الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

السجال التركي الأوروبي تبادل خبيث للمنافع الانتخابية

  • يدور خلاف دبلوماسي حاد بين تركيا وهولندا حاليا على خلفية حظر الأخيرة ظهور وزيرين تركيين في فعاليات للترويج للتعديلات الدستورية التركية أمام الجالية التركية في روتردام، كما شهدت العلاقات الألمانية-التركية توترا مؤخرا بسبب حظر ظهور وزراء أتراك في فعاليات مماثلة في ألمانيا.

العرب  [نُشر في 2017/03/15، العدد: 10572، ص(7)]

أردوغان يجني في الداخل ثمار الغضب في أوروبا

بروكسل – يكشف التوتر الراهن بين تركيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي عن رأس جبل الجليد الذي يجسد علاقات أنقرة بعواصم القرار الرئيسية في أوروبا.

وتعكس المشادات الكلامية بين مسؤولين أتراك ومسؤولين ألمان تارة ومسؤولين هولنديين تارة ثانية مستوى التدهور الذي أصاب طبيعة الروابط المتهالكة التي تصل تركيا بدول الاتحاد الأوروبي.

ولئن يجمع المراقبون على الطابع الانتخابي للتوتر الراهن، سواء في تركيا التي يتوجه ناخبوها للمشاركة في استفتاء تعديل الدستور في 16 أبريل المقبل، أو في هولندا التي يشارك مواطنوها في الانتخابات التشريعية التي تجرى الأربعاء، إلا أن تدني مستوى الأداء المتبادل في مقاربة هذه الأزمة يفصح عن اهتراء أصاب الصورة النمطية المتبادلة، كما تدني مستوى الآمال التي يعوّل عليها الطرفان في تطوير علاقات يفترض أنها تاريخية بينهما.

وتنفجر الأزمة الحالية نتيجة تراكم أدى إلى استفحال الأورام التي تعبد الطرق للمزيد من سوء الفهم في يوميات التعايش الأوروبية التركية.

عملت دول الاتحاد خلال العقود الأخيرة على تعقيد الشروط لدخول تركيا إلى النادي الأوروبي. فعطفا على المواقف الصريحة التي أطلقها سياسيون أوروبيون في مناسبات عديدة ترفض عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، إلا أن لسان حال الاتحاد الرسمي بقي متمسكا بلغة دبلوماسية قانونية لم تقطع سبل وصول تركيا إلى مبتغاها في هذا الشأن.

لجوء ألمانيا والنمسا والنرويج وسويسرا وهولندا إلى منع تجمعات تركية تروج للاستفتاء يعكس مزاجا أوروبيا يروم وضع حدود لنزوع أردوغان لاختراق دول الاتحاد من خلال المهاجرين الأتراك

غير أن الموقف الرسمي لبروكسل، مقر المفوضية الأوروبية، بقي متمسكا مع ذلك بتطبيق تركيا لمعايير وقواعد وشروط مسّ بعضها صلب الدستور التركي وتركيبة البلاد السياسية والقضائية، على نحو فهمه الخبراء بأنه شروط تعجيزية لا تروم إلا تيئيس الأتراك من فكرة انضمام بلادهم إلى الاتحاد.

تركيا الأوروبية

الحقيقة أن تركيا منذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في البلاد أدركت استحالة قبول عضويتها داخل “أوروبا”، لكن الخطاب الرسمي للحزب كما خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بقي متمسكا بهذا الهدف كأداة من أدوات السياسة الخارجية من جهة، ومطلب يحاكى به مزاج الناخب التركي داخليا من جهة ثانية.

ولا ريب أن أوساطا تركية قد لاحظت بسهولة عدم اكتراث الفضاء الأوروبي لأي جهود عملت عليها أنقرة ليتّسق سلوكها مع المعايير الأوروبية، وهو ما جعلها تتهم، من على منابر عدة، الاتحاد الأوروبي بأنه ناد مسيحي لن يسمح بعضوية دولة مسلمة، ولن يسمح بأن يستفيد المواطنون الأتراك من الامتيازات التي يتمتع بها المواطن الأوروبي، لا سيما تلك التي تتعلق بحرية التنقل بين الدول الأعضاء، ناهيك عن حرية تنقل المواطنين الأوروبيين بحرية كاملة دون تأشيرات دخول أو من خلال تأشيرات دخول آلية ميسّرة نحو دول غربية ليست أعضاء في “أوروبا“.

ورغم تعايش أردوغان وفريقه مع فكرة التكاذب المتبادلة بشأن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أن أنقرة لم تهضم البرودة التي عبّرت عنها أوروبا حيال محاولة الانقلاب التي شهدتها البلاد في يوليو الماضي، وصولا إلى خروج آراء أوروبية تشكك بالانقلاب وتلـمـح إلى إمكانية تورّط أردوغان نفسه فيه لغايات هدفها إطلاق يده ضد معارضيه في الداخل.

ولم تكن البرودة اختصاصا أوروبيا بل أميركيا أيضا عكست علّة في شكل العلاقة الراهنة بين تركيا وحلفائها. ولئن عملت العواصم الغربية بعد ذلك على رأب الصدع الذي سببه الحدث، إلا أن تمسك بعض العواصم بالامتناع عن تسليم ضباط أتراك لجأوا إليها اتهمتهم أنقرة بالضلوع في محاولة الانقلاب أو بالولاء للداعية التركي فتح الله غولن، أضاف زيتا على نار التوتر في علاقات تركيا مع جيرانها الأوروبيين.

ويجمع دبلوماسيون أوروبيون على أن أزمة اللاجئين إلى أوروبا أيقظت بلدان الاتحاد من سبات وحوّلت تركيا في نظر الطبقة السياسية الأوروبية من حليف محتمل إلى خصم كامن.

واعتبرت كواليس القرار في أوروبا أن تركيا تستخدم ورقة اللاجئين لابتزاز الشركاء الأوروبيين وأن مئات الآلاف من اللاجئين اجتاحوا القارة الأوروبية بتسهيل من حكومة أنقرة أو بغض الطرف وبالتوقف عن أي جهد لمنعهم من اجتياز الحدود التركية باتجاه أوروبا.

ولا شك أنه على خلفية هذا الاهتراء المتنامي في علاقة أوروبا بتركيا وضعف الثقة بين الطرفين بدأت الرسائل المتبادلة تأخذ جوانب تتجاوز أصول الدبلوماسية وأدب التخاطب بين الدول.

حدود الجالية التركية

يعتبر مراقبون أوروبيون أن لجوء ألمانيا والنمسا والنرويج وسويسرا وهولندا إلى منع تجمعات تركية تروّج للاستفتاء الدستوري التركي يعكس مزاجا أوروبيا عاما يروم وضع حدود لنزوع أردوغان وحزب العدالة والتنمية إلى اختراق دول الاتحاد من خلال المهاجرين الأتراك داخل هذه الدول، خصوصا وأن معظم هؤلاء هم مواطنون أوروبيون اكتسبوا الجنسيات الأوروبية لدول الاتحاد الأعضاء.

ويضيف المراقبون أن السلوك الأوروبي في هذا الصدد يعبر عن امتعاض من موقف تركيا التي تسلط سيف الهجرة على رقاب الأوروبيين من خلال التلويح بالتخلي عن الاتفاق الموقع مع دول الاتحاد لمنع تدفق المهاجرين.

لكن مصادر أوروبية في بروكسل تعترف بأن للتوتر والتصعيد أسبابا أوروبية داخلية. وتقول هذه الأوساط إن نجاح استفتاء البركسيت في بريطانيا ثم انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، رفعا من شعبية أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، وأن الحجج التي كانت هذه الأحزاب تسوّقها خجلا قبل ذلك ضد الأجانب والمهاجرين والمسلمين، باتت هذه الأيام تجاهر بها، بعد أن أصبحت شعارات كره الأجانب والمطالبة بإغلاق الحدود أمام المسلمين، التي أوحت بها حملتا الاستفتاء والانتخابات في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، قاعدة مستخدمة بسهولة تامة في التسويق للأحزاب التقليدية.

وذكرت هذه الأوساط أن أوروبا تعيش هوس انتخابات ما بعد ترامب، وأن بلدان الاتحاد تنظر بقلق إلى الانتخابات المقبلة في فرنسا وألمانيا وتراقب عن كثب الانتخابات الهولندية الأربعاء.

وتضيف هذه الأوساط أنه في هذا الصدد تضع الانتخابات التشريعية في هولندا حزب الوسط (الحزب الشعبي الليبرالي الديمقراطي) بقيادة رئيس الوزراء الهولندي مارك روته بمواجهة حزب اليمين المتطرف (حزب من أجل الحرية) بقيادة خيرت فيلدرز، وأن الجدل في هولندا حول الإسلام والمسلمين واللاجئين دفع بروته إلى انتهاج سلوك شعبوي لدوافع انتخابية خالصة هدفها حصد أصوات من داخل معسكر اليمين المتطرف أو وقف التقدم الذي من الممكن للحزب اليميني المتطرف أن ينجزه بما قد يحقق المفاجأة التي خرجت عن صناديق الاقتراع البريطانية والأميركية.

جاويش أوغلو: أوروبا تتجه نحو هاوية التطرف
أدرنة (تركيا) - قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو "يساورنا قلق كبير حيال وضع القارة الأوروبية الحالي ونراها تتجه شيئا فشيئا إلى الهاوية وإلى فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية".

وأضاف جاويش أوغلو خلال مشاركته في إحدى فعاليات حزب العدالة والتنمية (الحاكم) في ولاية أدرنة غربي تركيا "نشاهد خلال السنوات القليلة الماضية اتجاه الأحزاب الحاكمة في العديد من الدول الأوروبية نحو سياسات الأحزاب اليمينية المتطرفة أملا في الحصول على أكبر عدد من الأصوات في الانتخابات".

وتابع "رئيس وزراء هولندا من الحزب الديمقراطي، ونائبه ووزير خارجيته من الحزب الاجتماعي الديمقراطي، لكن هل ثمة فرق بين تصريحاتهم وسياساتهم وبين ما يفعله خيرت فيلدرز اليميني المتطرف".

وأكد جاويش أوغلو أن الأحزاب الأوروبية تضرب بقيمها ومبادئها عرض الحائط من أجل اكتساب شعبية أو الحصول على صوتين أو ثلاثة من حصة منافسيها. واعتبر أن عددا من الدول الأوروبية تخشى تشتت الاتحاد الأوروبي، ما يدفعها لمؤازرة بعضها البعض.

والسبت الماضي، سحبت هولندا تصريح هبوط طائرة وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو على أراضيها، ورفضت دخول وزيرة الأسرة والشؤون الاجتماعية فاطمة بتول صيان قايا، إلى مقر قنصلية بلادها في مدينة روتردام، لعقد لقاءات مع الجالية ودبلوماسيين أتراك، ثم أبعدتها إلى ألمانيا في وقت لاحق.

والظاهر أن الرئيس التركي أردوغان ورئيس الوزراء الهولندي روته قد أجادا بخبث تبادل المنافع الانتخابية بحيث تحوّل الردح بين الرجلين إلى ورشة هدفها حصد الأصوات. فقد تمكن أردوغان من تصعيد الحدث بشعبوية مفرطة هدفت إلى صناعة عصبية تركية لدى أتراك هولندا وأوروبا، فيما تحدثت التقارير في هولندا عن نجاح روته في إدارة هذه الأزمة والظهور بمظهر السياسي الصلب المدافع عن مصالح بلده ومواطنيه.

وفيما تنتهي “اللعبة” الهولندية بانتهاء الانتخابات، فإن أمام أردوغان متّسعا من الوقت، حتى 16 أبريل المقبل، موعد الاستفتاء، للاستفادة القصوى من أجواء التوتر والمواجهة بين أنقرة والعواصم الأوروبية. وتتحدث تقارير تركية عن أن التعديلات الدستورية، التي وافق عليها البرلمان، تحتاج إلى استفتاء شعبي قد لا يلاقي إقبالا داخل تركيا بسبب الجدل حول ما يتيحه التعديل من صلاحيات رئاسية مفرطة تجعل أمر البلاد بيد الرئيس أردوغان الذي سيكون له الحق في تجديد حكمه حتى عام 20203.

وترى أوساط تركية مراقبة أن أردوغان يعوّل كثيرا على اقتراع الأتراك في أوروبا لما لهذا الاقتراع من تأثير إيجابي في حال تراجعت نسبة الاقتراع في الداخل.

وتتحدث الأرقام عن وجود 5 ملايين مواطن تركي في أوروبا، منهم 3 ملايين في ألمانيا وحدها، فيما يبلغ عدد الأتراك 650 ألفا في فرنسا وحوالي 400 ألف في هولندا ويتوزع الباقون على عدة دول أوروبية.

وترى هذه الأوساط أن أردوغان والحزب الحاكم يعملان بجدية لإقناع الأتراك في أوروبا لصالح هذه التعديلات، وأن رد فعل الأتراك إزاء السجال الحالي بين الحكومة التركية والحكومات الأوروبية، لا سيما الهولندية، عزز من عصبية تركية قد تصب بسهولة لصالح خيارات أردوغان وفريقه. على أن مراجع دبلوماسية تعتبر أن الأزمة بين الطرفين لا تعبر عن سياسة خارجية منجزة، بل تعكس حالة الارتجال والفوضى التي توحي بها حمى الانتخابات.

وتضيف هذه المراجع أن لا مصلحة لدول الاتحاد من إحداث قطيعة مع تركيا. كما أن لا مصلحة تركية في الذهاب بعيدا في حربها مع الأوروبيين، خصوصا أن لا بدائل إستراتيجية تدفع أنقرة إلى انتهاج سياسة ابتعاد جذرية عن الخيار الغربي الأوروبي، وأنه يكفي تأمل ركاكة العلاقات الروسية التركية وعرضيتها للتدليل على مفترق الطرق الحساس الذي تقف عنده تركيا ورئيسها وحزبها الحاكم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر