الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

القمة العربية.. لبنان في عزلة تحت تأثير التسويات الداخلية

  • تأتي مشاركة لبنان في القمة العربية التي تستضيفها العاصمة الأردنية عمان بين 23 و29 مارس الجاري لتكون فاصلة في توضيح مسار علاقة لبنان بمحيطه العربي، وواقع العلاقات الخليجية اللبنانية المتأزم، وسط قراءات تشير إلى أن سياسة النأي بالنفس تشكل الإطار الضابط لتجاوز التوتر الشديد الذي تشهده الفترة الحالية والسعي إلى تسويقه في القمة.

العرب شادي علاء الدين [نُشر في 2017/03/13، العدد: 10570، ص(7)]

توافق على الحفاظ على دائرة المحاصصة

بيروت – يخشى متابعو الوضع اللبناني أن تتسبب مواقف الرئيس عون خلال مشاركته في القمة العربية، التي سيستضيفها الأردن أواخر شهر مارس، في انفجار أزمة علاقات عربية لبنانية.

وتحصر كل القراءات الموقف المتوقع لرئيس الجمهورية اللبنانية من الجو العربي الميال إلى التشدد ضد إيران وإصدار قرار يدينها في ثلاثة خيارات هي الامتناع عن التصويت، أو التصويت لصالح القرار، أو التصويت ضده.

يرجح أن يكرر الرئيس اللبناني الخيار الذي كان يعتبر سابقا الخيار الأكثر أمانا وهو الامتناع عن التصويت.

وتشير تقديرات إلى أن هذا الخيار لم يعد قادرا على منح لبنان صفة الحيادية والنأي بالنفس التي شكلت في الفترة الأخيرة المخرج الثابت لتبرير المواقف اللبنانية المعارضة للتوجهات الخليجية.

ويدفع ارتفاع وتيرة التصعيد الخليجي الإيراني إلى اعتبار هذا الموقف مماثلا للتصويت ضد إيران، ومِن ثَمَّ من المتوقع أن تكون ردة الفعل مبنية على هذا الأساس. كذلك لا يتوقع أن ينعكس الموقف العربي من لبنان على ما اصطلح على تسميته مؤخرا بالتسويات اللبنانية الداخلية.

ولا تعكس هذه التسمية توازنات ومصالحات فعلية بقدر ما تعكس قبولا عاما بواقع غلبة فريق واحد على سائر المكونات، وتاليا فإن الجو اللبناني الداخلي لا يستطيع الخروج من هذا الإطار في المدى المنظور.

النأي بالنفس

تحاول مرجعيات لبنانية تفعيل خطاب النأي بالنفس، وإطلاق رسائل بهذا الصدد إلى المجتمعين العربي والدولي في محاولة لعدم تحميل كل لبنان المسؤولية عن ممارسات حزب الله وتدخلاته.

ويبرز مناخ لبناني يميل إلى وضع حدود واضحة بين حزب الله والدولة اللبنانية ونفي مسؤولية لبنان الرسمية عن تصرفات حزب الله، وذلك على الرغم من أن حزب الله جزء أساسي من مكونات الدولة اللبنانية.

الاختلال الكبير في موازين القوى سمح بنشوء معادلة لبنانية تقوم في هذه الفترة على تغليب الشأن الداخلي في انتظار تطورات الوضع في الميادين الملتهبة المحيطة بلبنان

وكانت مواقف البطرك الماروني بشارة الراعي لافتة في هذا الصدد فقد أدلى مؤخرا بتصريحات قال فيها إن حزب الله دخل الحرب السورية “دون أي اعتبارٍ لقرار الدولة اللبنانية بالنأي بالنفس”، كما اعتبر أن هذا الأمر “أحرج اللبنانيين وقسمهم بين مؤيّد لتدخّله ورافض له”.

الراعي شدد على أن “أن هذا الموضوع بات جزءا من الحياة اللبنانية والأوضاع العامة ويحتاج درجات من الحلول. والدولة اللبنانية تتخذ دائما موقف النأي بالنفس، أي أنه لا يوجد قرار من الدولة اللبنانية بأن يحارب حزب الله هنا أو هناك”. وتلفت بعض المعلومات إلى أن الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله سيستبق موعد انعقاد القمة العربية المقرر في الفترة الواقعة بين 24 و27 مارس الجاري بخطاب سيلقيه يوم السبت الواقع في 18 مارس.

وترجح مصادر مطلعة أن يحرص نصرالله في خطابه على تغطية مواقف الرئيس عون في القمة العربية، وعلى عدم إحراجه بإطلاق مواقف معادية للسعودية ولدول الخليج عموما.

يعلن هذا الإطار العام أن النأي بالنفس يشكل الإطار الضابط الذي تسعى جل القوى اللبنانية إلى تمرير التوتر الكبير الذي تشهده الفترة الحالية عبر اعتماده والسعي إلى تسويقه في القمة العربية.

وكانت سلسلة المواقف التي صدرت عن حزب الله مباشرة على لسان أمينه العام أو عبر حلفائه وأبرزهم رئيس الجمهورية قد عبرت عن سياق مناقض تماما لمنطق النأي بالنفس، ولكن على الرغم من ذلك يراد تسويق هذا الخطاب في القمة العربية وكأن شيئا لم يكن.

وتلفت بعض المصادر إلى أن الموقف العربي عموما، والخليجي خصوصا، لم يعد يبالي بأي موقف يمكن أن يصدر من لبنان، لأن لبنان خرج من دائرة الاهتمام الخليجية، وباتت هناك نظرة عامة تنظر إليه بوصفه جزءا من المنظومة الإيرانية في المنطقة.

لا تتوقع هذه المصادر أن تصدر مواقف تصعيدية تجاه لبنان بشكل مباشر، بل تتوقع أن يواجه خطاب رئيس الجمهورية في القمة والذي سيعيد التأكيد كما هو متوقع على خطاب النأي بالنفس، بمواقف انتقادية حادة ولكن دون أن تتبلور في إطار تصعيد إضافي مع لبنان.

وتشير تحليلات إلى أن الوضع مع دول الخليج قد وصل أساسا إلى ذروة التصعيد، وأن هناك قطيعة شبه متحققة مع لبنان؛ لذلك فإن أي تصعيد جديد لن يضيف شيئا إلى واقع العلاقات الخليجية اللبنانية المتأزم. وتتوقع هذه التحليلات أن اللامبالاة ستحكم تعامل الدول الخليجية مع أي موقف يصدر عن لبنان.

نبيل الحلبي: التسويات الداخلية اللبنانية كما اتضحت معالمها تبدو قائمة على أولويات كبرى تقوم على تغليب بعض الحسابات الداخلية على أي تأثير إقليمي

تسويات أم غلبة

يرجح المحامي نبيل الحلبي أن يكون الموقف اللبناني في القمة العربية “متوازنا وميالا إلى تكرار خطاب النأي بالنفس، وأن يتم تكرار موقف من سلاح حزب الله يدرجه في إطار الاستراتيجية الدفاعية العامة”. ويرى أنه يمكن أن تدرج تعديلات شكلية على هذا الإطار وإضافة عبارة “ضمن الدولة اللبنانية”.

لا يعتبر الحلبي أن المواقف التي يُحتمَل أن يعبر عنها لبنان في القمة العربية يمكن أن تؤثر على ما يسمى بالتسويات الداخلية اللبنانية لأن “هذه التسويات كما اتضحت معالمها تبدو قائمة على أولويات كبرى تقوم على تغليب بعض الحسابات الداخلية على أي تأثير إقليمي”.

ويشير إلى أن الموقف من سلاح حزب الله “خضع لنقاش في مجلس الوزراء كانت نتيجته أن أصدر رئيس الحكومة بيانا أكد فيه على أن الموقف من هذا الموضوع لا يحق لأي طرف لبناني مهما كان ولا حتى لرئيس الجمهورية أن يرسم حدوده بل يجب أن يخضع للإطار العام للدولة اللبنانية”.

ويلفت إلى أنه “سبق للدولة اللبنانية أن امتنعت عن التصويت حول قرارات تمس بالتضامن مع بعض الدول العربية، وقد خرجت حينها عدة دول -وفي مقدمها مصر التي غالبا ما تستضيف القمم العربية- بمواقف تعبر عن تفهم للموقف اللبناني وحساسية الوضع فيه وموقعه الجغرافي والسياسي”.

وتكرار الموقف نفسه في هذه القمة بما يعنيه من عدم اتخاذ موقف يمكن أن يتسبب “بتوتير كبير في العلاقات اللبنانية العربية، وأن تكون له تداعيات سلبية بالغة على علاقة لبنان بدول مجلس التعاون الخليجي، وخصوصا في هذه الظروف التي ترتفع فيها وتيرة الصراع بينها وبين إيران، وفي لحظة يبدو فيها الموقف الأميركي ميالا نحو إعلان التصادم المباشر مع إيران”.

ويشدد الحلبي على ضرورة النظر إلى ما يسمى بالتوافق السياسي في لبنان “انطلاقا من موازين القوى التي باتت تميل إلى صالح طرف معين، ما جعل التسويات التي يشار إلى أنها تحكم حاليا علاقات الأطراف اللبنانية ببعضها ليست في الحقيقة سوى أمر واقع مفروض بالقوة”. ويقول إن “ما يسمى التوافق في لبنان سبق عدة عناوين عريضة أبرزها التعيينات الأمنية كما أنه بني على خلفية استحقاقات كبرى يقع قانون الانتخاب على رأس سلم الأولويات فيها. من هنا فإن جميع القوى السياسية اللبنانية تقدم مصالحها المشتركة والحفاظ على تماسكها الداخلي على أي خلافات حول الشؤون الخارجية، وحتى إذا كان الخلاف في الموقف منها راديكاليا ومرتبطا بعناوين جوهرية”.

يؤكد عماد الحوت، النائب عن الجماعة الإسلامية، أن المعلومات التي توفرت لديه تشير إلى أن “الرئيس عون انتبه إلى الإرباكات التي أثارتها تصريحاته السابقة إبان زيارته إلى مصر، وهو ليس في وارد أن يكررها في القمة العربية القادمة”.

يلفت الحوت إلى أن “جلسات مجلس الوزراء أكدت على تشديد خطاب القسم على التوازن في العلاقات وخصوصا في ما يخص علاقات لبنان العربية، لذا اعتقد أن الجو في القمة العربية سيكون أفضل بكثير من الجو الذي نتج بعد زيارة الرئيس إلى مصر”.

يتوقع الحوت أن يتعامل الرئيس اللبناني مع المواقف العربية الميالة إلى التشدد ضد إيران وتضمين البيان الختامي للقمة بندا يشدد على التضامن العربي في مواجهة تهديداتها بالامتناع عن التصويت.

ويرى أن موقف عون “يرتبط بالإجماع العربي، فإذا كان متحققا بالكامل حول بند إدانة إيران فإن لبنان تقليديا وتاريخيا اعتاد على عدم الخروج على الإجماع العربي، ولكن إذا لم يكن هناك إجماع فإن موقف الرئيس سيميل إلى الامتناع عن التصويت”.

يشير الحوت إلى أن انعكاسات مواقف الرئيس اللبناني المتوقعة في القمة لن تطال لبنان بشكل سلبي لأن “الدول العربية تميل إلى تقدير طبيعة الوضع السائد في لبنان وحساسية الأوضاع فيه. من هنا يعتبر أن غياب الإجماع المتوقع على البند الخاص بإدانة إيران “سيسمح بتمرير الموقف اللبناني بالامتناع عن التصويت دون أن يتسبب بمشكلة كبيرة مع المناخ العربي العام”.

ويشير أيضا إلى أن “الارتباط بين كل هذا المناخ العربي وبين التسويات اللبنانية الداخلية ليس كبيرا وحاسما، بل تكمن المشكلة الأساسية في أن معظم التسويات قامت على منطق الاتفاقات الثنائية بين طرفين، وهذا النوع من التسويات عادة ما يكون هشا وغير مستقر”.

ولاءات حزب الله تورط لبنان في المنظومة الإيرانية

ويتمنى الحوت في ختام تصريحاته أن تبقى “التسويات الللبنانية قائمة على الرغم من هشاشتها كي يمكن تجنيب لبنان آثار النيران الملتهبة المشتعلة حوله”.

التسويات الداخلية

يرتبط خطاب النأي بالنفس مع منطق يروّج لفصل الداخل اللبناني عن التداعيات الخارجية والحرص على تمكين الداخل بغض النظر عن الخلافات الخارجية. يكشف هذا الواقع عن وجود انكفاء دولي وعربي وإقليمي عن لبنان يطال كل القوى السياسية اللبنانية بشكل عام، فبالتوازي مع تراجع الاهتمام السعودي بلبنان وامتناع السعودية عن تمويل التيارات السياسية التي تدور في فلكها يبرز تراجع واضح في الدعم المالي الذي تقدمه إيران لحزب الله.

تسبب هذا الواقع المستجد بنشوء واقع ميداني داخلي لبناني، تحرص فيه الأطراف اللبنانية على حصر دائرة المحاصصة في الداخل اللبناني، عبر انتزاع ما يمكن انتزاعه من امتيازات وحصص في تركيبة السلطة القائمة حاليا من خلال تقاسم الوظائف والمراتب في الدولة.

تم إغلاق المشهد اللبناني على هذا الواقع بشكل يدل على أن اليأس من قدرة ترميم علاقات لبنان بالخارج بات سمة عامة، وأن الاختلال الكبير في موازين القوى سمح بنشوء معادلة لبنانية تقوم في هذه الفترة على تغليب الشأن الداخلي في انتظار تطورات الوضع في الميادين الملتهبة المحيطة بلبنان.

ينشأ في لبنان استقرار نسبي مرتبط بنأي عربي ودولي عنه في اللحظة التي تعتبر فيها إيران أن منح حزب الله السيطرة التامة عليه، والإمساك بمقاليد الأمور فيه هما جائزة الترضية التي ستقدمها إليه، والتي ستسمح له بالتعويض عن الشح المالي الذي تعاني منه، والذي تسبب بتراجع قدرتها على تمويله.

كذلك يركّب رئيس الحكومة الحالية سعد الحريري خطابا يرى أن عودته إلى رئاسة الحكومة ضمن معادلة سيطرة حزب الله وبغض النظر عن أي تنازلات، هي الشكل الوحيد الذي يضمن له الإبقاء على حضوره السياسي في هذه المرحلة.

ولا يتوقع أن يتأثر الوضع الداخلي في لبنان بمواقف الرئيس عون في القمة لسبب بسيط ومأساوي، يكمن في أن الأمور قد استقرت في لبنان حاليا على واقع خضوع عام لمنطق غلبة حزب الله، ولا فرق إذا أطلق على هذا الواقع توصيف التسويات أو الخضوع. كذلك يمكن الإشارة إلى أنه لا يمكن للبنان أن يتأثر بالموقف العربي فقد جعله الانكفاء العربي والخليجي عنه بمنأى عن التأثر، لأن عزلته عن هذا المحيط لم تعد موضع شك كبير.

كاتب لبناني

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر