الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

دول الخليج تنتظر وضوح سياسة ترامب لتقرير مصير العلاقات مع واشنطن

  • في قمة حملته الانتخابية للفوز بالرئاسة الأميركية، وعد دونالد ترامب بـ"تمزيق" الاتفاق النووي الإيراني، ولم يتضح بعد إن كان ترامب فعلا سيقدم على عمل مماثل أم لا، إلا أن الأكيد أنه فات الأوان للتراجع عن هذا الاتفاق، و”تمزيقه”، وهو ولئن كان من الممكن أن تعيد خطوة مثل هذه ثقة الحلفاء الخليجيين في واشنطن، فإنها ستدخل المنطقة في فوضى أكثر وستضاعف الأزمة بعد أن تغولت إيران في المنطقة، وأطلقت أذرعها المسلحة، وبالتالي ستكون للانسحاب الأميركي من الاتفاق تداعيات خطيرة، مثلما كان الحال مع توقيعه، في غياب بديل واقعي وقابل للتطبيق ضد الإيرانيين.

العرب  [نُشر في 2017/01/06، العدد: 10504، ص(7)]

في انتظار العهد الجديد

الرياض - تنتظر دول مجلس التعاون الخليجي الخروج من المنطقة الرمادية التي تعيشها في علاقاتها مع الولايات المتحدة. وتأتي تلك المنطقة الرمادية من موقف إدارة الرئيس باراك أوباما، المنتهية ولايته قريبا، حيال المنطقة، ومن موقف الرئيس المنتخب دونالد ترامب الذي يستعد لاستلام منصبه في الـ20 من الشهر الجاري.

تتطلع الرياض، ومعها عواصم الخليج الأخرى، إلى أن تستعيد الروابط الأميركية الخليجية زخمها بعد سنوات من العلاقات الشائكة مع أوباما الذي يعتبر الاتفاق مع طهران أحد أبرز إنجازات ولايتيه.

ومع تنصيب ترامب رئيسا، بعد حوالي أسبوعين، ستشكل سياسات الإدارة الأميركية الجديدة إحدى أبرز ركائز العلاقة مع دول الخليج التي تقيم مع الولايات المتحدة علاقات أمنية واقتصادية متينة منذ عقود، لا سيما منذ تلك التي أرساها لقاء الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت والعاهل السعودي الملك عبدالعزيز آل سعود والذي أنتج اتفاق كوينسي الشهير بين البلدين.

دعم أميركي

ولئن توّج توتر العلاقات الأميركية الخليجية، لا سيما السعودية، بقانون “جاستا” الشهير الذي صوّت عليه الكونغرس بأغلبية مقلقة، فإن أحد الجوانب الأساسية لهذا التوتر أيضا مصدره عدم أخذ واشنطن بهواجس الخليحيين إزاء ما تشكله إيران من أخطار على الأمن الاستراتيجي للمنطقة، لا سيما بعد سعي الإدارة الأميركية للتوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران.

صحيح أن الاتفاق في ظاهره دولي تم توقيعه بين طهران ومجموعة الخمسة زائدا واحد (فرنسا وبريطانيا وروسيا والصين وألمانيا والولايات المتحدة)، إلا أن مضمونه تأسس على مفاوضات ثنائية بين إيران والولايات المتحدة جرت من خلال القناة العُمانية في العاصمة مسقط.

دول الخليج تأمل في أن يقدم ترامب دعما أميركيا أكبر لها في مواجهتها مع إيران، لكنها تخشى في الوقت ذاته أن ينهار الاتفاق النووي ويقود ذلك إلى عدم استقرار إضافي في المنطقة

تأمل دول الخليج في أن يقدم الرئيس المنتخب دونالد ترامب دعما أميركيا أكبر لها في مواجهتها مع إيران، لكنها تخشى في الوقت ذاته أن ينهار الاتفاق النووي في عهده وأن يقود ذلك إلى عدم استقرار إضافي في المنطقة.

ويرى مصطفى العاني، المحلل في مركز الخليج للأبحاث في جنيف، أنه “على مدى ثماني سنوات، أطاحت إدارة أوباما بتوازن القوى” في منطقة الشرق الأوسط، في خضم الحروب التي تعصف بها والفكر الجهادي المتصاعد فيها.

ويقول العاني إن دول الخليج باتت تأمل في “عودة التوازن الإقليمي خلال عهد ترامب”، بعدما عمد أوباما إلى “تجاهل السياسة التوسعية لإيران وكان حذرا في دعمه لدول الخليج”.

وكان الرئيس أوباما يريد من الاتفاق النووي مع إيران فتح الطريق أمام عودة العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران والمقطوعة منذ العام 1980، إلا أن استراتيجيته هذه أثارت حفيظة المملكة العربية السعودية، الخصم الرئيسي لإيران في منطقة الشرق الأوسط والحليفة التاريخية للولايات المتحدة. وقد تحفظت الدول الخليجية على الاتفاق الدولي الذي توج بقرار صادر عن مجلس الأمن.

ووجهت انتقادات حادة له، إذ اعتبرت أنه يفتح الباب أمام المزيد من “التدخلات” الإيرانية في المنطقة، بما يعني أن تطبيع “الحالة” الإيرانية مع المجتمع الدولي يطبق يد طهران في توسيع نفوذها داخل دول المنطقة، ويعطي شرعية لتدخلها في العراق وسريا ولبنان والبحرين واليمن…إلخ.

ولم تنجح المحاولات الأميركية التي بذلتها إدارة أوباما في طمأنة الخليجيين. وتوجه الرئيس الأميركي، بعد زيارات لوزير خارجيته جون كيري، للقاء الزعماء مجلس التعاون. وتوجه الزعماء الخليجيون للاجتماع بسيد البيت الأبيض في الولايات المتحدة. ومع ذلك بقيت القمم شكلية لم تلمس قاع المضمون.

كان واضحا أن الرئيس الأميركي يبني “عقيدته” الشهيرة على “الفوز” بالاتفاق مع إيران متدثرا بسلسلة انتقادات وجهها، من خلال مقابلة مع صحيفة “الأطلنتيك” الأميركية، للأنظمة السياسية الخليجية، محمّلا إياها مسؤولية تنامي ظاهرة الإرهاب أو عدم الجدية في اجتثاثها.

وقد تحدث أوباما، في تلك المقابلة الشهيرة التي نشرت العام الماضي، عن تصدير أفكار دينية متشددة من السعودية، العضو في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية المتطرف، داعيا في الوقت ذاته السعوديين إلى “تقاسم” الشرق الأوسط مع الإيرانيين.

دول الخليج تأمل في أن يقدم ترامب دعما أميركيا أكبر لها في مواجهتها مع إيران، لكنها تخشى في الوقت ذاته أن ينهار الاتفاق النووي ويقود ذلك إلى عدم استقرار إضافي في المنطقة

التعايش مع الأمر الواقع

أصبح واضحا لمن زار الدول الخليجية قبل عام، أن المنطقة قررت في السنوات الأخيرة من ولاية أوباما الثانية التعايش مع الأمر الواقع دون انتظار أي تبدل لافت في خيارات تلك الإدارة.

وكان جليا أن موقف أوباما من المسألة السورية ينطلق من قاعدة عدم استفزاز إيران قبل وبعد الاتفاق النووي. كما أن الموقف الأميركي الخجول بما يتعلق بالحملة التي يخوضها التحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن يجاري نفس الحسابات. ولم يبق للخليجيين إلا التعويل على بديل يحل في البيت الأبيض خلفا لأوباما، لعل في ذلك ما يبدل رتابة سلبية مقلقة اتسمت بها استراتيجيات واشنطن إزاء منطقة الشرق الأوسط عامة ومنطقة الخليج خاصة.

وكانت “العرب” قد سألت عشية الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة مسؤولا كبيرا في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن حول طبيعة العلاقات بين واشنطن والدول الخليجية وما يمثله قانون “جاستا” من سوء في هذه العلاقة؛ ونفى ذلك المسؤول أن تكون الإدارة الأميركية وراء هذا القانون، لكنه اعتبر أن “القانون يعبّر عن رأي شعبي عام لاحظناه بقوة في تتبع للسياق الذي قاد إلى تشريع القانون”.

وأضاف أن الكونغرس يعترف بأن هناك أخطاء ارتكبت في صياغة القانون، “رغم أننا حذرناهم من تلك الأخطاء، وطلبنا من الكونغرس أن يرفض المصادقة على القانون”. ويعترف المسؤول الأميركي بأن “قانون جاستا يربك العلاقات السعودية الأميركية، لكنه لن يعطلها”.

ويقول مصدر وزارة الخارجية “شراكتنا بدأت مع السعودية منذ عام 1945، وهذه الشراكة باقية ولا خوف عليها”، مضيفا أنه يتفهم القلق الخليجي (خصوصا بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران)، لكننا “لسنا بصدد التخلي عن شركائنا”.

ويذهب الرجل بعيدا في مرافعته، ويقول “أعتقد أن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى نفط الخليج، وهذا يعطي انطباعا للخليجيين أن واشنطن تبتعد عنهم، لكننا لا نملك ترف التخلي عن الخليج لما لهذه المنطقة من أهمية لاقتصادنا واقتصاد العالم”.

ثم يقول أكثر من ذلك “برزت أهمية المنطقة أكثر منذ المقاطعة النفطية التي مورست ضدنا عام 1973. أمر تلك المقاطعة لم يعد ممكنا اليوم، وربما لم تعد الولايات المتحدة تحتاج للنفط الخليجي، لكن المنطقة مهمة للاقتصاد العالمي، ناهيك عن أن السعودية والخليج شريكان لنا في ملفات عديدة في المنطقة تتم بالتنسيق معنا”.

لكن، وبغضّ النظر عن التصريحات الصادرة عن الإدارة الأميركية والتي تحاول تدوير الزوايا في شأن العلاقات الأميركية السعودية، فإن أمر تلك العلاقة لم يعد كما كان في السابق ولا يبدو أن بالإمكان ترميمه.

بعض الأوساط الأميركية ترى أن ترامب لن يذهب باتجاه تمزيق الاتفاق كما وعد، لكنه سيسعى إلى تحديثه بما يتناسب أكثر مع مصالح واشنطن

انقلاب في خيارات واشنطن

وعلى الرغم من التصريحات النارية للمرشح دونالد ترامب ضد إيران وضد الاتفاق النووي، مازال مبكرا استنتاج شكل العلاقة المقبلة بين واشنطن وطهران، حتى أن بعض المعلقين يعتبرون أن لبّ السجال الذي يباشره ترامب ربما لصيق بمفهوم الـ”بزنس″ أكثر من كونه متعلّقا بانقلاب في خيارات واشنطن الاستراتيجية.

ويستنتج البعض من ذلك أن الولايات المتحدة تسعى لجني استثمارها السياسي في إيران وهي التي رعت الاتفاق النووي، خصوصا بعد غضب أسواقها الاقتصادية من لجوء طهران إلى شراء 114 طائرة من طراز "إير باص" الأوروبية بدل "البوينغ" الأميركية.

وترى بعض الأوساط الأميركية أن ترامب لن يذهب باتجاه تمزيق الاتفاق كما وعد، لكنه سيسعى إلى تحديثه بما يتناسب أكثر مع مصالح واشنطن. وترى هذه الأوساط أن استخدام الرئيس أوباما لتعبير “السلام البارد” في معرض دعوته الخليجيين إلى إدارة علاقتهم مع إيران، بمعنى إرساء قواعد عمل تجمع الرياض وطهران رغم خلافاتهما، ينطبق أيضا عما تريد الولايات المتحدة إرساءه، هي نفسها مع إيران، حتى في عهد الرئيس الجديد.

وكان ترامب عبّر في أكثر من مناسبة عن موقف معاد لإيران وللاتفاق الذي سمح برفع قسم من العقوبات الدولية المفروضة عليها، في مقابل الإشراف الدقيق على برنامجها النووي.

ووعد الرئيس الجمهوري خلال حملته الانتخابية بـ”تمزيق” هذا الاتفاق الرامي إلى منع الجمهورية الإسلامية من امتلاك القنبلة الذرية. ولم يدل ترامب بتصريحات في هذا الخصوص منذ انتخابه، لكنه اختار لإدارته المقبلة العديد من الشخصيات المعروفة بعدائها لإيران ولرفضها الاتفاق النووي ومن بين هؤلاء: مايكل فلين مستشار الامن القومي، وجيمس ماتيس وزير الدفاع، وريكس تيلرسون وزير الخارجية.

ويقول أنتوني كوردسمان، المحلل في معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إن “الثلاثة يرون في إيران تهديدا محتملا خطيرا ويدركون (…) دور الدول العربية في ردع إيران”.

الأمير تركي الفيصل:

لا أعتقد أنه (ترامب) يجب عليه أن يلغي الاتفاق النووي مع إيران

كما اختار ترامب مايك بومبيو (52 عاما)، عضو الكونغرس المتشدد والمعادي لإيران، مديرا لوكالة الاستخبارات المركزية. وكان بومبيو غرد عشية تعيينه أنه “ينوي العودة عن هذا الاتفاق الكارثي المبرم مع أكبر دولة داعمة للإرهاب”.

ومع ذلك، تخشى المملكة العربية السعودية ومعها دول الخليج الأخرى أن تذهب إدارة ترامب فعلا إلى حد التراجع عن الاتفاق النووي من دون أن تقدم بديلا له، متخوفة من عواقب إقليمية قد تترتب على خطوة مماثلة.

وكان الأمير تركي الفيصل، رئيس المخابرات السعودية السابق، والذي لا يشغل أي منصب رسمي حاليا، قال في نوفمبر الماضي في كلمة ألقاها في مركز أبحاث في واشنطن “لا أعتقد أنه (ترامب) يجب عليه أن يلغيه (الاتفاق النووي).

لقد جرى العمل على الاتفاق النووي لسنوات عديدة، والإجماع العام في العالم، وليس في الولايات المتحدة فقط ،هو أنه حقق هدفا، وهو الفجوة لمدة 15 عاما في البرنامج الذي شرعت فيه إيران لتطوير أسلحة نووية”.

وأضاف “إلغاء ذلك شئنا أم أبينا.. ستكون له تداعيات، ولا أعرف ما إذا كان من الممكن وضع شيء مكان الاتفاق لضمان أن إيران لن تسير في هذا الطريق، إذا ألغي الاتفاق”.

وقال الأمير تركي إنه كان يود أن يصبح الاتفاق “نقطة انطلاق” نحو برنامج أكثر استدامة “لمنع الانتشار النووي من خلال إقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط”.

ويقول مصطفى العاني إن دول الخليج التي تواجه تحديات اقتصادية ومالية قاسية بسبب تراجع أسعار النفط لا تؤيد أن يقوم ترامب “بتغييره (الاتفاق) أو إلغائه من دون معرفة البديل”،على الرغم من أنها ترى في الاتفاق “نقاط ضعف”.

ورغم تعهده بالتراجع عن الاتفاق، إلا أن خيارات ترامب بحسب الخبراء في هذا الصدد تبدو محدودة، خصوصا وأن الاتفاق النووي يحمل طابعا دوليا ويشمل دولا كبرى أخرى بينها الصين وروسيا المتحالفتان مع إيران.

ويقول ريتشارد لوبارون، المحلل في معهد “أتلانتيك كاونسيل” في واشنطن، إن الاتفاق “سينجو مع إدخال تعديلات على العقوبات فيه”، متوقعا أن توصي دول الخليج الرئيس الأميركي “بالحفاظ عليه (الاتفاق) بدل إدخال المنطقة في مرحلة جديدة من الشكوك”.

وبحسب كوردسمان، فإن ترامب قد يقرر “التعايش معه والتركيز في موازاة ذلك على عوامل أخرى مرتبطة بالتهديد الإيراني مثل تطوير الصواريخ والأخطار التي يفرضها ذلك على الملاحة في الخليج”.

وفي موازاة سياسات الإدارة الجديدة حيال إيران، فإن السعودية تترقب بحذر أيضا مقاربة ترامب لدورها في “مكافحة الإرهاب” في ظل الانتقادات التي وجّهها أوباما لها على هذا الصعيد، خصوصا أن ترامب، خلال حملته الانتخابية، طرح حظر دخول المسلمين إلى الأراضي الأميركية، كما انتقد السعودية وقال إنها تقوم بنشر “الإسلام المتشدد”.

ويرى لوبارون أن “التعامل مع المسلمين كأساس للمشكلة الأمنية سيجعل العلاقات الأميركية السعودية أكثر قتامة”، غير أنه، ورغم القلق الخليجي والدولي مما يحمله ترامب من تبدل في السياسات الأميركية الخارجية، إلا أن هناك إجماعا بأن هناك بونا شاسعا بين التصريحات التي أدلى بها دونالد ترامب بصفته مرشحا وبين قراراته التي سيتخذها بصفته رئيسا لأكبر دولة في العالم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر