الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

القوى الخليجية تمد شبكة تحالفاتها إلى الضفة المقابلة للبحر الأحمر

  • رغم الأهمية الاستراتيجية لقارة أفريقيا، ودورها في المنظومة الدولية، إلا أن الدول العربية، بما في ذلك دول الخليج العربي، انشغلت عن استيعاب هذا الجانب بالتركيز على التحالفات الدولية بعيدا عن هذه المنطقة الاستراتيجية، لكن تطور الأحداث في المنطقة دفع دول الخليج إلى التنبه إلى الأهمية الكبرى للمنطقة الشرقية من القارة، أساسا تلك المتواجدة على الضفة المقابلة من البحر الأحمر؛ فكان لا بد من مراجعة سياق العلاقات معها وتطويرها بما يمكن من أحد عناوين حسم المعركة وإغلاق المنافذ أمام التمدد الإيراني في المنطقة.

العرب  [نُشر في 2017/01/07، العدد: 10505، ص(7)]

تجاوز الحدود التقليدية للتحالفات الخليجية

أبوظبي - غيّرت الأحداث التي طرأت على المنطقة العربية، في السنوات الأخيرة، كثيرا في طبيعة السياسات الخارجية لدول الخليج. وفرضت التهديدات البحث عن تحالفات جديدة تمتد إلى سياقات جغرافية غير مألوفة.

ودفعت التطورات بدول خليجية، على رأسها المملكة العربية السعودية، إلى مراجعة عقيدتها الدفاعية وتطويرها، لتستعدّ جيّدا لمواجهة التحديات القادمة على مختلف المستويات، سواء التحديات الراهنة أو التحديات بعيدة المدى.

هذه العقيدة، وفق خبراء، لا تقتصر فقط على التسلح العسكري، الذي تحتل دول الخليج العربي صدارة مؤشراته العالمية، بل تشمل أيضا التحرّكات الدبلوماسية والسياسات الناعمة. ويمكن اعتبار هذه الأخيرة ركيزة هذه العقيدة الدفاعية المتطورة.

اللافت في هذه السياسة الناعمة أنها تتجاوز الحدود التقليدية للتواجد الخليجي لتعبر البحر الأحمر وتنتشر في شرق وشمال شرق أفريقيا لتشكل شبكة أمان مضادة، لسياسات ناعمة تتبعها إيران، وأيضا قوى إقليمية أخرى على غرار تركيا.

تحت هذا البند من العقيدة الدفاعية، يضع خبراء مركز ستراتفور الأميركي، المختص بتحليل القضايا الأمنية والاستخباراتية، مجموعة من الزيارات المتبادلة بين مسؤولين خليجيين ومسؤولين من دول في شرق أفريقيا، من ذلك زيارات مسؤولين سعوديين وأيضا مسؤولين قطريين إلى إثيوبيا، ولقاءات جمعت مسؤولين سودانيين وإماراتيين تمت خلالها مناقشة سبل تطوير التعاون الزراعي بين البلدين.

ومؤخرا، أجرى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، مباحثات مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي الذي زار دولة الإمارات العربية المتحدة. ويعكس استقبال أبوظبي لأفورقي منظورا استراتيجيا إماراتيا يقوم على تطوير العلاقات مع الدول الأفريقية، لا سيما الواقعة منها على الضفة المقابلة من البحر الأحمر.

تشير التقارير إلى أن الدول الخليجية تحاول أن تستمد من ثقلها الاقتصادي ثقلا سياسيا، وتلعب أدوارا لم تكن ضمن أولوياتها في شرق أفريقيا.

ولا شكّ في أن تمدد دول مجلس التعاون الخليجي في شرق أفريقيا، ضروري نظرا إلى أن هذه المنطقة الاستراتيجية تشكل مصدرا للعديد من المخاطر بالنسبة إلى دول الخليج العربي، لكنها في نفس الوقت توفر فرصا مهمة لها، لتأمين الممر البحري الحيوي لمنطقة الخليج والعالم، من مختلف التهديدات سواء ما تعلّق منها بالإرهاب وتهريب الأسلحة أو بالقرصنة البحرية.

سياسة مختلفة

في السابق، اقتصر التواصل أساسا على تقديم العون المالي والمساعدات الإنسانية، لكن التهديدات التي طالت الأمن القومي لدول الخليج العربي، باتت تستوجب التواصل مع الضفة الأخرى للبحر الأحمر بشكل أكبر وأكثر تطورا.

تمدد دول مجلس التعاون الخليجي في شرق أفريقيا، ضروري نظرا إلى أن هذه المنطقة الاستراتيجية تشكل مصدرا للعديد من المخاطر بالنسبة إلى دول الخليج العربي

ويشير خبراء ستراتفور إلى أن الصراع في اليمن سبب رئيسي يدفع دول الخليج العربي إلى تشديد الرقابة على دول مثل إريتريا والسودان والصومال. فهذه الدول لا تملك السيطرة الكافية على حدودها وموانئها، ويمكن أن يمر منها أشخاص وشحنات أسلحة، وكل ما يمكن أن يشكل تهديدا.

وكان المركز الأميركي كشف في تقرير له، صدر في شهر ديسمبر 2016، أن دول الخليج تعمل على بناء قوس دفاع استراتيجي لتطويق الأنشطة الإيرانية في المنطقة، وخاصة في اليمن، بالتحرك نحو دول القرن الأفريقي وبناء قواعد عسكرية تعيق تهريب الأسلحة إلى ميليشيات موالية لطهران في لبنان واليمن وتمنع تمدد إيران صوب أفريقيا.

وقال ستراتفور إن الإمارات تقود المبادرة بهذا الخصوص وإنها واصلت على مدار الأشهر الـ15 الماضية، تعزيز بنيتها التحتية العسكرية في إريتريا، وأنها أجرت بعض عملياتها ضمن التحالف العربي في اليمن انطلاقا من ميناء عصب الإريتري.

ولا تقتصر أسباب هذا التوجه على الوضع الأمني الراهن والأوضاع في اليمن والمنطقة؛ فما تعيشه المنطقة والعالم، منذ سنوات، كشف أهمية السياسات الناعمة ذات الاستراتيجية بعيدة المدى؛ فالتغلغل الإيراني في القارة الأفريقية كان من بين أحد أبرز أسبابه تراجع الدور السعودي منذ أحداث 11 سبتمبر 2001.

واستفاقت دول الخليج العربي على حقيقة أنّها لم تشغل فراغا كان يجب أن تملأه في هذه الدول الأفريقية، في حين أن إيران تمكنت من ذلك، ومنذ سنوات عن طريق المراكز الثقافية والبعثات التعليمية والاستثمارات الخفية؛ فيما فتحت تركيا أيضا لنفسها أبواب أفريقيا عن طريق المساعدات الإنسانية والاستثمارات في مجال الصحة والبنية التحتية والتعليم.

وهناك أخطار وتهديدات أخرى، قد تكون تداعياتها مازالت بعيدة وغير واضحة في الوقت الراهن، لكنها ووفق خبراء ستراتفور تحتاج خططا واستراتيجيات يتم العمل عليها من الآن لتفاديها، من ذلك الأمن الغذائي. فمن الضفة المقابلة للبحر الأحمر، تلوح مساحات من الأراضي الصالحة للزراعة، يمكن الاستفادة منها في توفير الغذاء للشعوب الخليجية إلى جانب وجود يد عاملة كافية للاشتغال في هذه الأراضي، وتحقيق فائدة مضاعفة: رفع التشغيل والاستثمار في هذه الدول وتحقيق الأمن الغذائي لدول الخليج العربي.

وتحقيقا لهذه الغاية، جعلت السعودية من الاستثمار الزراعي في المنطقة أولوية لها. وقد مولت الرياض مشاريع الزراعة السودانية لفترة من الوقت، لا سيما مشاريع الخضار والفواكه والماشية. ومؤخرا، زار مسؤولون سعوديون إثيوبيا لمناقشة الاستثمار في الثروة الحيوانية.

وفي منتدى مايو 2015 في أبوظبي، ناقش مسؤولون سودانيون وإماراتيون مضاعفة الاستثمارات الإماراتية الموجهة للمشاريع السودانية، والكثير منها مشاريع زراعية، لتصل إلى ثلاثة أضعاف المشاريع الراهنة؛ كما استثمرت قطر مؤخرا بشكل كبير في قطاعات الزراعة والسياحة في السودان.

دول الخليج خلقت هيكلا لتحالف في شرق وشمال شرق أفريقيا، تحالفا من شأنه أن يضيف لها القوّة ويضعف خصومها

ويقول أحمد سليمان، الباحث المتخصص في شؤون شرق أفريقيا في المعهد الملكي البريطاني للشؤون الخارجية (تشاتام هاوس)، “نرى تغيرا في أولويات اهتمام دول الخليج.. وأفريقيا يُنظر إليها اليوم على أنها الجوار القريب، ومنطقة مهمة لمد النفوذ”.

ويسجل جيسون بيرك، مراسل صحيفة الغارديان لشؤون أفريقيا، في تقرير عن اهتمام الدول الإقليمية بهذه المنطقة الأفريقية، ارتفاع عدد الطلاب من شرق أفريقيا الذين يدرسون في المملكة العربية السعودية بشكل كبير في السنوات الأخيرة.

عقبات يمكن التغلب عليها

على الرغم من بساطة ووضوح الأساس المنطقي لهذه الاستراتيجية الخليجية، إلا أن الوضع الداخلي في منطقة شرق وشمال شرق أفريقيا يطرح بعض التحديات. فعلى سبيل المثال، أثير في الأسابيع الأخيرة من سنة 2016، جدل كبير عقب زيارة قام بها وفد سعودي، برئاسة أحمد الخطيب المستشار الخاص للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى إثيوبيا.

بعض الجهات لم تركز على البعد الاستثماري لهذه الزيارة، التي تم على إثرها إطلاق أكثر من 300 مشروع، بل حاولت توظيفها في سياق التوتر في العلاقات بين الرياض والقاهرة، استنادا إلى الخلاف بين مصر وإثيوبيا بسبب سد النهضة.

وإثيوبيا بدورها على خلاف مع جارتها إريتريا؛ وحقيقة أن دولة الإمارات العربية المتحدة طورت منشآت عسكرية في إريتريا، في حين حسنت المملكة العربية السعودية علاقاتها الاقتصادية مع إثيوبيا، يمكن أن يخلق صراعا جديدا في المنطقة، لكن لا يعني هذا أن أبوظبي والرياض ستؤيد كل منهما إحدى الدولتين على حساب الأخرى في حال نشب صراع مسلح جديد بين الجارتين الأفريقيتين. فهذا يتعارض مع مصالح الدولتين الخليجيتين ومع سياسة حسن الجوار والدبلوماسية الهادئة التي تؤمن بها وتتحرك في فلكها دول الخليج العربي، كما أنهما ليستا مهتمتين بالتورط في صراع يكلفهما الوقت والأموال التي يمكن إنفاقها على نحو أفضل في أماكن أخرى.

لا يرى مركز ستراتفور أن مثل العقبات مستعصية على الحل. وحتى الآن، كانت استراتيجية الدول الخليجية التي اتجهت نحو دعم التواجد في شرق أفريقيا، خطة ناجحة. ويستشهد في هذا السياق، بمثال السودان. ففي فترة من الفترات، اختارت الخرطوم قطع العلاقات التي كانت تربطها بالرياض، واتجهت نحو طهران.

لكن، لم يدم ذلك طويلا، إذ عاد السودان إلى السرب العربي. فمع احتدام الصراع في اليمن، كانت الرياض قادرة على إقناع السودان بالانضمام إلى التحالف العربي الذي تقوده في اليمن. وبحشد الخرطوم لفائدة قضيتها، حصلت الرياض على مساندة وقوات إضافية، والأهم من ذلك، أنها نجحت في وقف عمليات التهريب الإيرانية على طول الساحل السوداني. كما نجحت السعودية أيضا في كسب دعم الصومال الذي فضل بدوره التحالف العربي الخليجي على التحالف مع إيران.

وبالمثل، اقتلعت الإمارات العربية المتحدة إريتريا من مجال النفوذ الإيراني وأدخلتها في مجال نفوذها. وهكذا خلقت دول الخليج هيكلا لتحالف في شرق وشمال شرق أفريقيا، تحالفا من شأنه أن يضيف لها القوّة ويضعف خصومها. هذا من شأنه أن يدفع دول الخليج إلى المضي قدما رغم الاضطرابات، وفي ذلك دليل على مدى الأهمية التي أصبحت عليها هذه المنطقة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر