السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

العلاقة المصرية السعودية بوجهين: أحدهما ثابت وآخر تحدده التطورات

  • بسبب التباين في التقديرات حول البعض من القضايا الإقليمية، حدث الخلاف السياسي بين مصر والسعودية، ودخلت العلاقات في نفق سمح لكثيرين بالترويج لتوقعات وتخمينات وشائعات كثيرة، لكن انطلاقا من القاعدة التي جاء منها الخلاف (ملف القضايا الإقليمية) بدأت ملامح الانفراج تلوح في الأفق، وتجسدت في أحدث ملامحها عبر استئناف شركة أرامكو السعودية تصدير شحناتها البترولية إلى مصر.

العرب  [نُشر في 2017/03/17، العدد: 10574، ص(6)]

انتعاشة في السياسة تلقي بظلالها على الاقتصاد

القاهرة - يأتي إعلان مصر رسميا موافقة الرياض على عودة تصدير شحناتها البترولية إلى القاهرة بعد خمسة أشهر من التوقف، ليؤشر لذوبان جليد الخلافات وليكون إقرار بتفاهمات حدثت بينهما في الفترة الأخيرة، حول البعض من القضايا الإقليمية التي كانت محل تباين في وجهات النظر.

ورغم بعده الاقتصادي، إلا أن قرار استئناف شركة أرامكو السعودية تصدير شحناتها البترولية إلى مصر يحمل أبعادا سياسية وإستراتيجية كثيرة لا تفصله عن صميم المتغيرات الحاصلة على مستوى السياسة الإقليمية والعلاقات الدولية منذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.

ارتبط التوتر الحاصل في العلاقات المصرية السعودية في ظاهره بالملف السوري وتباين وجهات النظر بشأنه، وهو أمر دعّمه تصويت القاهرة في مجلس الأمن لصالح مشروع قرار روسي بشأن الأوضاع في حلب، لكن هذا التوتر لم يكن سواء جزء من خلافات متأصلة في العلاقة بينهما، وتظهر من وقت لآخر في شكل خلاف حول قضية إقليمية محددة.

ويتبنى هذه الرؤية إريك تراجر، زميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، الذي يرى أن التوتر الأخير الذي شهدته علاقات مصر والمملكة العربية السعودية “نمط مألوف”؛ لكن عندما يتجاوز هذا النمط المألوف حدوده تصبح هناك ضرورة لتعديل بوصلة محور الاعتدال.

وكان خالد البقلي، أمين مجلس الأمن القومي المصري، قال في تصريحات صحافية الخميس، إن العلاقات لم تنقطع يوما، و”المبادئ الإستراتيجية الأساسية التي تربط البلدين لن تتغير، لكن في البعض من الأوقات تكون هناك اختلافات في وجهات النظر بقضايا معينة”.

وأشار إلى أن “التنسيق بين الأجهزة المختلفة مستمر، لكن حدث في مرحلة ما سوء فهم لبعض المواقف، والأطراف التقت. وسنرى في القريب العاجل عودة علاقات أقوى بين الجانبين”. وأوضح أنّ الاتصالات قائمة ولم تنقطع، وهناك اتصالات يتم الإعلان عنها، وأخرى لا يتم الإعلان عنها بين القادة، سواء ما يتعلق بالعلاقات المباشرة بين الدول، أو التطورات الإقليمية. وأكد أن الأزمة السورية كانت الملف الأساسي في اختلاف وجهات النظر، لكن كلا البلدين مدرك تماما أنهما “عماد الاستقرار” في المنطقة.

التفاهمات الإقليمية في ملفات سوريا واليمن وأمن الخليج والقوات العربية المشتركة، القاعدة التي سوف تنطلق منها المرحلة الجديدة في العلاقات بين البلدين

وبرأي محمد عبدالمقصود، الخبير الأمني في الشؤون الدولية، يمثل إعادة ضخ شركة أرامكو للنفط السعودي “خطوة إيجابية للغاية” على طريق إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي. وأضاف لـ”العرب” أنّ المطلوب من الجانب المصري حاليا أن تهدأ وسائل الإعلام ولا تحاول إثارة قضايا من شأنها تعقيد الأمور، وعدم تصوير قطع البترول على أنه كان عقابا لمصر، أو أن عودته جاءت بعد أن استجابت لشروط الرياض.

وبشأن المطلوب من القاهرة للرد على هذه الخطوة الإيجابية، قال إن “مصر قد تقدم على خطوات تعزز من خلالها تأكيد دعمها الكامل لحماية الأمن الخليجي وتضاعف من النشاط العسكري، “ولا مانع من إقامة مناورات عسكرية مع السعودية”.

مطلب دولي

لفت البعض من الخبراء إلى أن التطورات التي لحقت في الملف السوري، من جنيف إلى أستانة والعكس، تفرض على القاهرة والرياض المزيد من التقارب، لأن التسوية المتوقعة لسوريا سوف تكون مقدمة لشكل تسويات أخرى في المنطقة، ومن الضروري لكل من مصر والسعودية أن يكونا قريبين ومتفاهمين.

وأكد عبدالمنعم سعيد، مدير المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة، أنه كانت هناك اتصالات بين مصر والسعودية، بخصوص الموقف في المنطقة والعالم، وتركزت حول ضرورة نبذ الخلاف لمواجهة التحديات التي تواجه البلدين في الإقليم العربي تحديدا، وأن هذه الاتصالات تمهّد تدريجيا إلى إعادة الأمور لطبيعتها.

وأوضح لـ”العرب” أن ملف التصالح بين القاهرة والرياض مطلب دولي. ويلعب حلفاء البلدين دورا مهما للإسراع به، منوّها إلى أنّ الولايات المتحدة والبعض من الدول العربية تريد فك عقد الأزمة بين البلدين، لأن حل البعض من قضايا المنطقة يحتاج إلى تقارب متين بين مصر والسعودية.

وجرت مياه كثيرة في بحر الخلاف بين البلدين، بعضها رائق وغالبيتها عكرته أجواء السياسة، مع أن التلميحات الرسمية بين القاهرة والرياض، لم تعكس طبيعة الأزمة، فقد تجنب كل طرف الدخول في مواجهة مباشرة، لكن جرى السماح للبعض من وسائل الإعلام في البلدين خوض معركة، كادت تنفلت من عقالها، وأدى تدخل جهات رسمية إلى توقف الحرب الإعلامية، وهو ما اعتبرها الكثير من المراقبين دليلا على وجود اتصالات مباشرة بين الطرفين. ولم يخف اقتصار المعركة على الشق الإعلامي استمرار التوتر السياسي، خاصة عندما بدأت قضية جزيرتي تيران وصنافير تتعثر، بعد أن وقّعت الحكومة المصرية على اتفاقية مع السعودية اعترفت بموجبها بأحقيتها في الجزيرتين، ودخلت القضية مربعا قانونيا وبرلمانيا معقدا في القاهرة، تسبب في وقف تسليم الجزيرتين للرياض، الأمر الذي اعتبرته القيادة السعودية لا يخلو من دلالات سياسية.

توتر علاقات مصر والسعودية نمط مألوف لكن عندما يتجاوز هذا النمط حدوده تصبح هناك ضرورة لتعديل البوصلة

ورغم التلميحات التي كانت تظهر من حين إلى آخر وتعوق حدوث اختراق حقيقي، لم يخل الأمر من تصريحات إيجابية، تؤكد على عمق العلاقات الإستراتيجية بين البلدين، وكان احتفاء مهرجان الجنادرية في الرياض بمصر قبل أسابيع، أحد العلامات التي بعثت بإشارات تفيد بأن الجليد ليس عصيا عن الذوبان.

وصرحت مصادر سياسية لـ”العرب” أن القاهرة حريصة تماما على عودة العلاقات مع الرياض، ولن تسمح باستمرار الخلاف وقتا طويلا.

وكشفت المصادر عن عدم استعداد القاهرة استمرار المرحلة التي كان الخلاف فيها ينتهي شكلا بمجرد لقاء المسؤولين في البلدين، ويبقى مضمونه كامنا، فينفجر في أي لحظة، لذلك من المفيد بناء أسس جديدة ومتينة للعلاقات لا تتأثر بالهزات المؤقتة، ولعل دخول دولة بحجم الولايات المتحدة على الخط قد يكون كفيلا بعدم التمادي في المكايدات، لا سيما أن المسألة سوف تتعلق بترتيبات إقليمية متعددة.

وشددت المصادر على أن استمرار الخلاف فيه خسارة لكل من مصر والسعودية، والتباعد سوف تستفيد منه بعض القوى الإقليمية، الراغبة في الهيمنة على مفاصل القرار العربي، في إشارة إلى كل من إيران وتركيا، وبالتالي لا يوجد خيار أمام القاهرة سوى عودة الحرارة إلى العلاقات مع الرياض.

علاقة القاهرة بموسكو

عندما سألت “العرب” أحد الخبراء المصريين في الشؤون الإقليمية، حول مغزى عودة ضخ النفط السعودي لمصر، خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد لواشنطن، لم ينف أن التوقيت له مغزى، مفاده أن الرياض وواشنطن على نفس الاتجاه فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب أو الحد من النفوذ الإيراني، أو الشروع في تشكيل قوة عربية مشتركة.

وأوضح الخبير أن القاهرة تثمن الخطوة السعودية، لأنها ستعفيها من بعض الأزمات الاقتصادية، لكن هذا لا يعني أنها غيرت رؤيتها حيال ضرورة تدشين تفاهمات إستراتيجية مع الرياض، تقطع الطريق على أيّ سوء تفاهم يمكن أن يحدث في المستقبل.

ورفض الحديث عن تأثير ما يجري الترتيب له أميركيا ومصريا وسعوديا، على علاقة القاهرة بموسكو، قائلا عندما تدخل التفاهمات حيّز التنفيذ بما يحقق لمصر مصالحها الإستراتيجية، سوف يكون الحديث منطقيا عن مستقبل العلاقات مع موسكو، ملمحا أن القاهرة لن تستبدل واشنطن بموسكو أو العكس.

ورجّح المصدر أن تكون التفاهمات الإقليمية في ملفات سوريا واليمن وأمن الخليج والقوات العربية المشتركة، القاعدة التي سوف تنطلق منها المرحلة الجديدة في العلاقات بين البلدين، وبعدها يمكن الشروع في حل الكثير من القضايا الثنائية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر