الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الدولار يغلق محلات تجارة 'الميني فاتورة' في مصر

  • في شوارع لا يتجاوز عرضها 4 أمتار، يواصل ما تبقى من محال “الميني فاتورة” بمنطقة الأزهر بوسط القاهرة، انتظار الزبائن، الذين باتت أعدادهم قليلة، ويترحّم التجار على تلك الأيام التي كانت فيها الحارات مليئة بالمشترين قبل عدة سنوات، لما كان الدولار لا يمثل معضلة للاقتصاد المصري، والآن أصبحت خاوية تبحث عن المشترين.

العرب محمد عبدالهادي [نُشر في 2017/01/11، العدد: 10509، ص(20)]

بضاعة بلا زبائن

القاهرة - الفاتورة، هي وثيقة تجارية، يصدرها البائع للمشتري، تتضمن أنواع المنتجات، والكميات، والسعر المتفق عليه بينهما، والمبالغ المدينة على المشتري التي لم يسددها بعد، بينما “الميني فاتورة”، هي فاتورة مصغّرة، تتعلق بكل صنف على حدة، وارتبطت تحديدا بتجارة الأقمشة لتعدد أصنافها وأنواعها.

ويتركز العدد الأكبر من تجار الـ”ميني فاتورة”، بالشوارع المتفرعة من منطقة الأزهر، كالحمزاوي، ودرب البرابرة، والموسكي، ومعظمهم ورثوا تلك المهنة عن جدودهم، ونقلوها عن اليهود والأجانب، الذين وفدوا إلى مصر إبّان موجة النزوح الأوروبية، التي صاحبت اندلاع الحرب العالمية الأولى، واستوطنوها حتى قيام ثورة يوليو 1952 في مصر.

يواجه تجار الميني الفاتورة حاليا، حالة ركود غير مسبوقة، بسبب الارتفاع المتواصل في سعر صرف الدولار، الذي أدى إلى زيادة أسعار المنسوجات المستوردة من الخارج، وكذلك أسعار الأقطان والغزول (خيوط غزل القطن والكتان)، التي تحتاجها المصانع المحلية في الإنتاج، علاوة على تغير ثقافة المصريين أنفسهم، إذ باتوا يفضلون الملابس الجاهزة المستوردة.

ويوجد ثلاثة أنواع من تجار الميني فاتورة، أولها تاجر الجملة، الذي يبيع ما يسمى بـ”البالات” (أي الحاويات الضخمة)، والتي يصل طول الواحدة منها إلى حوالي 800 متر، والثاني “نصف الجملة”، الذي يبيع الأقمشة بالثوب (لفّة كاملة من القماش)، بأطوال تتراوح بين 30 و40 مترا، ثم ثالثا، تاجر التجزئة، الذي يتعامل مع القماش بالمقاسات الصغيرة، كالمتر ونصف المتر.

لمدة 40 عاما، اعتاد إبراهيم الجدة، تاجر الميني فاتورة، فتح دكانه بمنطقة الأزهر بمصر، منذ الصباح الباكر، لاستقبال زبائنه الذين يفدون من مختلف أنحاء القاهرة لشراء الأقمشة، لكنه الآن، ورغم أنه مازال يفتح الدكان كالمعتاد، إلا أنه ينتظر زبونا نادرا، قل ما تطأ قدماه محله المليء بالأقمشة.

إبراهيم الجدة، تاجر الميني فاتورة مازال يفتح الدكان كالمعتاد منذ أربعين عاما، إلا أنه ينتظر زبونا نادرا قل ما تطأ قدماه المحل المليء بالأقمشة

قال الجدة لـ “العرب”، إن التغيرات المستمرة في سعر صرف الدولار تمثل أزمة للتجار، حيث ارتفعت أسعار البعض من المنتجات بصور مبالغ فيها، وعلى سبيل المثال، فإن الدّمّور (نوع غير جيد من القماش يستخدم في كسوة مراتب-حشايا- الأسرّة)، زاد من 15. 3 دولار إلى 8.5 دولار، منذ تعويم الجنيه.

وأضاف الجدة أن أسعار الأقمشة المستوردة والمحلية، ارتفعت بمعدلات غير مسبوقة، والبعض من محال الميني فاتورة أغلقت أبوابها، وأخرى غيرت النشاط، بسبب أسوأ حالة ركود تعاني منها السوق منذ بدء عمله في تلك التجارة قبل 40 عاما، وكذلك الحال بالنسبة إلى بعض مصانع “الغُزول” في شبرا الخيمة (جنوب القاهرة)، والمحلة الكبرى (بدلتا مصر)، والتي توقفت عن العمل بسبب ارتفاع العملة الأميركية.

ويخشى تجار الميني فاتورة على أنفسهم، من التعرض لنفس مصير العديد من المهن التي اندثرت في مصر، مع زحف المنتجات الصينية الرخيصة كاملة التصنيع، كالستائر والحشايا الإسفنجية، التي بدأت تنتشر بمعظم البيوت المصرية كبديل عن تلك المصنوعة من القطن، وقالوا إن أعدادها تتناقص لصالح أنشطة بيع إكسسوارات (قطع غيار) الهاتف المحمول المستوردة.

أشار الجدة إلى أن الأسعار أصبحت تتغير باستمرار، حتى بات التجار الكبار لا يوردون بضائعهم بالتقسيط كالمعتاد، ويشترطون دفع مقابلها كاملا مسبقا، والبعض منهم توقف عن البيع تماما خوفا من تحقيق خسائر في حال ارتفاع سعر الدولار، فهو مثلا قد يورد المتر بثلاثة دولارات لتاجر التجزئة، ثم يفاجأ بارتفاع سعر الدولار وهو يشتري بالجملة من المستوردين، ويهمس الجدة حزينا، “الزبون مسكين مغلوب على أمره، وكان الله في عون من يشتري لوازم الزواج لبناته حاليا”.

وفي معظم المحافظات المصرية، يتفق أهل العروسين على أن تشتري العروس الأجهزة الكهربائية والمفروشات، ويتولى العريس شراء جميع منتجات الأثاث الخشبية، إلا أن الارتفاع الكبير في سعر صرف الدولار، دفع بأسعار جميع متطلبات تأثيث بيت الزوجية إلى معدلات قياسية.

وقال حمدي عبدالنعيم، تاجر ميني فاتورة آخر، إن المهنة تواجه شبح الاندثار، في ظل انخفاض معدل الشراء، فقبل سنوات كان التاجر الواحد يبيع 100 قطعة من مفروشات تنجيد الأثاث يوميا، والآن لا يبيع إلا قطعة كل شهر في أفضل الأحوال.

وفي مصر، اختفت العشرات من المهن بسبب عدم قدرتها على مواكبة التطور، كالإسكافي التقليدي “صانع الأحذية”، ومُبيّض الأواني النحاسية الذي كان يقوم بتنظيف النحاس، وصانع الطرابيش الحمراء، (الطربوش غطاء للرأس ظل لمدة 150 عاما مكملا للزي الرسمي)، وأيضا عازف البيانولا (آلة موسيقية يدوية)، وسمكري بوابير الغاز (رجل يصلح مواقد الكيروسين القديمة المستخدمة في المطابخ)، وكذلك صانع القُلل (القُلّة إناء فخاري لشرب الماء).

وأشار عبدالنعيم لـ “العرب”، إلى أن التجار يواجهون منافسة شرسة مع انتشار الستائر المصنعة بالكامل، والتي تسمى “الأورغنزا” المطبوعة، والتي باتت تنتج بمصر بخامات صينية، وتفضلها الشركات وعلية القوم بمصر، رغم ارتفاع أسعارها، كنوع من الوجاهة الاجتماعية والحداثة.

البضائع الصينية الجاهزة تغزو الأسواق

اليهود والأرمن

بحسب جمعية مستثمري السادس من أكتوبر، فإن سعر الطن من الغزول والأقطان المستوردة ارتفع بنسبة تصل إلى 108 بالمئة، ما سيتسبب في مضاعفة تكاليف مصانع الأقمشة، إذ يتم استيراد كميات كبيرة من الأقطان والغزول من الهند وباكستان وبنغلاديش، ما تسبب في ارتفاع سعر طن الغزل بعد تعويم الجنيه إلى 4.5 ألف دولار لبعض الأصناف.

وأكد محمد عبدالعظيم، تاجر ميني فاتورة بشارع الأزهر، أنه يعمل بتلك المهنة منذ 55 عاما، وورثها أبا عن جد، وأن المصريين نقلوها عن اليهود، الذين عاشوا بمصر حتى عام 1948، قبل نشوب حرب “النكبة”، أولى حروب الدول العربية مع إسرائيل.

تجارة الميني فاتورة نشأت بمصر على يد التجار اليهود، بسوق المصاريف “حارة اليهود” حاليا، عندما حولوا منازلهم إلى منصات تجارية لبيع الأقمشة، وأرسلوا مندوبين للبيع بالمحافظات المصرية، ما أدى إلى انتشار تلك التجارة، قبل أن تختفي من الحارة، مع انقراض تجارة الأقمشة، وهجرة اليهود إلى فلسطين عبر موجتين؛ أولاهما بعد 1948، والثانية في أعقاب العدوان الثلاثي على مصر 1956.

ثم جاء الأرمن ليمارسوا تلك التجارة، منذ الحرب العالمية الأولى، وشكلوا قرابة 4.5 بالمئة من إجمالي المشتغلين بها في القاهرة والإسكندرية، وتركزوا في شارعي السكة الجديدة، والحمزاوي، في الأزهر، بالقاهرة، وشارعي مولاي محمد وفرنسا بالإسكندرية (شمال مصر).

وكان الأرمن يستوردون المنتجات من بريطانيا وإيطاليا إلى مصر، قبل أن يفتحوا فروعا لهم بالسودان وإثيوبيا، كما فتحوا بيوتا للتجارة، أشهرها منزل “إيبيليكغيان”، الذي انتقل من بريطانيا إلى مصر، وتم فتح محل بوكالة صالح أفندي بالسكة الجديدة بالقاهرة، مع فروع له بالإسكندرية وطنطا بدلتا مصر.

وأوضح عبدالعظيم، (72 عاما)، أن بعض تجار الميني فاتورة، يلجأون حاليا، إلى العمل في أنشطة أخرى، كالتسويق العقاري، من أجل مواجهة الركود، وانخفاض حركة البيع والشراء.

مهنة فريد الأطرش

مهنة تاجر الميني فاتورة، ظلت ذات مكانة اجتماعية جيدة، حتى أن فنانا كفريد الأطرش، امتهنها لفترة، بعد قدومه إلى مصر في أعقاب الثورة السورية، قبل أن يبدأ عمله كعازف للعود، بفرقة بديعة مصابني (راقصة لبنانية شهيرة تزعمت الفن الاستعراضي بمصر لمدة 30 عاما، وتزوجت نجيب الريحاني).

لكن حال المهنة ما لبث أن تغير، وأصبح تجارها يتهمون بالانتهازية الاقتصادية، حتى أن الإعلامي المصري تامر أمين، واجه أزمة قبل 3 سنوات، حينما استضاف في برنامجه، الكاتب الصحافي الدكتور عبدالحليم قنديل، الذي أطلق على خيرت الشاطر، نائب مرشد الإخوان، لقب “تاجر الميني فاتورة”، الأمر الذي أغضب جماعة الإخوان، التي كانت تتولى إدارة مصر حينها، واضطر أمين إلى إنهاء حلقته بعد دقائق من بدئها.

وقال محمد الداعور، رئيس شعبة الملابس الجاهزة بغرفة القاهرة التجارية، إن أي مهنة يجب أن تتطور مع متغيرات الزمن، وأن المشكلة هي أن ثقافة المصريين تعتمد على امتهان مهنة ووراثتها دون التفكير في التغيير والتجديد، وأشار إلى أن تجار الميني فاتورة يجب ألا يظلوا يبكون حالهم، وينبغي أن يطوروا أنفسهم، بالتجمع في تجمعات كبيرة تدافع عن مصالحهم.

في انتظار من يشتري

ولفت الداعور، في كلامه مع “العرب”، إلى أن ما يعاني منه تجار الميني فاتورة، تعاني منه صناعة النسيج كلها في مصر، ويطالب باندماج شركات النسيج والأقمشة والملابس، لتكوين شركات مساهمة ضخمة قادرة على زيادة الإنتاج، والبحث عن فرص تصديرية بالخارج، في ظل انخفاض قيمة الجنيه، الذي يمنح المنتجات المصرية قيمة تنافسية بالخارج.

وشهدت الشهور الأخيرة، ضبط وزارة الداخلية المصرية، عددا من تجار الميني فاتورة، بتهمة الاتجار في العملات الأجنبية بالسوق السوداء، إلا أن البعض منهم يؤكدون أنهم، كغيرهم من المواطنين، وجدوا في اكتناز الدولار، فرصة لتحقيق الربح، يستعينون به على متطلبات الحياة، في ظل الأجواء التي تشهدها السوق حاليا.

وأوضح الداعور أن تجارة الأقمشة لم تندثر بمصر، رغم انتشار تجارة الملابس الجاهزة، حيث لا تزال قطاعات من المصريين تقبل عليها، لكنها يجب أن تواكب التطور، باختيار أنواع من الأقمشة تناسب العصر والموضة، مضيفا أن صناعة المنسوجات لم تستفد حتى الآن من انخفاض قيمة الجنيه، بسبب القيود البيروقراطية، التي تحول دون زيادة الطلبات التصديرية، علاوة على غياب الدعم الحكومي.

ومن الممكن لتاجر الميني فاتورة أن يتخلى عن دوره الأصلي، ويقوم بالوظائف التسويقية لغيره من التجار، كالتخزين وإعادة التعبئة والنقل، وقد يستورد السلع والمنتجات من الخارج لحسابه الخاص.

وكغيرهم من المصريين، فإن الدولار أصبح عدوا لتجار الميني فاتورة، إذ يضرب مصدر رزقهم بالركود، ويحاصرهم بغلاء أسعار السلع الأساسية، التي لا غنى عنها في حياتهم، حتى أن البعض منهم دفع بأبنائه للعمل في ذات المهنة مرغما، رغم حصولهم على شهادات جامعية، فشلت في توفير مهنة مناسبة لهم، تخلع عنهم جلباب الأب والجد.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر