطفل من نطقها نطقاً سليماً قدر استطاعته، ويميز في الرسم بين الحروف المتشابهة.

ثم تأتي بعد ذلك مرحلة الكتابة، وتكون البداية عن طريق إصبع السبابة بتشكيل الحروف على الرمال (أ، ب، ت، ث…) والشيخ الذي يعلمهم يتفقدهم، فيصيح في هذا ويصرخ في ذاك، طالبا منهم محو الكلمة من الرمال وإعادة كتابتها مرة أخرى.

ينتقل المتلقي بعد ذلك إلى التدرّب على نطق الحركات (بالنصب أو الكسر أو الضمة أو السكون) وكتابة تلك العلامات على الحروف الهجائية نفسها، وهذا أيضا يتم على الرمال، ثم يتعلم الطفل تركيب الكلمات ليركب منها جملة مفيدة، وبذلك يكون مؤهلاً لالتقاط ما سيُمليه عليه الشيخ من السور القرآنية وكتابته.

وعندما يتأكد الشيخ من أن تلميذه كتب الكلمة بطريقة صحيحة، يطلب منه أن ينقلها في اللوح الذي يحمله والذي يكون قد حصل عليه من تبرعات الجمعيات الخيرية أو القوافل الخيرية والدعوية التي تصل إلى المنطقة، والتي تمدّ دُور تحفيظ القرآن في مناطق متفرقة بجميع الأدوات والمصاحف للتيسير على الأطفال.

الشيخ ياسين، المسؤول عن “خلوة الطبوة” (حاصل على دبلوم الثانوية التجارية)، يعمل بتلك المهنة منذ 7 سنوات، ويقوم بتعليم ما يقرب من 75 طفلًا، منهم من يذهبون إلى المدرسة، ومنهم من ليست لديهم أوراق ثبوتية لدخولها فيعتمدون فقط على ما يتعلمونه في الخلوة.

أوضح الشيخ لـ”العرب” أن أغلبية المشايخ في منطقة حلايب وشلاتين وأبورمادا، يتبعون تلك الطريقة مع الأطفال لأنها لا تكلفهم كراسات هم لا يملكونها، فالرمال من السهل محو الكتابة من فوقها، أما الورق فمكلّف لأنه يتم التخلص منه بعد الكتابة فيه لمرة واحدة.

أقلام وألواح من الخشب وحبر من الفحم

ويعاني الطلاب، وخصوصا في المرحلة الابتدائية، من ضعف اللغة العربية، التي هي بالنسبة إليهم عالم مجهول كاللغة الإنكليزية تماما، ويصعب عليهم فهمها، حيث يسود لهجتهم أسلوب الرطانة (كلام غير مفهوم) في التعامل اليومي بين الأهالي.

خلوة الشيخ ياسين، مثل أغلبية الخلوات في قرى مدينة شلاتين، تتبع نظام التعليم الفردي، أي لا توجد فوارق زمنية (فصل أولى، وثانية، وثالثة)، وبالتالي فإن كل طالب يمثل فصلًا لوحده قائمًا بذاته بحسب قدرته وطاقته على الاستيعاب والحفظ، فهو غير مرتبط بالآخرين في مقدار ما يتحصل عليه من حفظ للقرآن الكريم.

وليس للخلوة زي رسمي يرتديه المترددون عليها، وإنما المعتاد أن يخيط الأب لابنه قميصاً رخيصا، يتحمل تبعات الجلوس على الأرض، وما يتناثر عليه من ألوان مختلطة وأتربة.

والأطفال هناك، لا يشعرون بأي أزمة، وتبدو عليهم السعادة الغامرة، على الرغم من أنهم يستيقظون في الصباح الباكر للذهاب إلى المدرسة، ثم يهرولون بعد خروجهم منها ليتوجهوا إلى الخلوة في الثانية ظهرا بعد يوم دراسي شاق.

إسلام البالغ من العمر 13 عاما وهو من أبناء قبيلة العبابدة، قال لـ“العرب”، إنه ذهب للمدرسة حديثا، إلا أنه يتردد على الخلوة منذ 8 سنوات، فهو لا يستفيد من المدرسة، بينما الخلوة بالنسبة إليه هي بيته.

وقال إنه يسمع من الشيخ، ويجرب ما يكتبه على الرمال مرات عديدة، قبل أن ينقل ما تعلمه على اللوح، وهذه الطريقة مكّنته من حفظ ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم، وأمنيته الوحيدة أن يكون نجارا عندما يكبر.

أما محمد (12 عاما) فلا يذهب إلى المدرسة، بل يتسابق هو وإخوته الأربعة مع أصدقائهم على من يصل قبل الآخر إلى الخلوة، وأشار لـ“العرب” إلى أنه استطاع أن يحفظ جزأين من القرآن، ويكتبهما بمفرده، وأن سبب انتظامه في الذهاب هو حبه الشديد للمكان، ويتطلع إلى أن تحلّ مشكلة أوراقه الثبوتية لكي يكون في المستقبل ضابطًا (أو سابت كما نطقها).

شيخ دون مؤهل

بالرغم من أن مشروع التعليم أصبح واحدا من أهم المشروعات القومية للدولة المصرية، إلا أن عددا كبيرا من أطفال شلاتين، يجدون خلوة “الشيخ ماهر” مصدرا رئيسا لتلقي تعليمهم الأساسي، فيذهبون إليها باللوح الخشبي، بعيداً عن الكتب والكراسات، فهو أداتهم الوحيدة كبديل عن الكِتاب.

الشيخ المخضرم في التعليم لأكثر من أربعين عاما لم تترك التجاعيد مكانا في وجهه إلا ونالت منه، لكن تقدمه في العمر لم يمنعه من الجلوس وسط تلاميذه في قوة وصلابة.

أول ما يقرأه الدارس هي الحروف الهجائية، أو كما يسمونها “الألفات”، حتى يتقن نطقها، فالشيخ المسؤول عن الخلوة يدربه على التمييز بين الحروف المتشابهة نطقاً

في داخل غرفة مبنية من الطوب الحجري، ومحاطة بأسوار كبيرة من كل اتجاه، يمسك ماهر لوحا خشبيا عريضا يفحصه ويراجعه وفي ذات الوقت يقرأ الآية القرآنية المكتوبة ليردّدها خلفه الطلاب.

خلوة الشيخ ماهر، تعتمد على نظام المعلم الواحد، وقال بفخر وبلهجة بدوية لا تخلو من بعض كلمات الرطانة إنه لا يملك أي مؤهل دراسي، لكنه حفظ القرآن، وتعلم الفقه والرسالة وأمهات الكتب عن طريق شيوخ من الأزهر كانوا يترددون على المدينة، ويزهو الشيخ بأنه كان سببا في تعليم الكثيرين من أبناء قبائل البشارية والأتمن اللغة العربية إلى جانب القرآن الكريم.

وهو يشرف على عدد من الطلاب يصلون إلى المئتين، ومنهم من لم يلتحق بالمدرسة لعدم وجود أوراق ثبوتية لديهم، وفرصتهم الوحيدة هي التعلم في الخلوة، لذلك يخصهم ببعض من الاهتمام عن غيرهم، ويضطر في بعض الأحيان إلى أن يقسو عليهم لأنه يعرف أن فرصتهم الوحيدة في التعلم تكون من خلاله هو فقط.

وأوضح لـ”العرب”، أن البعض من الخلوات، ومنها خلوته، لم تصلها التبرعات من الأقلام والألواح الفايبر، ولذلك يستخدم الدارسون لوحا من الخشب السكري

يسمى “الهغليغ”، يمكنه البقاء لسنوات، فالحشرات لا تأكله بسبب مرارة طعمه، وهو الأفضل في الكتابة، ويستوعب آية أو آيتين من القرآن.

والدارس يكتب فوق اللوح بقلم من قصب الخشب يغمسه في الدواة (إناء صغير عميق) توضع فيه نفاية الدخان العالق بظهر أواني الطبخ، والبعض يحرق الشجر فيحوّله إلى فحم، يضعه في الماء، ثم يغمس فيه عصا خشبية ويستخدمها في الكتابة.

الأطفال ينادون الشيخ ماهر بـ”سيدنا”، أو “شيخنا”، وهو عُرف درج عليه الآباء والأبناء في مخاطبة شيخ الخلوة، احتراماً وتقديراً له؛ كونه حافظا لكتاب الله ويعلمهم إياه.

الأب يمنح شيخ الكتاتيب الإذن بتأديب ابنه حتى لو استخدم السوط على باطن القدم

إسلام ذو التسع سنوات، يخط على لوح خشبي ما يمليه عليه “سيده” من آيات الذكر الحكيم، وقال لـ”العرب”، إنه يحفظها صباحاً على الرمال أولا، ثم يعرضها على الشيخ ليأذن له بالانتقال إلى مقطع آخر، أو يلزمه بإتقان حفظها، وهكذا تمضي أيامه حتى يكمل سورة بعد سورة، وجزءاً بعد آخر، إلى أن يختم القرآن الكريم كلّه.

وبعد انتهاء ساعات الحفظ يغسل إسلام وأصدقاؤه تلك الألواح خارج الغرفة في بركة من الماء يعتقد الأهالي أنها مقدسة ويتبركون بها، نظرًا إلى أنها تحوي ماء ذابت فيه كلمات القرآن الكريم.

“قُم للمعلم وفّه التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولا”، هو شعار مات في معظم المدارس المصرية هذه الأيام، إلا أن الآباء في مثلث حلايب وشلاتين مازالوا يؤمنون به، ورصدت “العرب”، أنه عند اصطحاب أولياء الأمور أبناءهم للخلوات، يطلب الأب من ابنه تقبيل يد الشيخ، كدليل على الاحترام وتوقيرا لمكانته، ثم يأخذ الابن مكانه أمام الشيخ على هيئة جلسة التشهد في الصلاة، وأمامه أدواته، وبيده قلمه القصبي، ليكتب ما يُمليه الشيخ عليه.

الأب يعطي شيخ الخلوة كامل الصلاحية في تهذيب ابنه وتأديبه حتى لو اقتضى الأمر ضربه، لكن الشيخ يدرك حدود سوطه أو عصاه فلا يتعداها، ولا يستخدم عقوبة الضرب إلا عند انشغال الطلاب بالمحادثة الجانبية بعضهم مع بعض، أو عبثهم في ساعة الحفظ، أو غياب أحدهم دون استئذان مسبق.

والضرب في هذه الحالات كثيراً ما يكون بالسوط على باطني القدمين ليكون المضروب عظة وعبرة لغيره، وهو العقاب المعروف بـ”الفلقة”، حيث يمسك بقدمي الطالب المضروب اثنان أكبر منه سنًا، حتى لا يستطيع الانتقام منهما لاحقا.

أحمد سدو‏، عضو لجنة العربان بمجلس محلي أبورمادا‏، أوضح لـ”العرب”، أن غالبية الخلوات تكون بدعم من الأهالي، فمنهم من يتبرع بقطعة الأرض، وآخر يقوم بشراء الألواح الخشبية، وثالث يتبرع ببناء الخلوة، ويقوم متلقي التعليم بدفع خمسة جنيهات شهريا للخلوة (أقل من نصف دولار).

في داخل غرفة مبنية من الطوب الحجري، ومحاطة بأسوار كبيرة من كل اتجاه، يمسك ماهر لوحا خشبيا عريضا يفحصه ويراجعه وفي ذات الوقت يقرأ الآية القرآنية المكتوبة ليردّدها خلفه الطلاب

وأشار إلى وجود عجز بعدد المدرسين في المنطقة، رغم افتتاح عدة مدارس جديدة، فمعظم المدرسين من المحافظات المصرية الأخرى يرفضون المجيء بسبب بُعد المسافة وصعوبة الحياة في مثلث تنقصه الكثير من الخدمات، فالمعلمون ينظرون إلى المنطقة على أنها “منفى”.

لذلك يلجأ الأهالي إلى الخلوة، لكن سدو يرى أن تحفيظ القرآن دون أن يكون مصحوبا بالتعليم المدرسي يعتبر جريمة تستوجب العقاب والمساءلة، لأن الأطفال سوف ينسون ما حفظوه بعد سنين. وأضاف أن الشيوخ القائمين على أمر الخلوات يتخذون منها مصدرا لإدرار الدخل، من خلال الصدقات والهبات التي تأتي إليها، بجانب أنهم غير مؤهلين تربويا ومهنيا للقيام بأدوار التعليم والإشراف على الأعمار الصغيرة.

وأكد أن الذين طوّروا أنفسهم من خريجي الخلوة هم فقط الذين التحقوا بالمعاهد الدينية المتوسطة والثانوية وبعدها الجامعة، أما الذين اكتفوا بالخلوة فإنهم الآن بلا مؤهل أو عمل.

واعترض عضو لجنة العربان على وجود دارسين متفاوتة أعمارهم في الخلوة الواحدة، مؤكدا خطورة ذلك من الناحية الأخلاقية، ودعا الدولة إلى التدخل وتنظيم هذا النوع من التعليم داخل الخلوات، حتى تصبح وحدة تعليمية متكاملة، وأن تكون تحت إشراف مدرسين معتمدين من وزارة التربية والتعليم يعملون وفق خطة تعليمية شاملة لتنمية البلاد.

تصوير محمد حسنين

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر