السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

الفلامنغو يرقص رقصة الطائر المذبوح في العراق

  • الفلامنغو طائر جميل ألهم الإنسان موسيقى ورقصات تعبيرية صارت عالمية، أما في جنوب العراق فقد أصبح طائر الفلامنغو عرضة للصيد الجائر ومصدر رزق لعدد من العراقيين الذين يعرضونه على الأرصفة في الأسواق الشعبية، بل يعرضون لحمه للبيع بعد ذبحه وهم يعلمون أن صيده ممنوع، لكن لا رقيب ولا رادع يمنعهم.

العرب  [نُشر في 2017/01/04، العدد: 10502، ص(20)]

الصيد الجائر يهدد الطير النادر بالانقراض

بغداد - تتصاعد التحذيرات في العراق من اتساع ظاهرة الصيد الجائر لطيور نادرة، ولا سيما طائر الفلامنغو، في المسطحات المائية المعروفة باسم الأهوار، والمنتشرة على مساحات شاسعة في ثلاث محافظات جنوبي البلد.

فعلى نطاق واسع، وخلال الأسابيع القليلة الماضية، تداول نشطاء صورا على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر صيادين وهم يعرضون طيور فلامنغو للبيع في سوق شعبي جنوب العراق، لكن أكثر ما أثار الصدمة هي صور لباعة يعرضون لحم الطائر للبيع بعد ذبحه.

واعتبر المئات من العراقيين، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، اصطياد وبيع طيور الفلامنغو جهلا بأهمية هذا النوع النادر من قبل سكان منطقة الأهوار.

وأكد ناشطون أن عملية الصيد الجائر لا تتوقف على طائر الفلامنغو، بل تتعداها إلى أنواع أخرى من الطيور النادرة مثل البلابل المهددة أيضا بالانقراض.

وحذرت منظمة طبيعة العراق من مخاطر الصيد الجائر للطيور المهاجرة لا سيما الفلامنغو على التنوع البيئي في العالم، وعدته تهديدا لاستمرار وجود الأهوار على لائحة التراث العالمي.

وتنص القوانين العراقية على فرض عقوبة السجن والغرامة بحق من يقدم على قتل وصيد تلك الأنواع النادرة من الطيور.

ويقول علي البديري، عضو في لجنة الزراعة والمياه النيابية، إن “قانون وزارة الزراعة الخاص نص على منع الصيد الجائر للطيور والأسماك خلال موسم التكاثر وشدد في ذلك على الطيور والكائنات الحية النادرة وفي مقدمتها طائر الفلامنغو”، مشيرا إلى أن “القانون نص على معاقبة من يقوم بذلك بحبسه وتغريمه”.

هادئ وأنيق

وأضاف البديري أن “صيد طائر الفلامنغو الذي يعد من أجمل الطيور في العالم يعد كارثة للعراق وإساءة واضحة لتراثه”، لافتا إلى أن “انضمام الأهوار إلى التراث العالمي كان ببالغ الصعوبة ووفق شروط والتزامات كثيرة وسيتم سحب ذلك الانضمام في وقت في حال عدم معالجة الصيد الجائر للأسماك والطيور البرية”.

والفلامنغو أو “النحام”، هو طائر كبير الحجم، يمتلك رقبة طويلة، وساقين طويلتين، ويتميز باللون الوردي المائل للحمرة، ما يجعله من أجمل الطيور في العالم.

وهناك ستة أنواع من طائر الفلامنغو وهي طائر الفلامنغو الكبير، طائر الفلامنغو الصغير، طائر الفلامنغو التشيلي، طائر فلامنغو الأنديز، طائر الفلامنغو الأميركي وطائر الفلامنغو بونا.

ويأتي الفلامنغو إلى العراق مهاجرا زائرا إلى المنطقتين الوسطى والجنوبية ومحافظات الفرات الأوسط النجف وكربلاء للفترة من منتصف شهر سبتمبر وبداية أكتوبر، ويغادر في مارس ويأتي على هيئة أسراب صغيرة.

أما بالنسبة إلى وجود الطائر في دول العالم الأخرى، فيتواجد في المناطق المدارية وشبه المدارية في بحيرات الصوديوم على شواطئ البحيرات والمحيطات، وفوق المياه الراكدة والأجزاء الضحلة من البرك المالحة في مناطق مختلفة من أوروبا وآسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية والبحر الكاريبي.

صيد جائر

محسن الناصري، وهو من سكان الأهوار، قال إن “ظاهرة الصيد الجائر اتسعت خلال فصل الشتاء، نظرا إلى أنه موسم استقرار العديد من أنواع الطيور النادرة في أهوار العراق خلال موسم الهجرة”.

وتابع أن “الصيادين يصطادون الطيور بمختلف أنواعها، ومنها النادرة، مثل طائر الفلامنغو، بغرض التجارة، لكن البعض الآخر يصطادها لمجرد التسلية فقط”.

وعن سعر بيع طائر الفلامنغو، أوضح المواطن العراقي أن “الصيادين يبيعون الطائر بثمن يتراوح بين 15 و25 دولارا، البعض يقتنيه كزينة في المنازل، وآخرون، وهم قلة، يأكلون لحمه”.

والأهوار عبارة عن مسطحات مائية تغطي الأراضي المنخفضة في جنوبي السهل الرسوبي العراقي، وهي أكبر نظام بيئي من نوعه في الشرق الأوسط وغربي آسيا.

لوحة يرسمها الطائر المهاجر

هذا المستنقع المائي الشاسع تبلغ مساحته قرابة 16 ألف كيلومتر مربع، وهو ممتد بين ثلاث محافظات جنوبية، هي ميسان وذي قار والبصرة.

وبحثا عن الدفء خلال الشتاء، تلجأ إلى الأهوار الكثير من الطيور المهاجرة، وبينها أنواع نادرة ومهددة بالانقراض، مثل الفلامنغو، الذي يأتي مهاجرا في أسراب صغيرة من مناطق عديدة من العالم، حيث يضع بيضه ويفرخ في الأهوار.

ورغم أن القانون العراقي يحظر الصيد الجائر، ويفرض عقوبات على المخالفين، إلا أن الصيادين يجاهرون بنشر صورهم وهم يحملون صيدهم من الفلامنغو في ظل غياب التطبيق الصارم للقوانين.

مدير دائرة البيئة (حكومية) في محافظة ذي قار، محسن عزيز، قال إن “عقوبة الصيد الجائر هي السجن لمدة ثلاث سنوات، لكن لا بد من تشديد الرقابة في الأهوار لوضع حد لهذا النوع من الصيد”.

وأضاف أن “دائرة بيئة ذي قار تتابع كل حالات الصيد الجائر في أهوار المحافظة، بالتنسيق مع قيادة الشرطة، خاصة بعد ورود معلومات عن اصطياد طيور نادرة. بعض ضعاف النفوس اصطادوا طيورا نادرة في الأهوار، لكننا لم نرصد مثل هذه الحالات في ذي قار”.

على قائمة التراث

الأهوار واحدة من أكبر وأهم المناطق الرطبة في العالم، وتمتد جذورها إلى حضارة السومريين قبل خمسة آلاف عام قبل الميلاد، ويعتقد البعض أنها الموقع الذي يطلق عليه في العهد القديم اسم “جنات عدن”.

هذه المنطقة، بحسب دراسات وبحوث تاريخية وأثرية، هي المكان الذي ظهرت فيه ملامح حضارة السومريين، وهو ما توضحه آثار ونقوش سومرية مكتشفة في المنطقة. وعامة، يمتهن سكان الأهوار صيد الأسماك، وتربية الجاموس، وهي ملتقى للطيور المهاجرة من أنحاء العالم. وتواجه الحياة الطبيعية في الأهوار خطر الجفاف، بسبب انخفاض منسوب المياه في الأنهار، التي تشكل المصدر الرئيسي للمياه في المنطقة.

وفي يوليو الماضي، أدرجت لجنة التراث العالمي في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) الأهوار ضمن لائحة التراث العالمي، قائلة إنها منطقة “فريدة من نوعها، باعتبارها واحدة من أكبر المسطحات المائية الداخلية في العالم في بيئة جافة وشديدة الحرارة”.

وعلى الأهوار يعلق العراق آمالا في جذب السياح إلى البلد، الذي نادرا، ولأسباب أمنية، ما يكون وجهة سياحية رغم ثروته الأثرية والطبيعية.

غياب الرقابة الحكومية على الأهوار، بحسب تحذيرات مختصين، يهدد بفقدان المنطقة المزيد من ملامحها الطبيعية المميزة.

ووفق عضو لجنة الزراعة والمياه والأهوار في مجلس النواب (البرلمان) العراقي، علي الصافي، فإن “اللجنة ستناقش موضوع صيد الطيور في الأهوار فور انتهاء عطلة البرلمان الأسبوع المقبل”.

ويقول الصافي “سمعنا عن الصيد الجائر في أهوار العراق واصطياد بعض الطيور النادرة، مثل الفلامنغو، ولذا ستعقد اللجنة اجتماعا بعد عطلة مجلس النواب لبحث الأمر”.

طائر خلق ليزين الحياة

وتابع النائب العراقي أن “اللجنة ستصدر توصية إلى الجهات التنفيذية بتشديد العقوبات على من يصطادون هذه الطيور، مع تشديد الرقابة الأمنية على الأهوار الجنوبية”.

والأربعاء الماضي، شارك العشرات من العراقيين في وقفة أمام مبنى الحكومة المحلية لمحافظة ميسان، احتجاجا على الصيد الجائر لطيور الفلامنغو التي تتوافد على العراق أسرابا في الشتاء، داعين السلطات إلى وضع حد لهذه الظاهرة.

وكانت وزارة الموارد المائية العراقية، أعلنت يوم 26 يناير الماضي، أن صيد طيور الفلامنغو المهاجرة مخالف لالتزامات العراق الدولية، ودعت السلطات المحلية في البصرة وذي قار وميسان إلى تحمل مسؤولية الحفاظ على التنوع البيئي، عبر استنكار هذه الممارسة، واتخاذ الإجراءات الهادفة إلى وقفها، إضافة إلى المشاركة في حملة توعية.

وأطلق وزير الموارد المائية حسن الجنابي نداء دان فيه صيد وقتل وبيع طيور الفلامنغو في العراق.

وقال الجنابي إن “هذه الطيور تسببت التغييرات المناخية في ازدياد هجرتها في العقود الأخيرة، وقد وجدت في أهوار العراق ملاذا لها في الشتاء”، مضيفا “إلا أن الجهل والقسوة وانعدام المسؤولية جعلت من تلك الأعداد القليلة من هذه الطيور التي تتدفأ بمياه الأهوار فريسة لأفعال أقل ما يقال عنها إنها معيبة بعد إدراج الأهوار على لائحة التراث العالمي”.

ويعتبر نشطاء أن هذه الدعوة غير مجدية، وطالبوا باتخاذ إجراءات ميدانية

وليس الاكتفاء بمراقبة مواقع التواصل الاجتماعي ونشر الاستنكارات، فلا بد من معاقبة من يصطاد هذه الطيور ومن يروج لبيعها في الأسواق، ومراقبة المخالفين بصورة يومية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر