الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

بريطانيا لعبت بالنار كثيرا، حان الوقت كي تحرق نفسها

  • وصلت بريطانيا إلى المحطة الأخيرة في رحلتها الشاقة نحو خروج صعب من الاتحاد الأوروبي، إذ باتت أمام معادلة محيرة مع دول الاتحاد: الخروج باتفاق جيد، أم البقاء باتفاق سيء ولاقت أكثر سوءا مع جيرانها الذين يتحكمون في أكبر سوق في العالم.

العرب  [نُشر في 2017/03/14، العدد: 10571، ص(13)]

زمن الصغار!

لندن – في وقت لاحق من هذا الشهر ستبدأ تيريزا ماي، رئيسة الوزراء البريطانية، المفاوضات الأكثر أهمية التي تُشارك فيها البلاد، منذ التفاوض على عضوية الجماعة الاقتصادية الأوروبية في أوائل السبعينات. هذه المرة ستتخلى بريطانيا عن عضويتها فيما هو الآن الاتحاد الأوروبي، من خلال تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة. ويأمل كل من المؤيدين للمغادرة أو البقاء في نجاح ماي في الحصول على صفقة جيدة.

مصير المملكة المتحدة دائما ما سيكون مُقيّدا بمصير القارة، فهي ستكون دائما قوة أوروبية كبيرة، لكن هذه المصالح المشتركة لن تكون كافية لتأمين صفقة جيدة. وستكون هذه المفاوضات صعبة. هناك احتمال كبير بالتوصّل إلى نتائج كارثية، مع نتائج سامّة على المدى الطويل. قد يبدو أن البعض من نشطاء حملة خروج بريطانيا الأكثر تعصّبا يرغبون في ذلك. ماي يجب أن تقاوم مثل هذا الضغط.

كيف ينبغي أن تتعامل الحكومة البريطانية مع هذه المفاوضات؟ يجب أن تُحدّد الأهداف المناسبة، وأن تقدّر موقفها وتعتمد نهجا فعّالا.

الهدف الأسمى يجب أن يكون تحقيق أفضل صفقة ممكنة بشأن التجارة. الواقع هو أن المملكة المتحدة تعاني موقفا ضعيفا: دون صفقة ستعمل على تعطيل تجارتها، وجعل علاقتها مع القارة في حالة يُرثى لها. نظراؤها يعرفون ذلك جيدا.

أوروبا تريد طلب 60 مليار يورو من بريطانيا. على مدى عقد، ستمثل هذه القيمة 0.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. هذا مبلغ ضئيل

المملكة المتحدة تقوم بمبادلات تجارية مع بقية الاتحاد الأوروبي أكثر مما يفعل بقية الاتحاد الأوروبي مع المملكة المتحدة. ما ستخسره هو أكثر. رئيس الوزراء السابق السير جون ميجور وضع أفضل نهج “يتم الحصول على أكثر النتائج نجاحا عندما تُجرى المحادثات بحسن نية. من السهل التوصّل إلى اتفاق مع صديق أكثر مما يُمكن مع أحد الجيران المشاكسين”.

ويقول تشارلز غرانت من مركز الإصلاح الأوروبي لصحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية “خلف الكياسة الدبلوماسية تبدو الأجواء سيئة منذ الآن”. وأضاف “في ظل عدم اليقين العالمي.. قرار بريطانيا يُحيّر شركاءها. حيث يشعرون بأنهم يعامَلون بجفاء، ويشعرون بجرح وبعدم الأمان (على الأقل في بعض الحالات)”.

وإذا كانت المفاوضات ستنجح، يجب على الحكومة البريطانية التركيز على طاقاتها. هذا ينبغي ألاّ يكون على شروط الانفصال، لا سيما المال أو حقوق مواطني الاتحاد الأوروبي في البقاء. ينوي الاتحاد الأوروبي طلب 60 مليار يورو (52 مليار جنيه استرليني). هذا يمثل نحو 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي السنوي في المملكة المتحدة. على مدى، مثلا، عقد من الزمن، ستكون قيمته 0.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي سنويا. هذه كمية ضئيلة من النقود. مستقبل علاقتها مع الاتحاد الأوروبي هو أكثر أهمية من ذلك. بالمثل، مقابل الحصول على وصول عالية الجودة للسوق الموحدة، من خلال اتفاق شامل للتجارة الحرة ونظام “تعزيز التكافؤ” للخدمات، إضافة إلى انتقال سلس إلى مثل هذا الترتيب، ينبغي أن تكون المملكة المتحدة على استعداد لدفع مساهمة مستمرة إلى الاتحاد الأوروبي.

تشارلز غرانت: خلف الكياسة الدبلوماسية تبدو الأجواء سيئة منذ الآن. في ظل عدم اليقين العالمي، قرار بريطانيا يحير شركاءها

ويقول مارتن وولف، المحلل الاقتصادي البريطاني، إن “هذا قد يتناقض مع ادعاء نشطاء حملة خروج بريطانيا من أن مغادرة الاتحاد الأوروبي ستحرر 350 مليون جنيه استرليني أسبوعيا لخدمة الصحة الوطنية، لكن ذلك الزعم لم يكن سوى محض أكذوبة”.

وأضاف “قد يُدان أنصار هذا النهج باعتبارهم أعداء الشعب. وحيث إن روبسبير في فرنسا ولينين في روسيا وهتلر في ألمانيا وماو في الصين جميعا طبّقوا أنواعا مختلفة من هذه العبارة على الذين ذبحوهم، فإنني أعتبر هذا النعت بمنزلة شرف”.

في ديموقراطية ليبرالية، لا توجد أغلبية مؤقتة يمكن أن تحتكر لنفسها بغير حق اسم “الشعب”. نسبة الـ48 في المئة الذين صوّتوا للبقاء هم أيضا “الشعب”. في هذه الحالة بالذات، ليس هناك سبب وجيه للاستنتاج أنّ شكل خروج بريطانيا الصعب المحتمل الآن كان من الممكن أن يحصل على الغالبية الضئيلة التي تمكّنت حملة المغادرة بالفوز بها في يونيو من عام 2016.

يُجادل البعض في الحكومة البريطانية والكثير من نشطاء حملة خروج بريطانيا اليوم أنه إذا لم تحصل المملكة المتحدة على الصفقة التي تُريدها من الاتحاد الأوروبي، ينبغي أن تُصبح دولة ذات تجارة حرة منخفضة الضرائب ومماثلة ربما لهونغ كونغ.

وكما يقول ميجور “مثل هذا التوجه في السياسة، بمجرد أن يفهمه الجمهور، لن يحظى بالدعم أبدا”، فهو لا يتعارض مع كل شيء ذكرته حملة المغادرة فحسب، بل إنه يتعارض أيضا مع كل شيء أعلنته ماي منذ تولي منصب رئاسة الوزراء. هذا من شأنه أن يكون إساءة بالغة للديموقراطية.

ويقول وولف “دعونا نفترض أن الحكومة ستفشل في الحصول على صفقة جيدة من مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي. دعونا نفترض أنّ هذا الفشل ليس لأنها تعاملت مع هذه المفاوضات بروح المتغطرس والمتطلب”.

وأضاف “في الواقع لقد تعاملت معها بروح السلاسة والمعقولية”. لكن مازال ذلك لا يعجب رئيس الوزراء الأسبق توني بلير، إذ يعمل بشكل حثيث على الحشد من أجل دفع البريطانيين إلى تغيير آرائهم.

توني بلير: إذا كانت الحكومة تسعى إلى مصلحة البلد فإن هذه المفاوضات ستتضمن إمكانية بقائنا في أوروبا بعد إصلاحها

ويقول بلير “ماذا بعد؟ إذا كانت حكومتنا تُجري مفاوضات تسعى بصدق لتعزيز مصالح بلادنا، فإن هذه المفاوضات ستتضمن إمكانية بقاء بريطانيا في أوروبا، بعد إصلاحها”. ومن حيث المبدأ تبدو فكرة تنفيذ مغادرة بريطانيا يُمكن أن تُلغى بمجرد أن تُصبح طبيعة خروج بريطانيا أكثر وضوحا. من المؤكد أنه لا يوجد شخص وطني سيرغب في بقاء أقل من المغادرة.

علاوة على ذلك، نتيجة الاستفتاء حول تاريخ معيّن لا يُمكن أن تكون مقدسة في جميع الأوقات. من الممكن أن الناخبين سيُغيّرون رأيهم. نشطاء حملة خروج بريطانيا الذين يصرّون على السيادة البرلمانية، لا يُمكن أن يعترضوا أيضا من حيث المبدأ على تصويت برلماني على شروط الصفقة التي يتم التوصل إليها بالفعل، مقابل خيار البقاء في الاتحاد الأوروبي.

من الناحية العملية، هذا الخيار غير محتمل بشكل كبير. هذا جزئيا لأنه سيقضي على استقرار حزب المحافظين الحاكم في الوقت الذي يخلو من معارضة ذات مصداقية. الأمر الأكثر أهمية هو وجهة نظر بقية الاتحاد الأوروبي. ويستبعد مراقبون التصوّر أنه بعد عامين من المفاوضات الصعبة، سيُسمح للمملكة المتحدة بالنجاة عبر القول لنظرائها إن الصفقة التي عرضوها سيئة جدا، بحيث أنها قررت البقاء في الداخل، كشكل من أشكال العقاب للاتحاد الاوروبي.

ورغم ذلك مازال سياسيون كثر في لندن يُعوّلون على تحقق هذا السيناريو.

ويقول وولف “من شأن تحقّق هذا السيناريو انتهاك جميع قواعد السلوك اللائق في العلاقات الدولية. أغلب ظني أن أيّ محاولة للانسحاب من تطبيق المادة 50 في هذه الظروف ستكون مرفوضة من قبل الأعضاء، وبمساندة من محكمة العدل الأوروبية. وستنظر المحكمة إلى هذا السلوك الشاذ على أنه يتنافى مع بقاء الاتحاد الأوروبي نفسه”.

وسيجعل انتخاب مارين لوبن لتكون رئيسة لفرنسا كل ذلك موضع أخذ ورد. حسب الواقع الحالي للأمور، فإن الافتراض هو أنه لا بد لبريطانيا من أن تخرج من الاتحاد الأوروبي. السؤال هو كيف سيتم ذلك بالضبط؟ الإجابة الصحيحة تبدأ بالوضع الصحيح لهذا السؤال، وعليهما يتوقف كل شيء.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر