الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الفرنكفونية.. سجال بين الحرص على الهوية والتقاط مكاسب فرنسية

  • إصرار الجزائر على عدم الانضمام إلى المنظمة العالمية للفرنكفونية، والاكتفاء بصفة الضيف الخاص، قضية تطرح مسألة الفرنكفونية على طاولة السجال السياسي. قضية لا تنسحب على الجزائر فقط، على الرغم من الإرث الاستعماري الفرنسي الطويل وعلى الرغم من تغلغل اللغة الفرنسية في الأوساط الشعبية الجزائرية، بل تمتد لتشمل كل الأقطار العربية المعنية بالفرنكفونية (الأقطار الأفريقية لا تطرح فيها مسألة الفرنكفونية بهذه الحدة). القضية تتجاوز أيضا المدى اللغوي الصرف، بل تتشظى إلى المجالات الثقافية والفكرية والهوياتية وحتى الاقتصادية والسياسية وغيرها.

العرب عبدالجليل معالي [نُشر في 2017/03/21، العدد: 10578، ص(12)]

اللغة العربية حاضرة في الجدل عن الفرنكفونية بضمير الغائب

إصرار الجزائر على عدم الانضمام إلى المنظمة العالمية للفرنكفونية، والاكتفاء بصفة الضيف الخاص، قضية تطرح مسألة الفرنكفونية على طاولة السجال السياسي. قضية لا تنسحب على الجزائر فقط، على الرغم من الإرث الاستعماري الفرنسي الطويل وعلى الرغم من تغلغل اللغة الفرنسية في الأوساط الشعبية الجزائرية، بل تمتد لتشمل كل الأقطار العربية المعنية بالفرنكفونية (الأقطار الأفريقية لا تطرح فيها مسألة الفرنكفونية بهذه الحدة). القضية تتجاوز أيضا المدى اللغوي الصرف، بل تتشظى إلى المجالات الثقافية والفكرية والهوياتية وحتى الاقتصادية والسياسية وغيرها.

الفرنكفونية بهذا المعنى ليست مجرد الحرص على إشعاع اللغة الفرنسية في العالم، مع أن هذا البعد أساسي إلا أنه غير كاف. الفرنكفونية مسار سياسي تتضافر فيه الأبعاد الثقافية والاقتصادية والسياسية والتاريخية، لتصنع توجها عاما يطرح على نفسه صنع صورة فرنسية قابلة للمنافسة مع فضاءات أخرى تبدو لغوية بدورها.

وإذا كانت الفرنكفونية مشروعا أكبر مما يبدو عليه للوهلة، فإن السجال المترتب عليه، رفضا قاطعا أو قبولا مرحبا أو منزلة بين المنزلتين، هو أيضا سجال لا يكتفي بالمسألة اللغوية في التصدي أو في الترحيب. وفي رفض الفرنكفونية منطلقات هوياتية وتاريخية وثقافية ودينية متراكمة، ترى أن الفرنكفونية مشروع يطل برأسه ليعيد إنتاج الاستعمار بأشكال وصيغ جديدة.

تصور يقول إن الاستعمار طالما رحل رسميا وعسكريا فإنه يصر على البقاء عبر أدوات أكثر خطورة ومنها اللغة والتبعية الثقافية والانبتات عن الأصول والهويات، ويحاجج بالإصرار الفرنسي على صون اللغة الفرنسية في غير معاقلها ومضاربها. ويستعير قرائن من قبيل الاحتجاج الفرنسي الرسمي على بقاء الجزائر خارج المنظمة الدولية للفرنكفونية وطرحه تساؤلات عن مستقبل الفرنكفونية في العالم، بل وتقديمه لإغراءات لجلب الجزائر إلى منظمة أشبه بالرهان الفرنسي الرسمي على صون مناطق النفوذ.

وفي الدفاع عن الفرنكفونية أو في اعتبارها معطى يمكن التعامل معه (في قراءات منسّبة لحدة القضية) حجج وبراهين تقول بأن الهوية العربية الإسلامية ليست مهددة بالفرنكفونية او بغيرها بل تحمل بذور ضعفها في ذاتها، وأن الانخراط في منظمات على شاكلة منظمة الفرنكفونية وحتى الانصياع والانخراط في المشاريع الفرنسية المنفعة لن يحمل أخطارا لغوية أو ثقافية أكثر مما هو سائد راهنا.

المفارقة في القضية أن طرفي النزاع والسجال يستعملان غالبا الحجج نفسها للذود عن صواب الرأي والموقف. “المغلوب مولع دائما بتقليد الغالب”، أو “القابلية للاستعمار”، وهي للمفارقة مبادئ أو حكم نابعة من ميادين تتعرض للقصف الفرنكفوني أو لحرارة التصدي الهوياتي للقصف. التصور الخلدوني المشار إليه أو فكرة مالك بن نبي، تستعار هنا وهناك لدى المعسكرين، بما يعني أن الرأيين لم يبارحا مواقعهما الحضارية، وأن كليهما يدافع عن سلامة الجسم الحضاري المغاربي (حيث تحتدم المواجهة) بالأدوات والأسلحة ذاتها.

تحضر اللغة العربية في السجال المثار حول الفرنكفونية، في الجزائر أو في غيرها، بضمير الغائب. تحضر بوصفها ضحية لاستعمار أراد خنقها لدى البعض، وتحضر أيضا باعتبار أبنائها عجزوا عن تمكينها مما يفيد استمرارها ومواكبتها لعصر تخلفت عنه. لكن الأمر يتجاوز اللغة العربية واللغة الفرنسية وحتى اللهجات المستعملة في راهن المواطن المغاربي، بل هي قضية سياسية بامتياز. و“سياسية” القضية كامنة لدى أصحاب المشروع الفرنكفوني، الذي لا يرون ضيرا في اعتبار الفرنكفونية أكثر وأكبر من اللغة الفرنسية.

في الموقع الرسمي للمنظمة العالمية للفرنكوفونية فإن “الفرنكوفونية تمثل مجالا من أكبر المجالات اللّغوية العالمية، وليست مجرّد تقاسم لغة لأنها تعتمد أيضا على أساس الاشتراك في القيم الإنسانية التي تنقلها اللغة الفرنسية”.

الفرنكفونية أو اللغة العربية؟ الهوية أو الاستعمار؟ قضايا تبدو سيئة الطرح، وبما أن الأسئلة الخاطئة تؤدي ضرورة على أجوبة خاطئة، فإن المدخل الحقيقي للذود على الهوية العربية الإسلامية، يكون برفع التعليم والبحث العلمي والثقافة وبتأصيل المواطنة وتعزيز الحريات، وفي توفر هذه الشروط تنحسر المتاجرة بالسجال حول الفرنكفونية، ويمكن وقتها الرهان على مشاريع إستراتيجية لرفع مستوى اللغة العربية وإعادتها قادرة على مضاهاة اللغات. ودون ذلك فإن الجزائر أو بقية أقطار المغرب العربي، ستتحول إلى أقطار فرنكفونية فاشلة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر