الاثنين 27 فبراير/شباط 2017، العدد: 10556

الاثنين 27 فبراير/شباط 2017، العدد: 10556

الهاتف المنزلي 'موضة قديمة' يصعب هجرها في مصر

  • رغم أن عمر الهاتف الأرضي في مصر تجاوز التسعين عاما، إلا أن الهاتف الأرضي أصبح هذه الأيام مهجورا وغريبا، ويشكو العزلة في غالبية المنازل، بسبب الطفرة العلمية التي شهدت ميلاد العديد من التقنيات، ذات الخدمات والسرعات غير المسبوقة، ومع بدء خدمة الجيل الرابع للمحمول، وتطور العديد من الأجهزة التكنولوجية وأنظمة التشغيل، انتشرت التكهنات بأن التليفون الثابت، بأسلاكه المتدلية على جدران المنازل، سينقرض، لكونه أصبح “موضة قديمة”، وينتمي إلى زمن ولّى، وسوف تتحول أجهزته النادرة إلى “أنتيكة” في المنازل.

العرب  شيرين الديداموني [نُشر في 2017/01/05، العدد: 10503، ص(20)]

آلو.. الخط شغال

القاهرة- في عام 2009، صدرت دراسة عن مركز معلومات مجلس الوزراء المصري، أكدت اندثار الهاتف الأرضي خلال خمس سنوات من تاريخ الدراسة، نتيجة لتوقف دخول مشتركين جدد، بالإضافة إلى إيقاف العديد من المشتركين القدامى لاشتراكاتهم، إلا أنه بالرغم من مرور أكثر من سبع سنوات على إجراء الدراسة، فإنه لم يختف تماما كما كان متوقعا.

وسط هذا الزخم من التوقعات، مازال في مصر، من يتمسك بإصلاح الهواتف المنزلية، واقتناء النادر منها، متجاهلا كل التنبؤات، ويقول هؤلاء إنه “لا توجد وسيلة تلغي أخرى بل هي تكمّلها”، والدليل أن الصحيفة لم تلغ الكتاب، والتلفزيون لم يلغ الراديو، وهكذا. في شارع العطارين، بمنطقة العتبة (وسط القاهرة)، وبمجرد أن تطأ قدماك المكان، ستشعر كأن الزمن عاد بك العشرات من السنين إلى الوراء، وتحسب أنك تشاهد فيلما قديما، بالأبيض والأسود، إذ ستقع عيناك على واجهة محل مزدحم بهواتف أرضية غريبة، لم تعهدها الأجيال الجديدة، من حيث أحجامها وأشكالها، ويحمل كل هاتف منها ذكريات وتاريخا من زمن قد فات.

لا يمكن الاستغناء عن الهاتف الأرضي

حسن التركي (صاحب محل لإصلاح وبيع الهواتف المنزلية) أكد لـ”العرب”، أن أصحاب الهواتف الأرضية، مازالوا زبائن لمحله، فمنهم من يتردد عليه لإصلاح هاتفه، ومنهم من يحب اقتناء التحف القديمة، ويأتون إليه لاختيار ما يريدون من مجموعته النادرة. ويمتلك عم حسن (كما يطلق عليه زبائنه) هواتف مضى على تصنيعها أكثر من تسعين عاما، منذ عرفت مصر تلك التليفونات في عام 1926، وتراصّت في واجهة العرض الخاصة بمحله أجهزة الغرامافون (جهاز له بوق وذراع للتدوير وأسطوانة من الفيبر)، وبجواره التليفون “الميناتل”، الذي انتشر سنة 1970، أما “الباناسونيك” الياباني و“السيمنز” الألماني، اللذان يرجع تاريخ تصنيعهما إلى عام 1974 ، فيتصدران الرفوف الخلفية للمحل.

والهاتف الأرضي مرّ بالكثير من المراحل، حتى وصل إلى ما هو عليه الآن، فقد كان النموذج الأول منه، جهاز إرسال بسيط وجهاز استقبال وبينهما أسلاك، ففي عام 1882 تم اختراع الهاتف الذي يعلق على الحائط، حيث كان يتكوّن من حامل لسماعة المستقبل وعمود، ويتم من خلال العمود الاتصال مع مزوّد الخدمة الذي يحوّل المكالمة إلى الجهة المطلوبة، ثم تطوّر الهاتف بعد ذلك، ليتمّ الاتصال بالرقم المطلوب مباشرة دون الحاجة لوجود محوّل المكالمات.

وفي عام 1928 تم اختراع هاتف يمكن حمله كاملا بيد واحدة حيث أن سماعة المتحدث وسماعة الأذن موجودتان بنفس الذراع، وفي عام 1937 تم تطوير هذا الهاتف إذ تمّ تزويده بقرص يصدر رنين الجرس عند التنبيه لتلقي أي مكالمة. أما الهاتف ذو الأزرار الرقمية، فقد تم اختراعه في عام 1973، وفي نفس العام اخترع العالم الأميركي مارتن كوبر الهواتف اللاسلكية، التي تعمل عن بعد دون الحاجة إلى الأسلاك في ما بينها.

ومنذ ذلك الوقت تطوّرت الهواتف بشكل كبير، حيث تمّ ربطها بالشبكة العنكبوتية وأصبح يمكن من خلالها تصفح مواقع الأخبار والدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي والتواصل مع الناس. ويشعر حسن التركي، البالغ من العمر 64 عاما، بالفخر، لكونه يعرف جيدا قيمة الأجهزة القديمة، فهو لا يتردد في الذهاب إلى المزادات، ودفع أي مبلغ للحصول على واحد منها، ويوضح أنه من الممكن أن يفكر في المستقبل في أن يستغل تلك المقتنيات، لإقامة معرض أو متحف لعرض ثروته وبيعها لمن يريد.

ويحب السائحون الألمان شراء التليفونات القديمة والغرامافونات، ويبدأ سعر الجهاز الواحد منها، من 50 دولارا وصولا إلى 500 دولار للجهاز الخشبي القديم. لم يكمل حسن تعليمه، فقد اكتفى بالمرحلة الثانوية، ثم قرر التفرغ بعدها لتصليح واقتناء التليفونات الأرضية، لكونها مهنة لا تحتاج إلى شهادة، بل يكفي أن يكون لدى صاحبها عقل يفكر وعين ترى بدقة، وقد ورث المهنة وتعلمها من والده وجدّه، وكان يكفيه أن يلقي نظرة على ما يفعل والده لكي يتقنها.

وبالرغم من ابتعاد الناس عن الهاتف المنزلي، منذ انتشار الهاتف الجوال، إلا أنهم سرعان ما عادوا إليه وعرفوا قيمته إبان ثورة 25 يناير، عندما تمّ قطع الاتصالات عن الهواتف المحمولة، ولم يجد المواطنون إلا التليفونات الأرضية للاطمئنان على ذويهم. ويتذكر التركي تلك الأيام جيدا، حيث كان المواطنون يهرعون إليه لتصليح هواتفهم المنزلية، ويلحون عليه للانتهاء منها بأقصى سرعة، بل كان هناك من جاء يسأل عن تليفون تركه لديه منذ سنوات عديدة.

سيدة الهواتف

استعداد لتصليح كل ما يقع بين يديها

ليس حسن التركي هو وحده من يعمل على إحياء الهواتف المنزلية، بل إن هناك سيدات يعملن أيضا على إصلاحها وتجميع قطعها من مصادر عديدة، للإبقاء عليها كوسيلة اتصال منزلية مضمونة. سمية عيد، أو “البرنسيسة”، كما يطلق عليها الجميع في زحام حي الموسكي، بشارع الأزهر في وسط القاهرة، توحي ملامحها الجادة بخبرة في ما تتعامل معه من تقنيات، حيث فرضت نفسها على مهنة إصلاح الهواتف الأرضية، بالرغم من عدم حصولها على أيّ من الشهادات.

وتقبض السيدة الثلاثينية أدواتها بحنكة بالغة، في إعلان واضح عن استعدادها لتصليح كل ما يقع بين يديها، فأصابعها الماهرة تتعامل مع “الخردة” التي تشتريها من المزادات بكل دراية، لتحولها من العدم إلى أجهزة صالحة للاستخدام. وأوضحت البرنسيسة لـ”العرب”، أنها امتهنت هذا العمل منذ ما يزيد عن عشر سنوات، وتبدأ عملها في العاشرة صباحا، وتنهمك حتى الرابعة ظهرا، في تصليح الأجهزة، ثم تتوجّه مع آذان المغرب إلى الأسواق للبحث عمّا يلزمها، من أجهزة تليفونات معطلة ومخلفات بالية، فتقوم بتجميع التالف وإعادته إلى الحياة مرة أخرى، ثم تبيعه بأسعار زهيدة. وأشارت عيد إلى أن أكثر المترددين عليها لإصلاح هواتفهم المنزلية أو لشراء أجهزة مستعملة، هم من كبار السن، وذلك لصعوبة دخولهم إلى عالم التكنولوجيا الحديثة بتعقيداتها.

الأيام الخوالي

الرئيس المصري الأسبق أنور السادات قال للكاتب الصحافي الراحل، محمد حسنين هيكل، ذات مرة “لولا سلك التليفون لكانوا أتعبوك كثيرا”، وكان السادات يقصد ذلك الهاتف الذي يوجد في مكتب هيكل، والمتصل بغرفة نوم الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر مباشرة. وشرح هيكل قائلا “عبر هذا التليفون جرت مناقشات واستفسارات كثيرة، وكان معيارا لحالات التوتر بيننا، أحيانا لا يرنّ (يدق)، فيكون معنى ذلك أن عبدالناصر متضايق مني، وأحيانـا كنت أنا لا أتصل به، بسبب حالات من الضيق كانت تنشأ نتيجة حوادث معيّنة حصلت”.

كلام الكاتب الصحافي الراحل، يدلّ على ما وصل إليه الهاتف الأرضي من أهمية في التواصل، ولم يكن أحد يتوقع -ولا حتى غراهام بيل مخترع التليفون- أن الهاتف سيكون مجرد “أنتيكات” (قطع من الماضي) عفا عليها الزمن، أو أنه سيحتفظ فقط بمسحات عظمة ومجد زائلين، لكنه بلا أيّ نفوذ فعلي. وحسب أحدث تقرير لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المصرية، بلغ إجمالي عدد مشتركي الهاتف الأرضي الثابت في مصر، في نهاية سبتمبر 2016 إلى 5.9 مليون مشترك، مقابل 9 ملايين و300 ألف مشترك في عام 2010 أي أن هناك أكثر من ثلاثة ملايين مواطن ألغوا اشتراكاتهم فيه.

ويرجع المواطنون ذلك، إلى أن الشركة المصرية للاتصالات، لا تقدم عروضا مغرية، أو تخفيضات، لتشجيع مشتركيها على استخدام التليفون الأرضي، وأن المواطن مجبر في كل الأحوال على دفع المصاريف الثابتة، حتى لو لم يستخدم هاتفه مطلقا، بالإضافة إلى الغرامة في حالة التأخر في السداد‏. ويشكو الكثيرون من طول الانتظار إذا حدث عطل في الهاتف، وهو ما جعل معظم المشتركين يفضلون استخدام المحمول، حتى وهم داخل المنزل، ويجلسون بجوار الهاتف الأرضي‏.‏

وحاولت الشركة إرضاء زبائنها بمختلف الطرق، وعلاج أسباب ابتعادهم عن هاتفها الأرضي، مثل تخصيص رقم للإبلاغ عن الأعطال، للتقليل من انتظار تصليح العطل، بل وقامت ببث رسائل مسجلة على الهواتف الأرضية لتذكير المشتركين بسداد قيمة الفاتورة قبل موعد الغرامة. أكد هاني سالم (مهندس بالشركة المصرية للاتصالات)، أن الهاتف الثابت هو من أكثر الأدوات الشائع استخدامها في المنازل، وأنه كان في السابق من الأجهزة التي تحرص الأسر على اقتنائها، لأن رنينه في المنزل يضفي على المنزل قيمة إضافية لأصحابه.

الهاتف القديم له زبائنه

وقال إن هذا الهاتف كان في الماضي مصدرا للتباهي بين الأسر، ودليلا على الثراء والرفاهية، حتى أن امتلاك جهاز هاتف أصبح مبتغى كل أسرة وحلمها، وكانت الأسر تنتظر من أجل تحقيق ذلك شهورًا عديدة، حتى يتمّ توصيل الحرارة إليه، فيبدأ في العمل. وكان الهاتف بسماعته الثقيلة الوزن “مَلِك” البيت، ويسمع رنين جرسه المرتفع كل الجيران، أما الرنة الطويلة الممتدة (الترنك) فكانت دليلا على مكالمة آتية من مدينة أخرى، وكان المتلقي ينتظرها بفارغ الصبر.

وأشار سالم لـ”العرب”، إلى أن انخفاض أعداد المشتركين لخطوط الهواتف الأرضية، لن يؤدي إلى انقراضها كما يشاع، وأنه سيظل جهازا هاما في المنزل رغم التطور والانتشار السريع لوسائل الاتصال المختلفة، باعتباره اللبنة الأساسية في بناء أسهل وأرخص وسيلة اتصال في العالم، وهي الإنترنت عبر تقنية “دي أس أل”، إذ لا يمكن إدخال الإنترنت إلى المكان، إلا من خلال أسلاك الهاتف الأرضي، ولا يمكن للشركات أو الحكومات الاستغناء عنها.

ويجزم مهندس الاتصالات، بأن الهاتف سيبقى متربعا على عرش المنزل، مشيرا إلى أن مجرد المحافظة على الملايين من مشتركي التليفون الثابت يعدّ إنجازا للشركة، لأن الاتجاه العالمي الآن في ظل الثورة المعلوماتية هو اتجاه الجميع إلى كل ما هو حديث ومريح، بصرف النظر عن التكلفة المادية. علماء الاجتماع هم أيضا أكثر ميلا إلى فكرة عدم انقراض الهاتف المنزلي، ويؤكدون أنه سيظل يعبّر عن الصورة الأجمل لتقنية الاتصالات، والإبقاء عليه في المنزل هو رسالة يسلمها جيل إلى جيل.

وقالت هناء كمال، باحثة في علم الاجتماع لـ”العرب”، إن وجوده في البعض من المنازل، حتى وإن قلّ عدد مستخدميه، يعدّ ضرورة، فهو بمثابة قناة للتفاعل والتواصل الاجتماعي، مؤكدة أن ما يمرّ به المجتمع الآن مجرّد “مرحلة انتقالية” في عالم الاتصالات، لا يلبث إلّا أن يزول بعدها استخدام الهواتف الخلوية، وسيخفت بريقها. وغير مستبعد أن تكتشف المجتمعات العربية مستقبلا، خطورة الإفراط في إدمانها على تقنية المحمول، ومعايشتها لعوالم افتراضية، فتنصرف عنها يوما ما، خاصة أن هاتف المنزل لا يلاحق أفراده، فسلكه مثبت على الجدار وليس في جمجمة الشخص، كما هي الحال الآن مع الهاتف المحمول، وهو ما يحمي المرء من أن يكون مدمنا لسلعة استهلاكية متغيرة.

تصوير: محمد حسنين

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر