الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

ميركل وترامب.. لقاء بين نقيضين من أجل إيجاد أرضية مشتركة

  • تلتقي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وكان من المنتظر أن يعقد هذان الزعيمان المتناقضان اجتماعهما الأول اليوم الثلاثاء لكن تأجل بسبب سوء الأحوال الجوية في الولايات المتحدة إلى يوم الجمعة (17 مارس). وذكرت وسائل الإعلام الألمانية أن ميركل تخطط لاستراتيجية مزدوجة في أول اجتماع لها مع ترامب. وقالت إنها تريد تعزيز العلاقات الشخصية مع الرئيس الأميركي، ولكنها تريد أيضا أن توضح لترامب أن برلين مستعدة وقادرة على خوض حرب تجارية ضدّ واشنطن.

العرب نوح باركين [نُشر في 2017/03/14، العدد: 10571، ص(6)]

من سيحتوي الآخر

برلين – من الصعب تخيّل اثنين أكثر اختلافا سواء من حيث الأسلوب أو من حيث الجوهر من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الأميركي دونالد ترامب.

هي متخصصة في العلوم الفيزيائية من ألمانيا الشرقية، من صفاتها ضبط النفس والتحفظ لا تحب التعجل في أخذ القرارات ولم تستسغ قط الاهتمام الذي يأتي به شغل منصب أقوى زعماء أوروبا؛ أما هو فثري من أباطرة العقارات في نيويورك متسرع في إبداء آرائه ويستمتع بالأضواء.

يلتقي الاثنان يوم الجمعة 17 مارس للمرة الأولى في قمة شديدة الأهمية تتابعها الحكومات في مختلف أنحاء العالم، بحثا عن خيوط تكشف مستقبل التحالف الأوروبي الأميركي الذي ساهم في تشكيل النظام العالمي منذ الحرب العالمية الثانية.

تقع ألمانيا في قلب أوروبا، وهي الدولة الأكبر حجما في القارة على المستويين الاقتصادي والديمغرافي، وتدين بقدر كبير من قوتها لسياسة الاحتواء والضمانات الأمنية الأميركية، التي ساعدت على نهوض ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وتحوّلها من دولة عدوة للولايات المتحدة إلى حليف استراتيجي، زاد من قوته الأطر المؤسسية متعددة الأطراف والعابرة للمحيط الأطلسي والأوروبية التي تقوم على القيم المشتركة والتجارة الحرة.

لكن، اليوم يهدد الرئيس الأميركي بوضع نهاية لكل هذا. وحذّر الألمان من أنه وإذا كانت الإدارة الأميركية جادّة في كسر هذا النظام الذي تسير وفقه العلاقات الأميركية الألمانية، فإن المستشارة قد أعدت مجموعة من التدابير الانتقامية للعرض خلال الاجتماع، وفق مجلة دير شبيغل، التي تعرّضت لموجة انتقادات بسبب رسم كاريكاتيري تصدّر صفحتها الأولى يبدو فيه الرئيس الأميركي ترامب وهو يتباهى بقطع رأس تمثال الحرية.

خطأ كارثي

الهوة بين الزعيمين شاسعة في الاقتصاد وفي السياسة الخارجية. فقد وصف ترامب (70 عاما) قرار ميركل السماح لمئات الألوف من اللاجئين بدخول ألمانيا بأنه “خطأ كارثي”.

وهدّد ترامب بفرض رسوم على شركات السيارات الألمانية التي تورّد سياراتها إلى السوق الأميركية. وانتقد برلين لعدم زيادة إنفاقها على الدفاع مكررا شكوى أميركية قديمة وعدت ميركل بالعمل على حلها.

رئيسا سيمنس وبي.ام.دبليو يرافقان ميركل لتسليط الضوء على فرص العمل الأميركية بفضل الاستثمارات الألمانية

وهدّد أيضا بشن حرب اقتصادية تكون “حرب عُملات”، ليس ضد الصين فحسب، بل أيضا ضد ألمانيا (التي صارت أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة عام 2015)، الأمر الذي من شأنه إيذاء الاقتصاد الألماني بما قد يهدّد الوحدة المالية للاتحاد الأوروبي برمّتها.

ومن مصادر التوتر الأخرى الفائض التجاري الألماني البالغ 50 مليار يورو في التجارة مع الولايات المتحدة؛ حيث اتهم بيتر نافارو، مستشار ترامب، ألمانيا باكتساب مزايا تجارية غير عادلة من خلال ضعف اليورو.

وردّت ميركل بأن البنك المركزي الأوروبي لا برلين هو المتحكم في مصير العملة الأوروبية الموحدة.

وانتقدت المستشارة الألمانية حظر السفر الذي فرضه ترامب على مواطني عدة دول غالبية سكانها من المسلمين. وفي مكالمة هاتفية في يناير شرحت ميركل لترامب أن اتفاقية جنيف تلزم الموقّعين عليها بمن فيهم الولايات المتحدة باستقبال اللاجئين بسبب الحروب لأسباب إنسانية.

وقال انتوني جاردنر، الذي عمل سفيرا للولايات المتحدة لدى الاتحاد الأوروبي حتى يناير 2017، “أوروبا في حالة هشة متزعزعة وألمانيا تحاول ضمان تماسك مشروع التكامل الأوروبي. أحسب أنّ المستشارة ستبغي توضيح ذلك للرئيس”. وأضاف “هذه فرصة لرسم إطار لمجالات الاهتمام المشترك وتحديد جدول أعمال إيجابي”.

ولعل من أهم مجالات الاهتمام المشترك التعامل مع روسيا، حيث ذكرت التقارير أنّ موسكو ستكون أيضا من الموضوعات المطروحة على جدول الأعمال.

وقال مسؤولون في البيت الأبيض إن ترامب سيسعى للاستماع إلى نصيحة المستشارة الألمانية في ما يتعلق بكيفية التعامل مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، فيما لا تزال النوايا الأميركية حيال موسكو تتسم بالغموض.

وقال تشارلز كابتشان، الذي كان مستشارا للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في السياسة الأوروبية بوصفه عضوا في مجلس الأمن القومي، “هل أعتقد أن الصداقة ستتوطد بين ميركل وترامب؟ لا على الأرجح. فهما شخصيتان في غاية الاختلاف”. مع ذلك يعتقد كابتشان “أنهما يهتمان اهتماما قويا على المستويين السياسي والاستراتيجي باكتساب كيفية العمل معا. ربما كان هذا هو أهم اجتماع مع زعيم أجنبي في رئاسة ترامب”.

وتشعر ميركل بالتفاؤل حيال عدم تنفيذ مجموعة من القرارات التي اتخذها ترامب فور توليه الرئاسة، من ذلك أن الاتفاق النووي مع إيران لا يزال قائما، وقرار نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس من الواضح أنه قد تم تأجيله في الوقت الراهن.

وقال مسؤولون ألمان إن ميركل (62 عاما) التي تميل إلى التدقيق في التفاصيل ثابرت على الإعداد بكل اجتهاد لرحلتها إلى واشنطن. ويضيفون أنها شاهدت خطب ترامب ودققت في مقابلاته الإعلامية بما في ذلك حديث مطول مع مجلة بلاي بوي عام 1990 يطرح فيه الكثير من الآراء المثيرة للجدل التي يحاول الآن وهو رئيس وضعها موضع التنفيذ.

وأضاف المسؤولون إن بعض المقربين منها عكفوا على تحليل لقاءات ترامب مع قادة آخرين بمن فيهم تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا، وشينزو آبي رئيس وزراء اليابان، وجاستين ترودو رئيس وزراء كندا، وتبادلوا الرسائل مع بعض نظرائهم حول كيفية التعامل مع ترامب نجم تلفزيون الواقع السابق الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته.

وقال مسؤول ألماني كبير “علينا أن نكون مستعدين لعدم ميله إلى الإنصات لفترة طويلة وأنه يفضل المواقف الواضحة ولا يريد الخوض في التفاصيل”.

وبما أن الولايات المتحدة تواصل التشكيك علنا في فاعلية المؤسسات الدولية مثل منظمة التجارة العالمية، سوف تواجه ألمانيا خيارا صعبا وهو: الوقوف للدفاع عنها، أو القبول بالنتائج المترتبة على تلاشي رغبة واشنطن في دعمها والمشاركة فيها. وفي كلتا الحالتين، فإنّ ميركل سوف تفعل ما في وسعها لإيجاد أرضية مشتركة مع ترامب.

وخططت ميركل لإستراتيجية مزدوجة في أول اجتماع لها مع ترامب. وقالت إنها تريد تعزيز العلاقات الشخصية الوثيقة مع الرئيس الأميركي، ولكنها تريد أيضا أن توضح لترامب أن برلين مستعدة وقادرة على خوض حرب اقتصادية ضدّ واشنطن.

ويرافق ميركل في لقائها رئيسي شركتي سيمنس وبي.ام.دبليو العملاقتين، للمساعدة في إيجاد أجواء جيدة للنقاشات وتسليط الضوء على فرص العمل الأميركية المتوافرة بفضل الاستثمارات الألمانية.

وكان ترامب هدّد مؤسسات في طليعتها بي.ام.دبليو برسوم جمركية مرتفعة على مبيعاتها التي تنتجها في المكسيك.

وعلقت دير شبيغل مؤكدة أنه “إذا كانت الإدارة الأميركية جادة على صعيد الرسوم الجديدة، فإن المستشارة قد أعدت مجموعة من التدابير الانتقامية”.

في الماضي، رأى الأميركيون أوروبا كقطب للاستقرار في عالم متقلّب. لكنّ الرؤية الجديدة ترغب في زعزعة استقرار أوروبا، سياسيا واقتصاديا. وستكون النتيجة النهائية أوروبا منقسمة، وهو أمر لن تقبل به ألمانيا أبدا، حيث تعتمد مصالحها السياسية والاقتصادية الأساسية على وجود اتحاد أوروبي قوي وناجح، وخاصة في عصر ترامب.

احتمال ظهور مفاجآت

ترامب هو ثالث رئيس أميركي تتعامل معه ميركل، أقدم زعماء أوروبا. وكانت أقامت علاقة طيبة مع جورج دبليو بوش الذي حرص على إصلاح العلاقات مع ألمانيا بعد الصدام الذي وقع بينه وبين غيرهارد شرودر المستشار الألماني السابق بسبب حرب العراق.

ورغم أنّ العلاقات مع أوباما بدأت بداية صعبة، عندما رفضت ميركل طلبه إلقاء خطاب عند بوابة براندنبورج خلال حملة الانتخابات الرئاسية عام 2008، فقد توطدت الأواصر بينهما بمرور الوقت وتعاونا في فرض العقوبات على روسيا وبدء مفاوضات التجارة الحرة بين أوروبا والولايات المتحدة.

وستحرص ميركل أشدّ الحرص على تصرفاتها في واشنطن. ففي ضوء الانتخابات التي تترقبها ألمانيا في سبتمبر 2017 يتعيّن عليها أن تتجنب تزويد خصومها السياسيين بالذخيرة من خلال التقرب من ترامب.

وتواجه ميركل تحديا في انتخابات سبتمبر من اليسار فى شكل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي استعاد نشاطه ومن جانب حزب البديل من أجل ألمانيا الشعبوي اليميني، الذي تلقى دفعة جراء فوز ترامب.

ومن أكبر المخاوف في معسكر المستشارة قبل الزيارة احتمال حدوث مفاجآت ليست في الحسبان. فقد كان لرئيس الوزراء الياباني مصافحة محرجة استمرت 19 ثانية مع ترامب بينما تعرضت رئيسة وزراء بريطانيا لانتقادات في بعض وسائل الإعلام البريطانية بسبب تشابك يدها مع يد ترامب خلال تجوّلهما معا في البيت الأبيض.

وعندما التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بترامب الشهر الماضي أمضى هو وفريقه اليوم السابق في دراسة تصورات لا نهاية لها وبحث الأسئلة التي يمكن أن تطرح لضمان استعداد الجانب الإسرائيلي لأيّ احتمال.

ومع ذلك فقد بوغتوا عندما تحدث ترامب على غير المتوقع في مؤتمر صحافي عن قضايا المستوطنات والدولة الفلسطينية المستقبلية.

وتعترف ميركل بأنها لم تكن ترتاح للمفاجآت أثناء طفولتها حتى أنها كانت تضع قائمة أمنياتها لعيد الميلاد قبله بشهور لتفادي وضع تفاجأ فيه بهدية غير متوقعة. أما في لقائها مع ترامب فربما يتعين عليها أن تتوقع أيّ شيء.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر