الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

'علي معزة وإبراهيم'.. خلل السيناريو أضر بطرافة الفكرة

  • السينما التي تناقش العلاقة بين الإنسان والحيوان، تبدو مختلفة شكلا ومضمونا، وعادة ما تنجح في شد انتباه الجمهور، وربما تتفوق بذلك على الكثير من موضوعات السينما الاجتماعية المعتادة، وهو ما يتحقق منذ الوهلة الأولى في فيلم “علي مِعزة وإبراهيم” الذي يعرض في عدد من دور العرض المصرية، وإن كان الأمر لا يخلو من بعض السقطات في معالجة السيناريو.

العرب سارة محمد [نُشر في 2017/03/21، العدد: 10578، ص(16)]

حكاية غريبة لكنها مسلية

يقدم الفيلم المصري الجديد “علي معزة وإبراهيم” للمخرج شريف البنداري “علي وإبراهيم”، وهما شابان في العقد العشريني ينتميان إلى الأحياء العشوائية الفقيرة في القاهرة وتقودهما الصدفة وحدها إلى رحلة يتجولان فيها بين شمال مصر وجنوبها من أجل إلقاء “ثلاث صخرات”، بناءً على توصية شيخ ومُعالج روحاني أكد لهما وجود عمل سُفلي (سِحر أسود) لأحدهما، وهو علي الذي يرتبط بعلاقة عاطفية مع مِعزة (عنزة) سمّاها “ندى”.

أما إبراهيم، فلا يعرف المُشاهد ما إذا كانت حالته الغريبة التي تشوبها أصوات صاخبة تؤثر على قدرته السمعية، وتتسبب له في حالة صراخ هستيرية وآلام في أذنيه مرتبطة بهذا السِحر أم لا، وإن كان ذلك أمرا يمكن تصوره، نظرا لأن هذا المُعالج طلب منه هو الآخر إلقاء الصخرات الثلاث من أعلى المسطحات الثلاث “البحر الأحمر، والبحر المتوسط، ونهر النيل”.

وتبدأ أحداث الفيلم على موسيقى أغنية “اللف في شوارعك” من الألبوم الأول للفنان محمد محسن الذي اشتهر بلقب “مطرب الثورة”، وهي أغنية سياسية أراد بها صناع الفيلم رصد المستوى المتدني الذي وصل إليه الغناء في المرحلة التي أعقبت ثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013 في مصر.

وفي المشهد التالي، عقب سماعنا الأغنية، يظهر إبراهيم الذي يجسد دوره الفنان أحمد مجدي جالسا داخل غرفة زجاجية متدنية المستوى، وأمامه فتى من العشوائيات يغني الأغنية ذاتها بطريقة الأغاني الشعبية الحالية في مصر. تلك الطريقة في الغناء سيطرت على الساحة الغنائية على مدار أكثر من أربع سنوات، وارتبط انتشارها بفترة ما بعد الثورة، وهو ما استخدمه المخرج شريف البنداري في الربط بين المشهدين التمهيديين لأحداث الفيلم، حيث نرى في المشهد التالي، لكن في موقع آخر -مع ترديد الأغنية نفسها-، بطل الفيلم “علي مِعزة” الذي قام به الممثل الشاب علي صبحي، وهو يحمل دمية (دبدوبًا) يتجول بها في الشوارع إلى أن يستقل الميكروباص الذي يتولى صديقه “كاماتا” قيادته بدلا عنه.

المعنى الإنساني الذي تدور في فلكه أحداث فيلم (علي معزة وإبراهيم) ليته جاء في صورة عمل سينمائي قصير

وبالرغم من الفكرة الثرية التي بنيت على أساسها أحداث الفيلم، من حيث وجود شابين يخوضان معا مغامرة رحلة إلقاء الصخرة، أملا في انتشالهما من حياتهما البائسة، كان هناك خلل واضح في السيناريو ما أثر على اكتمال العمل.

كاتب قصة الفيلم إبراهيم بطوط ينتقد بشكل غير مباشر الحياة الحالية بداية من اختيار حي من أحياء العشوائيات لتقع فيه الأحداث، مرورا بتعلق شاب بعنزة لتكون حبيبة له بعد سقوط خطيبته من إحدى فواصل الكوبري وموتها، وانتهاءً بالشاب الذي لم يجد مجالا سوى العمل في تنفيذ أغاني الأفراح.

خط السخرية في الفيلم تمثل في إبراهيم الذي يردد دائما أنه رفض العمل مع عمرو دياب ومحمد منير وفضّل الغناء في الحفلات، وأيضا في شخصية علي الذي لم يجد مفرا من التخلص من حياته القاتمة إلا بالوقوع في حب “مِعزة”، بعد أن فشل في قيادة “الميكروباص” الذي ورثه عن أبيه، ويبرر البطل غرامه بالعنزة بأنها تمتلك الحب والطيبة اللذين لم يجدهما عند البشر.

الشابان، خلال رحلتهما معا إلى هذه المسطحات المائية الثلاثة، وأثناء السباحة في البحر يكتشفان السعادة التي غابت عنهما في هذا العالم الضيق الخانق، لكن رغم هذا المعنى الإنساني الذي تدور في فلكه أحداث الفيلم فإن السيناريو الذي كتبه أحمد عامر كان من الأفضل له أن يأتي في صورة عمل سينمائي قصير، وليس في فيلم طويل.

والفيلم فيه نزعة استهلاكية واضحة، حيث بالغ في إضافة العديد من الشخصيات التي لم يكن لها مغزى واضح ضمن الأحداث، أبرزها “كاماتا” الذي يعمل سائقا للميكروباص وحكايته مع “نور” فتاة الليل التي يقع في غرامها، بعد مشهد أنقذها فيه من أيدي مجموعة من الشباب حاولوا اغتصابها، وسيتساءل المتفرج “أي اغتصاب.. وهذه هي مهنتها بالأساس؟”.

وفي مشهد آخر يتم عرض ضابط شرطة -يجسد دوره الفنان آسر ياسين- وهو يمزق “الدبدوب” الذي يصطحبه علي خلال تفتيشه الميكروباص اعتقادا منه في وجود “مواد مخدرة” به، في محاولة من الفيلم لانتقاد أداء رجل الشرطة الذي أراد الفيلم تصويره على أنه يتعامل مع المواطنين بعنف، وهنا قد يسأل المُتفرج نفسه “وما ضرورة تمزيق الضابط للدبدوب؟”.

إخفاق السيناريو سيتمثل في عدم إقناعنا بحجم أزمة “علي معزة” ذاتها، حيث لم يقنعنا بأنه يعاني فعلا من ألم نفسي بسبب فقدانه الحبيبة ومن ثم يذهب إلى مُعالج روحاني، وربما لجأ صناع الفيلم إلى هذه الفكرة باعتبار أن البطل ينتمي إلى الطبقات الكادحة التي تسقط فكرة الطبيب النفسي من حساباتها.

وإذا كان هذا الأمر مقبولا إلى حد ما في شخصية علي إلا أنه يبدو على النقيض تماما في شخصية إبراهيم، حيث تبين للمتفرج أن التشنجات التي أوشكت أن تجعله “أصم”، ترجع إلى مشكلة وراثية أدت إلى انتحار أمه من قبل بسبب مرض الصم، كذلك قام جده الذي يعيش معه (وهو عازف على العود) بتعمد إفقاد نفسه حاسة السمع حتى يتخلص من هذا الألم، وهنا يكون التساؤل “لماذا لم يذهب إبراهيم إلى طبيب متخصص طالما أن ما به هو مرض جسدي وراثي؟ ولماذا التوجه إلى مُعالج روحاني أصلا؟”.

رغم بعض النقائص في الإضاءة فإن الفيلم امتلأ بكادرات سينمائية ممتعة للبصر، لا سيما في تلك المشاهد التي تم تصويرها بين الجبال في سيناء

كاتب قصة الفيلم جعل آلة “العود” هي الحل الأساس لمشكلة إبراهيم، حيث ورد على لسانه أن العود كان السبب في عُقدته، لأنه حينما عزف عليه لأول مرة ماتت والدته وفي المرة الثانية فقد جده السمع، إلا أن صديقه “علي مِعزة” ينجح في جعله يتغلب على عقدته ويقول له إن حل أزمته في العود، وبالفعل يقوم بالعزف عليه رغم الأصوات الصاخبة في أذنيه، فتنحل العُقدة.

أراد الكاتب التأكيد على أن العودة إلى الموسيقى بأصلها الطبيعي الذي يبتعد عن صخب الحفلات الشعبية، هي بمثابة العودة الحقيقية إلى الروح، إذ العود من أقدم الآلات الشرقية التراثية، وبالتالي فإن الرجوع إلى الأصالة هو الحل لما يعانيه المصريون الآن.

ورغم بعض النقائص في الإضاءة فإن الفيلم امتلأ بكادرات سينمائية ممتعة للبصر، لا سيما في تلك المشاهد التي تم تصويرها بين الجبال في سيناء (شمال شرق مصر)، وهو ما يحسب للمخرج شريف البنداري، كما كللت الموسيقى التصويرية التي

وضعها أحمد الصاوي نجاح تلك الحالة الخاصة التي تضمنتها الأحداث، حيث حملت إيقاعا شرقيا غاب عن أذن المتفرج طويلا وسط فوضى وعشوائية وصخب الموسيقى الحالية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر