الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

طيور عصر التكنولوجيا لم تعد تخشى 'خيال المآتة'

  • من المناظر التي يراها القاصي والداني من ركاب القطارات التي تمر في قلب المسطحات الخضراء في مصر، دمية “خيال المآتة” التي يزداد إقبال الفلاحين على نصبها وسط حقولهم في فصل الصيف لحماية محاصيلهم من سطو الطيور، حيث يصعب عليهم الاستمرار في تفقد مزارعهم طوال النهار بسبب حرارة الشمس.

العرب  شيرين الديداموني [نُشر في 2017/04/15، العدد: 10603، ص(20)]

بعض المزارعين يلبسون الفزاعة عمامة وآخرون يتفننون في تطويرها

القاهرة- “خيال المآتة” أو “الفزاعة” كما يسميها المزارعون في البعض من الدول العربية هي دمية كبيرة تتكون من قطعتين من العصي مربوطتين معا بحبل، ومثبتتين في الحقل، يكسوها الفلاحون بجلباب واسع قديم، أو بالقش أو الخيش (قماش سميك من الصوف أو الكِتان)، كي تبدو للطيور وكأنها رجل ممدود الذراعين، ما يجعلها تفزع ولا تقترب من الزرع.

استمد “خيال المآتة” اسمه من كلمة الميّت (المتوفى)، في دلالة على أنه دون فائدة، ومع ذلك يضعه الكثيرون في قلب حقولهم وهم يدركون أنه لن يحمي النبات من غزوات الطيور الجائعة، حيث لم تعد الطيور المخضرمة تخشاه، بل تهبط إلى الحقل فتأكل بلا توقف. والمثير للانتباه اليوم هو انتشار مجسمات عديدة الأشكال لـ”خيال المآتة” ربما تتماشى أكثر مع تطورات العصر، مثل وضعه في صورة رجل من رجال الجيش، يرتدي الزي المموه للجنود المصريين، ويقف وحيدا فاردا إحدى ذراعيه، بجوار محطات الطاقة الشمسية، لإيهام اللصوص بوجود جندي يحرس تلك المحطات فلا يقربونها.

حسن الصاوي الموظف بإحدى محطات الطاقة أوضح لـ”العرب” أن تلك الفكرة مستوحاة من “خيال المآتة” في الأراضي الزراعية، لكن القائمين على المشروع طوروا هذه الدمية لتكون شديدة الشبه بالإنسان، لأن خداع البشر ليس سهلا كخداع الطيور، لكن الموظف لم يستبعد أن يكتشف اللصوص الخدعة، ووقتها سيتم البحث عن بديل آخر له شكل جديد.

ما باح به موظف الطاقة الشمسية لم يختلف كثيرا عما اعترف به المزارع عبدالله شحاتة الذي قال إنه يستخدم “المآتة” فقط لمجرد إراحة ضميره عندما يكون نائما في منزله ساعة القيلولة، وإيهام نفسه بأنه أقام حارسا على غلاله لأنه لا يستطيع أن يقضي 24 ساعة في حقله، ومن ثم فهذا الوضع يجعله أكثر ارتياحا واطمئنانا من البقاء بلا حراسة.

وأكد لـ”العرب” عدم فائدتها للطيور والغربان التي تكون قد تعرفت على المكان، إلا أنها مفيدة أثناء مرور الطيور المهاجرة لأول مرة بالحقول، والتي يمكن لانتقالها من ثمرة إلى أخرى أن تتلف محصول العام كله من الفواكه والخضروات.

حارس مجاني

وأوضح أنه يُلبسها ثوبا أو قماشا لتشبه الإنسان، ويزهو بأنه يختلف عن جيرانه بأنه يزودها بعناصر متحركة، كأجراس خفيفة تدق كلما هزتها الريح، فتسمعها الغربان قبل أن ترى خيال “المآتة” فتولِّي هاربة، وقد يخدع ذلك أيضا اللصوص المتسللين من بعيد في الليل لسرقة المحاصيل.

لا لقتل الطير

أصحاب الأراضي الزراعية أعيتهم الحيل للمحافظة على محاصيل مزارعهم من الطيور المنتشرة في كل مكان، والتي تزداد وتقل وتتنوع حسب الطقس وفصول السنة. الحاج أسامة السيد يمتلك عدة أفدنة من الأرز في محافظة الشرقية (شمال القاهرة)، شرح لـ”العرب” أن العصافير الصغيرة تلحق أضرارا بالغة بالمحاصيل بسبب هجماتها المتتالية التي تخرّب الثمار، لذلك يستخدم الأساليب التقليدية لإبعادها عن المحاصيل.

وفي بادئ الأمر كان يستأجر حارسين يتبادلان حراسة الحقل (كل منهما يحرس لمدة 12 ساعة)، وكانا يحملان صاجات (أطباقا مسطحة) من النحاس تحدث صوتا مدويا كفيلا بأن يفرق الطيور، لكن مع مرور الوقت لم يعد أحد يقبل أن يمتهن هذا العمل، بسبب تضييعه للوقت وقلة عائده المادي.

وبالتأكيد، فإن الطريقة الأنجع والأكثر فاعلية لحماية الحقول هي قتل الطيور، إلا أن أغلب الفلاحين يحرمون قتلها لأنهم يحبونها ويرونها مفيدة، منها طائر “أبوقِردان” الذي يعتبره المصريون منذ الفراعنة صديقا للفلاح، لأنه يخلص الأرض من الحشرات الضارة.

لكن على العكس من المزارعين في مصر والدول العربية، فإن فلاحي البلدان الأخرى يقومون بنصب الفخاخ لقتل الطيور، بوضع قطعة من الطعام مسممة (كالطماطم مثلا) فوق رأس “خيال المآتة”، وعندما يحط عليه الطير ليأكل منها يقع ميتا في الحال.

المزارع العربي كان على حق، عندما قتل مزارعو الغرب الطير انتشرت الأمراض في براعم المحاصيل، لأن الطيور لم تكن تأكل النبات فقط، بل كانت تقتل أيضا الديدان التي تفتك بالحبوب، واكتشف العلماء في الستينات من القرن الماضي أن استعمال المبيدات الكيميائية لقتل الطيور ضار جدا على صحة من يأكلون تلك المزروعات بعد حصادها.

محمد مصطفى موظف بجهاز حماية البيئة (هيئة حكومية) أكد لـ”العرب” أن الجهاز يعتبر قتل الحيوان جريمة يعاقب عليها مرتكبها بالحبس لمدة لا تقل عن 3 أشهر وغرامة يحددها القانون، أو بإحدى العقوبتين لكل من قام بالصيد أو قتل أو إمساك الطيور.

وأشار إلى أن المصريين يدركون بفطرتهم أن قتل الحيوان من قتل الإنسان، لذلك فالقدماء كانت ثقافتهم “إخافة الطير لا قتله”، وتتفق المآتة- التي تخيف ولا تضر- مع هذه الثقافة، لذلك يلجأ أصحاب الأراضي إلى ابتكار طرق بديلة تحول دون قتل الطيور مع عدم فقدان كميات كبيرة من محاصيلهم.

ويرى صلاح، الذي يعمل بالزراعة منذ نعومة أظافره في مركز العيّاط بمحافظة الجيزة، أنه رغم وضوح ملامح المآتة التي يملأ رأسها القش، إلا أنها تنجح في التحايل على الكثير من الطيور، ورغم أنها طوال اليوم لا تحرك ساكنا وترتدي قبعة أكبر من حجمها وجلبابا فضفاضا لا يتناسب مع أعواد الخشب، لكن الطيور الصغيرة مثل نقار الخشب والغربان لم تتمكن من معرفة أنها مجرد دمية الغرض منها الإيهام بأن الفلاح موجود في الأرض لحراستها، فتهابه وتخشاه وتبتعد عن المحصول.

“خيال المآتة” الذي يصنعه الفلاح البسيط في أرضه وظفه الغرب بنجاح منقطع النظير في أعمالهم السينمائية، وخاصة في أفلام الرعب والدراما الكلاسيكية المخيفة

ومع تكرار عملية “الكر والفر” من الطيور وإدراكها أنه مجرد خيال صامت، فقد تعودت عليه وأيقنت أنه عاجز عن إيذائها، لذلك تعود في ما بعد إلى الأرض بعد استكشافها للأجواء ثم تأكل الحبوب وتنقر الخضروات والفاكهة، بل وبات من الطبيعي أن يرى الفلاح الطيور تستريح على رأس المآتة بعد تناول وجبتها من المحاصيل، وتظل تنظر إليه بتحد واضح، والمضحك أنها أحيانا ما تختبئ من صيادها في جلباب المآتة.

وتفنن المزارعون في تصميم أزياء متغيرة لـ”خيال المآتة” بألوان عديدة وبعمامة مهيبة ضخمة ليست سوى قماش ملفوف حول رأس عود القش ويلبسونه ملابس المزارعين البالية، ويظل مخيفا لبعض الوقت، لكن الطير ما يلبث بعد فترة أن يدرك الخدعة، الأمر الذي يضطر العم صلاح لأن يطوِّره، فيجلب أجراسا صغيرة وخفيفة يعلقها في عنق المآتة، وعندما تهب الريح تصدر رنينا لم تعتده الطيور، فتظن الواقف رجلا فتبتعد من جديد، لكنها تستكشف الحيلة الجديدة فتعاود الكر والفر من جديد.

كما ابتكر المزارعون علبة لها أذرع تقام على رأس وتد طويل، وتحتوي على أغطية تنفتح فجأة كل ساعة، وتحرك الأذرع صعودا وهبوطا، ومن الممارسات الشائعة أيضا وضع طائر ميت أو اثنين وربما لعبة بلاستيكية على شكل طائر إلى جانب المآتة، كتحذير للطيور من نفس المصير، وهناك من يضع على المآتة شرائط ملونة تتطاير ومرايا عاكسة لأشعة الشمس لتوحي بأن هناك حارسا للنباتات.

محمد يوسف من أعيان قرية كفر محسن (محافظة الشرقية) قال لـ”العرب” إنه كان يمتلك أراضي شاسعة قبل تطبيق قانون الإصلاح الزراعي أيام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وإنه استخدم خدعا كثيرة لإبعاد الطيور عن المحاصيل، حيث كان ينصب أكثر من مآتة على بعد مسافات طويلة على هيئة امرأة مع وشاح يتطاير وملابس فضفاضة رثة، ويلف عنقها بمنديل، ومعها كامل أدواتها من فأس ووعاء من الفخار، وكان ينقلها من مكان إلى آخر.

والأهم هو أن يتم نصبها بعيدا عن أعين الطيور، أو في الليل كي لا تدرك أنها خدعة، وفي أحيان كثيرة كان صاحب الأرض يقيم اثنين من المآتة، على شكل رجل وامرأة، ليكون المشهد أقرب إلى الطبيعي.

أما الفلاحون الفقراء فكانوا ومازالوا يدقون أوتادا من خشب الأرز، يفصل بينها متران أو ثلاثة أمتار، ثم يمدون بينها حبالا ويعلقون عليها أكياسا بلاستيكية، وحين تهزها الرياح تصدر الأكياس صوتا يخيف الطير.

كل تلك الحيل تجاوزتها عقول الطيور، وهو ما دفع البعض إلى اختراع “خيال مآتة” عصري يعمل بالطاقة الشمسية ويتحرك في جميع الاتجاهات، ويتم التحكم فيه عن بعد بالريموت كنترول، ومزود بكاميرا مثبتة على مستوى عيني الدمية، ومكبرات صوت تصدر أصواتا مرتفعة وحادة.

ورغم أن خدعة “خيال المآتة” قديمة جدا إلا أن الشرطة الأميركية لجأت إليها لتنظيم المرور، فبعد تزايد شكاوى مواطني ولاية أوكلاهوما الأميركية من سرعة سائقي السيارات، اتجهت الشرطة هناك إلى تصنيع دمية بلاستيكية على شكل شرطي ووضعتها في سيارة شرطة على الطريق، ونجحت الخدعة بالفعل في إجبار السائقين على احترام قواعد المرور بعدما اعتقدوا أن هناك شرطيا حقيقيا يجلس داخل السيارة، وأطلقوا عليه لقب “الشرطي بوبو”.

"المآتة" في السينما

إخافة الطير أفضل من قتله الذي يتسبب في خسارة أفدح للفلاح والطبيعة

محمد صالح أستاذ الحضارة الإغريقية أوضح لـ”العرب” أن “المآتة” في الأصل دمية فرعونية، صنعوها لإخافة طيور السمان واصطيادها، وكان المزارعون ينصبون أعمدة من الخشب في الأراضي ويعلِّقون عليها شباكا، ثم يختبئون في الأرض بقربها، فإذا خاف السمان، يطير صوب الشباك فيعلق بها، ويصطاده الفلاح كطعام له، ثم تطوَّرت الفكرة لحماية الحبوب والمحاصيل في الحقول.

وأشار الباحث إلى أن اليونانيين نقلوا الفكرة عن المصريين، لكنهم نحتوا هذا الخيال من الخشب على شكل بطل من الأساطير الإغريقية يدعى بريابوس، وكان قبيحا جدا ويعيش في المزارع، ولاحظ الفلاح أنه حين كان يلعب تخافه الطيور لقبحه وتمكث بعيدا عن الزرع، وترك “خيال المآتة” بصماته في الأدب والفن على حد السواء كما في الزراعة.

وأوضح الناقد الفني محمد حبوشة لـ”العرب” أن “خيال المآتة” الذي يصنعه الفلاح البسيط في أرضه وظفه الغرب بنجاح منقطع النظير في أعمالهم السينمائية، وخاصة في أفلام الرعب والدراما الكلاسيكية المخيفة، واستطاعت السينما الأوروبية توظيفه بشكل كبير، حتى وصل إلى أفلام عالمية نالت جوائز الأوسكار، واستغله فنانون عالميون، على رأسهم الفنان الهندي الشهير أميتاب باتشان، في الكثير من الأعمال السينمائية الكوميدية مثل فيلمه “قمر أكبر أنتوني”.

وأشار حبوشة إلى أن هناك فيلما كلاسيكيا أطلق عليه اسم “خيال المآتة”، ويعد من أوائل أفلام الممثل الأميركي العالمي آل باتشينو، وحاز على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان عام 1973.

وعندما قرر المترجم الفرنسي جان كلود أن يترجم إحدى القصائد في إطار نشاط المركز الفرنسي للترجمة بالقاهرة، وقع اختياره على إحدى قصائد شاعر العامية المصري عبدالرحمن الأبنودي، وهي قصيدة “موت خيال المآتة” التي تقول كلماتها “يا عم يا صاحب المآت.. خيال مآتك مات.. تنعق الغربان طوال اليوم.. تأتي صفوف من فوق شجرة الدوم.. لا تترك الطايبة ولا النيّئة”. وهكذا، يبقى “خيال المآتة” تذكارا جميلا من زمن لم يول بعد، لكنه يتطور ويتم تحديثه في ظل الطفرة التكنولوجية، وتقام للقديم منه مهرجانات لاختيار الأطرف والأخف ظلا.

تصوير: محمد حسنين

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر