الجمعة 20 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10518

الجمعة 20 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10518

الواحات المغربية تصارع قسوة التغييرات المناخية

  • تعد الواحات عنصرا من عناصر التراث المغربي تحفظ تنوع البلاد الجغرافي والتاريخي، إضافة إلى تميزها في عدة مجالات من أبرزها المعمار والأزياء وطقوس الاحتفالات، لكن هذه الواحات أصبحت اليوم تحتاج إلى مجهود مضاعف في مجال التنمية المستدامة لمقاومة التدهور البيئي.

العرب  [نُشر في 2017/01/07، العدد: 10505، ص(20)]

شريان الحياة ينفد

الرشيدية (المغرب) - إذا كانت الواحات تشكل ثروة ثمينة في المملكة المغربية وتصنف ضمن دائرة الثروات الطبيعية والثقافية للبلاد، فإنها تواجه اليوم تحديات كبرى مرتبطة بندرة الموارد المائية بسبب تأثير التغيرات المناخية.

وتبرز العديد من الدراسات المتعلقة بتشخيص وضعية الواحات الدور العالمي الذي تلعبه هذه المنظومات البيئية، وأهميتها الأساسية، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي أو الأيكولوجي، كما أن التوصيات المتعلقة بتثمين هذه المنظومات تشدد على ضرورة تقوية مقاومة التصحر وندرة المياه في الواحات والحفاظ عليها.

وتضطلع هذه المناطق، التي تشكل فضاءات للسكن والإنتاج الفلاحي والحضاري، بدور حيوي في مجال الترفيه السياحي والتبادل الثقافي، باعتبارها محط اهتمام كبير من المعجبين بالفضاءات الصحراوية الكبرى.

وتزخر المناطق الواحية بتراث طبيعي وثقافي ومعماري متميز، كما تشكل فضاء شاسعا يغطي ما يقارب 32 في المئة من التراب المغربي. ويدل هذا المؤشر على أهمية المضي قدما نحو ترجمة واقعية للاستراتيجيات الهادفة إلى الحفاظ على الواحات ومقوماتها الاجتماعية والأيكولوجية والاقتصادية.

ويمكن لانهيار الواحة أن يساهم في زوال كل العناصر الحضارية والثقافية بالجنوب المغربي، ويذكر أن معظم الدول التي حكمت المغرب اتخذت الواحة قاعدة لدعوتها وانطلاقها ونشأتها، نذكر على سبيل المثال دولة المرابطين والسعديين والدولة العلوية.

وتشكل واحتا “فركلة” و”تودغى” مثالين بارزين على معاناة هذه المناطق جراء ندرة المياه والتغيرات المناخية، ما سيؤدي إلى تدهور المنظومة البيئية للواحات (التراب والماء والغطاء النباتي) واندثارها؛ إذ يكشف نموذج واحة “فركلة” أن الموارد المائية محدودة والطلب في تزايد مستمر، كما أن زراعة النخيل المنتج للتمور تعرضت، خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، إلى أزمة كبرى أثرت على إنتاج التمور والتنوع البيولوجي بالواحة.

وعلى الرغم من الجهود التي يبذلها مختلف المتدخلين سعيا إلى تغيير الوضع الراهن، فإن النتائج المحققة تبقى متواضعة مقارنة بجسامة التحديات التي تطرحها وضعية الواحات، حيث يكمن التحدي الأكبر في حث السكان على البقاء داخل هذه المناطق للحد من الآثار السلبية للهجرة.

مزار سياحي شيق

وتعد واحة “تانزيضا” التابعة لإقليم طاطا أسوأ نموذج لوضعية الواحات بالمغرب حيث باتت مقبرة للنخيل ومكانا لنفوق الحيوانات والمواشي، ولم تعد تقطن بها سوى خمس أسر بعدما كانت تنبض بالحياة وتتوهج بخيرات حقولها ونخيلها.

وفي هذا الصدد، أعرب عدد من المهتمين عن أسفهم لتزايد الضغط على الموارد الطبيعية المحلية، داعين إلى بناء سدود بالقدر الكافي، وتعبئة الموارد المائية وتقاسم التقنيات الفضلى في المجال الفلاحي.

كما أن تأهيل الخطارات المائية، ومكافحة زحف الرمال، وتطوير السياحة الأيكولوجية والتربية البيئية، ستشكل أيضا بدائل ستسهم في الحفاظ على الواحات كمجال طبيعي وثقافي يمكن العيش فيه.

وتحتاج الواحات المغربية إلى صياغة حلول ملائمة للتخفيف من الصعوبات التي تطرحها مشكلة ندرة المياه، وتدهور جودة التراب، وتقهقر التنوع البيولوجي، وتراجع النشاط الفلاحي الذي يعتبر المورد الرئيسي لمدخول نحو 80 في المئة من سكان الواحات، وفقدان الخبرة المحلية المتوارثة عبر الأجيال.

هجرة سكان الواحة

بما أن سكان الواحات يعتمدون على النشاط الفلاحي، واستغلال أشجار النخيل بدرجة أولى وجني ثمارها، فإن التغيرات المناخية التي قضت على جزء هام من هذه الواحات، جعلت السكان يبحثون عن موارد عيش أخرى في المدن المجاورة وفي القارة الأوروبية.

أما السكان الباقون فقد اضطروا إلى تغيير أنماط معيشتهم إثر زحف التصحر إلى أراضيهم مهددا مصادر أرزاقهم.

ويقول محمد أوجالا -مزارع في واحة درعة جنوب شرقي المغرب- “الواحة ماتت، شخصيا كنت أملك 150 نخلة ولم يبق منها أي شيء الآن، من قبل كنا ننتج أطنانا من التمر أما اليوم فلم يبق أي شيء لأن كل شيء مات، وباتت معظم المساكن مهجورة في واحة تانزيضا”.

وتشير الوكالة المغربية لتنمية مناطق الواحات، في بياناتها، إلى تراجع عدد أشجار النخيل في 100 عام من 15 مليوناً إلى 4.8 مليون شجرة.

وفي كل يوم يتوجه فيه أحمد إلى ضيعته، يعثر من جديد على تناقص مساحتها الصالحة للزراعة، بسبب زحف الرمال الذي بات يهدد معظم الأراضي الزراعية في واحة درعة الواقعة على بعد حوالي 800 كيلومتر جنوب شرقي العاصمة المغربية الرباط، بين سلسلة من الجبال، ويقصدها السياح لطبيعتها الخلابة.

وما يُفاقم أوضاع أحمد وغيره من مزارعي البلدة أن منطقتهم، تواجه في السنوات القليلة الأخيرة صعوبات اقتصادية ومن أهم أسبابها، حسب خبراء، قساوة المناخ نتيجة الجفاف واتساع ظاهرة التصحر، ناهيك عن تراجع أعداد السياح الوافدين للمنطقة، ما أثر سلبا على مردود السياحة التي تعتبر، بعد الزراعة، ثاني مورد اقتصادي يعتمد عليه سكان هذه المناطق.

ومع هجرة الكثير من أبناء الجيل الجديد من سكان الواحات، أصبحت العديد من الحرف التقليدية المتوارثة مهددة بالاندثار، وتناقصت أعداد أشجار النخيل الحيوية لاقتصاد الواحات نتيجة الإهمال والآفات.

ويقول أحمد جوماني المسؤول بوكالة تنمية الأقاليم الجنوبية التابعة للحكومة المغربية، هناك صعوبة بالغة تواجه محاولات الحد من نزوح جيل الصحراويين الجدد إلى المدن.

ويقول جوماني “تتعرض الواحات لبعض المشكلات بحكم الهجرات وغياب التواصل بين المعارف وتضاؤل الخبرات بين الأجيال. وهذا ما يجعل عددا من الحرف التقليدية التي كانت تشكل غنى هذه الواحات مهددا اليوم. هنا تبرز أهمية وكالة تنمية الأقاليم الجنوبية عبر برنامج تنمية الواحات لإعادة الاعتبار إلى موروث الصناعة التقليدية وإلى المكون البشري باعتباره أهم العناصر التي تحافظ على الموروث الثقافي”.

ويقول أحد المسؤولين في واحة تغمرت في مدينة كلميم “هناك مشكلات تخص العناية بشجرة النخيل لأن الجيل الذي كان يولي هذه الشجرة أهمية كبيرة شاخ، كما أن الجيل الجديد لا يولي هذه الشجرة أيّ أهمية ويفضل الهجرة إلى المدن أو إلى الخارج”.

السياحة تنتعش بالماء

المزارعون الذين اختاروا البقاء في الواحات يعولون على البرامج الحكومية لتشجيع القطاع الزراعي، من خلال زيادة زراعة الأشجار التي تساهم في تثبيت الأراضي، وإيقاف زحف الرمال.

وإضافة إلى “مخطط المغرب الأخضر”، وهو مشروع حكومي ضخم لتشجيع القطاع الزراعي، أطلق المغرب مبادرة في الواحات بعنوان الأنشطة المدرة للدخل، تشمل دعم الصناعات والحرف التقليدية مثل صناعة الفخار.

ويستفيد بعض أهالي الواحات الصحراوية من تلك المبادرة ومنهم صانع القدور مولود أوشيخ الذي أصبح يستطيع استخدام فرن حديث في تجفيف منتجاته.

استراتيجية التنمية

يدعو رئيس جمعية التنمية المستدامة للواحات، لحسن كبيري، إلى تنسيق الجهود من أجل صياغة استراتيجيات موحدة حول التنمية المستدامة للواحات تضع العنصر البشري، خاصة النساء والشباب، في صلب اهتماماتها.

ويوصي الخبراء في مجال البيئة، بتثمين مؤهلات الواحات من خلال رؤية تنموية مستدامة، مع المبادرات التي من شأنها أن تحافظ على هذا التراث بشقيه البيولوجي والإنساني.

واعتبر هؤلاء أن كل خطة تنموية موجهة لحلحلة المشكلات التي تتخبط فيها الواحات، يجب أن تستجيب لرهانات تثمين المؤهلات الاقتصادية والتنمية المستدامة، معربين، في نفس الوقت، عن أسفهم لغياب عنصر التنمية البشرية بهذه الواحات.

وأبرزوا أن هذه الوضعية تقتضي مضاعفة الجهود من أجل خلق دينامية خلاقة تعمل على إعادة تأهيل هذه المناطق، وتمكينها من تأدية وظيفتها الاجتماعية والاقتصادية، من خلال تعزيز الولوج إلى الخدمات الأساسية والاستفادة من الموارد الطبيعية التي تزخر بها.

ومن شأن الفلاحة أن تشكل نموذجا لفهم كيف تنتج الواحات كمية كبيرة من الثروات من قبيل التمور والزعفران والورد والحناء، رغم أن مردودية هذه المواد تبقى أقل تنافسية. ولتجاوز هذا التناقض، يجمع الخبراء على ضرورة بلورة حلول شجاعة لقضايا الواحات، مشيرين في هذا الإطار إلى نموذج جهة درعة تافيلالت التي تضم أكبر عدد من الواحات.

ويحظى مصير الواحات باهتمام السلطات المغربية كما يحظى باهتمام الجمعيات البيئية التي تدعو إلى العمل على توفير المياه والاقتصاد في استهلاكها في الواحات.

وتعمل الجمعيات على تشكيل حواجز خضراء من أجل الحيلولة دون انجراف التربة وصيانة الواحات، في مواجهة ظواهر طبيعية مثل العواصف.

في الوقت نفسه تحذر تلك الجمعيات من تأثير الأنشطة السياحية على رصيد الواحات من المياه.

وسيربح المغرب، الذي يضم فضاءات عدة من هذا النوع، الشيء الكثير من خلال تقوية هذه المنظومات البيئية لضمان بقائها ولعب أدوارها البيئية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياحية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر