الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

ألمانيا تخشى عودة الشرطة السرية على وقع الإرهاب وأزمة اللاجئين

  • أدت العمليات الإرهابية الأخيرة في ألمانيا إلى تصعيد في الإجراءات الأمنية الألمانية كوقاية من تهديد جديد محتمل، غير أن بعض الإجراءات كخطة وزير الداخلية قوبلت بالرفض والنقد لتشبيهها بالحقبة النازية حيث يرى توماس دي مزيير أن تعاون الاتحاد الفيدرالي والجهاز الأمني الإقليمي لتحقيق الأمن والاستقرار لا يحجب حاجة الاتحاد الفيدرالي إلى أن يتمتع بسلطات وصلاحيات أوسع للسيطرة على الأجهزة الأمنية.

العرب  [نُشر في 2017/01/07، العدد: 10505، ص(6)]

لا حدود أمام أمن الدولة (لقطة من فيلم حياة الآخرين)

برلين – في ظل ما تشهده أوروبا من صعود للتيارات الشعوبية والقومية المتشددة، التي تضاعفت على وقع الهجمات الإرهابية، لا يبدو غريبا أن يقترح وزير الداخلية الاتحادي الألماني، توماس دي مزيير، خطة أمنية ذكرت البعض بتاريخ الغستابو، البوليس السري في عهد هتلر، وزارة أمن الدولة في ألمانيا الشرقية (سابقا)، المعروف بالشتازي.

تقترح خطة دي مزيير انتزاع سلطات الأمن وجمع المعلومات الاستخباراتية من الأقاليم وتركيزها في يد سلطة مركزية، إضافة إلى تأسيس جهاز شرطة فيدرالي، بدلا من المكتب الفيدرالي للتحقيق الجنائي، ومنح الحكومة سلطات واسعة لترحيل طالبي اللجوء المرفوضين، حيث يرى وزير الداخلية الألماني أن في ألمانيا توجد هياكل مختلفة للتعامل مع الأزمات، وهذا يعتبر إحدى نقاط الضعف الأمنية في البلاد، التي أصبحت عرضة للهجمات الإرهابية.

وهي إجراءات يرى دي مزيير أنها ضرورية لتحقيق الأمن والاستقرار في أوروبا عامة، مشددا على أن “أمن الدولة يجب أن تتحكم به الدولة”.

وكل ولاية من الولايات الـ16 التي تشكل جمهورية ألمانيا الاتحادية، تمتلك أجهزتها الاستخباراتية الخاصة، وتحت ما يعرف بمبدأ “توازن السلطات”، تملك الولايات سلطة كاملة في ما يتعلق بالسياسات الشرطية والتعليمية والثقافية.

اللافت في الجدل الذي أثير حول خطة دي مزيير، أنه وفيما يعارض الكثيرون؛ المعارضة والائتلاف الحاكم، هذه الخطة، لأنها من وجهة نظرهم تشكل تهديدا للحريات المدنية والنظام الفيدرالي، الذي ترسخ في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945)؛ أبدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي ينظر إليها في ظل الظروف الراهنة على آنها آخر الحصون في وجه الشعبوية، موافقة مبدئية على الخطة.

مقترحات وزير الداخلية لمواجهة التهديدات
* صلاحيات المكتب الفيدرالي للتحقيق الجنائي تعتبر محدودة، وتحتاج إلى إرساء قواعد موحدة وتعاون أفضل للسيطرة على المخاطر والهجمات المحتملة.

* اقتراح وجود هيكل موحد مع تعزيز مسؤولياته تجاه الحكومة الاتحادية، ففي ألمانيا الاتحادية توجد هياكل مختلفة للتعامل مع الأزمات.

* إعطاء صلاحيات أكبر للحكومة الاتحادية الموحدة تمكنها من التعامل جيدا مع الأزمات. حتى الآن لا توجد في ألمانيا مؤسسة شرعية قادرة على التنسيق بين الولايات في حال حدوث أي أزمات حرجة تؤثر على أكثر من ولاية في نفس الوقت أو حتى تنظيم الأمور داخل الولاية الواحدة.

*عدم وجود هيئة صانعة للقرار يمثل مشكلة كبيرة لا يستطيع المدنيون فهمها في حالات الخطر القصوى.

* ألمانيا في حاجة ماسة إلى إنشاء إدارة أزمات مركزية حيث لا يكاد يكون هناك بلد في العالم لا يتمتع بمثل ذلك التنظيم.

* على الدولة القوية أن تكون مواكبة للتطورات التقنية الحديثة وتطبيقها على الصعيد العملي، بما في ذلك تحليل الحمض النووي والتقييم البيومتري، وعلى سبيل المثال: القدرة على التعرف على ملامح الوجه يجب تطويرها بشكل قاطع، حيث أن البحث باستخدام ملامح الوجه في حال حدوث هجوم إرهابي يعد من أهم الوسائل.

*بالنسبة إلى تزايد أعداد اللاجئين، يجب التعامل مع الموضوع بصرامة ومناقشة موضوع الترحيل، إذ يعد مبدأ ترحيل اللاجئين من ضمن أهم الحقوق بالنسبة إلى الألمان.

* على الحكومة الاتحادية تحمل المسؤولية كاملة للعمل على تجهيز طلبات اللجوء. وأقترح أن تمنح الحكومة الفيدرالية سلطة تنفيذية إضافية لإنهاء إقامة أي لاجئ يخالف القانون.

على سبيل المثال يمكن رفض طلبات اللجوء بشكل حاسم ومباشر أو إنشاء مراكز ترحيل اتحادية موحدة، تسمح للولايات بإلقاء المسؤولية على عاتقها لمتابعة نهاية أيام أو أسابيع إقامتهم قبل المغادرة. كما يجب إعطاء الشرطة الفيدرالية الصلاحية الكاملة لعمل نفس الشيء في المناطق التي لا تتمتع بهذا القانون بعد.

وقال نائب المتحدث باسم الحكومة الألمانية، جورج شايتر، في بيان، إن “المستشارة (ميركل) كانت قد أعلنت أن الوزير الاتحادي دي مزيير سيقدم مقترحات لتحسين الأمن الداخلي، وشجعته على ذلك”. وتابع المتحدث “نحن نعيش حاليا في فترة تحديات جديدة، والسؤال الرئيسي هنا يتمثل في: ما هي الردود المناسبة على تلك التحديات؟ وليس السؤال عما إذا كان إدخال تغييرات تنظيمية مناسبا أم لا. رفض واستبعاد كل شيء بشكل قطعي من البداية لا يمكن أن يكونا الطريق الصائب. ومبدئيا تدعم المستشارة وزير الداخلية الاتحادي بشكل واضح”.

وفتح هذا البيان بذلك الباب أمام مرحلة من الجدل السياسي، وربما إعادة تأسيس الرؤية الأمنية لمواجهة تحديات راهنة ومستقبلية، حيث تعيش ألمانيا على هاجس الإرهاب والقلق من أزمة اللاجئين، والذي تضاعف عقب هجوم برلين، الذي فتح النار على أجهزة الأمن والاستخبارات الألمانية، وحملتها بعض الأطراف الألمانية المسؤولية الأمنية، فيما حملت السياسيين مسؤولية فتح حدود البلاد وإغراقها باللاجئين.

تقويض للبناء الأمني

بيان الدعم الرسمي، ولو بشكل مبدئي، جاء وسط عاصفة من الانتقادات من أحزاب في الائتلاف الحاكم والمعارضة لخطة وزير الداخلية، إلى حد وصفها بأنها “تقوض البناء الأمني اللامركزي، الذي أنشئ بعد الحرب العالمية الثانية، كنتيجة لمعاناة الشعب الألماني في ظل أجهزة النازية الأمنية”.

وأسس أدولف هتلر في يناير عام 1933، جهاز “شرطة الدولة السرية” المعروف بالغستابو. وجعل هذا الجهاز ذا صلاحيات مطلقة وغير مراقبة قانونيا، فأصبح يمثل القلب المركزي لإدارة البلاد والمكلف بمتابعة “أعداء الدولة الداخليين والخارجيين”، وضربهم بأقسى الوسائل.

وتأتي خطة دي مزيير، وفق مراقبين، بعد تزايد الانتقادات لأجهزة الأمن الألمانية، التي تتسم بالتشظي وضعف التنسيق البيني؛ ما يمكن الإرهابيين المحتملين، وبينهم المشتبه به في هجوم برلين الأخير، أنيس العامري، من تفادي المراقبة. وبحسب صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، تعرضت ألمانيا لضغوط من حلفائها الأميركيين والبريطانيين، لتحسين أجهزة استخباراتها لمواجهة المتطرفين الإسلاميين.

لكن عراقيل عديدة تواجه اعتزام الحكومة الألمانية تنفيذ خطة إصلاح النظام الأمني، الذي فرض عليه الحلفاء “النمط اللامركزي”، عقب الحرب العالمية الثانية؛ لمنع ظهور أدولف هتلر جديد؛ لما عاناه الألمان تحت وطأة سلطة مركزية متعسفة. لم ينس الكثير من الألمان ما عانته البلاد لعقود من ويلات السلطة المركزية في العهد النازي(1933-1945)، وفترة حكم الحزب الشيوعي لألمانيا الشرقية (1945- 1990) قبل الوحدة.

ومنذ إعادة توحيد شطري ألمانيا عام 1990، طُرحت أكثر من مرة مقترحات لإصلاح الأجهزة الأمنية في ألمانيا، غير أنها لاقت معارضة كبيرة في كل مرة.

خطة لا قيمة لها

يلاقي مقترح دي مزيير معارضة كبيرة من أحزاب في المعارضة، وأخرى في الحكم، منها حزب الاشتراكيين الديمقراطيين (ممثل يسار الوسط وثاني أكبر حزب ألماني)، فضلا عن بعض الوجوه داخل الائتلاف المحافظ.

اعتبر بيتر باوتيه، وزير داخلية مقاطعة هيسن، والسياسي البارز بالحزب الديمقراطي المسيحي الذي تقوده ميركل، أن خطة وزير الداخلية الاتحادي “لا قيمة لها”. وقال باوتيه، في بيان، إن “الخطوات المتسرعة مثل هذه المقترحات، لا تقوض فقط ثقة المواطنين في الدولة، بل تضع البناء الأمني الفيدرالي موضع تساؤل وضغط”.

واعتبرت يولا يالبكا، الخبيرة الأمنية والسياسية البارزة في حزب اليسار، أن هذه الخطة تمثل “اعتداء مباشرا” على المبادئ الفيدرالية، التي وضعت لمنع أي تركز للسلطات في يد السلطة المركزية بعد سقوط النازية. ويقف في صف المعارضين أيضا حزب الاشتراكيين الديمقراطيين، المشارك في الائتلاف الحاكم، والذي يجب أن يوافق علي أي مشروع قانون لتمريره في البرلمان. وانتقد الحزب كلا من الحزب الديمقراطي المسيحي، وحليفه حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي (يمين وسط)، لتركيزهما، وفق تقديره، على مشروعات قوانين “مثيرة للجدل”.

بينما تقترح خطة توماس دي مزيير التعامل بصرامة أكثر مع اللاجئين، ويرى أن مبدأ ترحيل اللاجئين من ضمن أهم الحقوق بالنسبة إلى الأمن الألماني، يدعو سيغمار غابريل، قائد حزب الاشتراكيين الديمقراطيين، نائب ميركل، إلى الحفاظ على التماسك الاجتماعي عبر التركيز على دمج الأقليات، داعما اتخاذ إجراءات أمنية “محدودة”.

المشهد الإسلامي الألماني في أرقام
برلين – ينظر إلى أكثر من 43 ألف شخص بوصفهم جزءا من المشهد الإسلامي في ألمانيا، طبقا لتقديرات صادرة عن جهاز الأمن الداخلي في البلاد بحلول نهاية عام 2016. وتزايد العدد بشكل مطرد خلال الأعوام القليلة الماضية.

وهناك زيادة حادة بشكل خاص في عدد السلفيين. وينظر إلى حوالي 8650 شخصا بوصفهم جزءا من الحركة السلفية في البلاد.

ومن بين الإسلاميين في ألمانيا، ينظر إلى حوالي 11 ألفا منهم بأن لديهم “نزعات إرهابية”، طبقا لجهاز الأمن الداخلي وهيئات أمنية أخرى. ومن بين هؤلاء، يعتقد أن 548 شخصا قادرون على ارتكاب عمل إرهابي ومستعدون لذلك.

ويعتقد أن أكثر من نصف هذا العدد متواجد حاليا في ألمانيا، ومن بينهم 80 معتقلا.

وهناك 360 من “الأشخاص المعنيين” الآخرين، ينظر إليهم بوصفهم يرغبون في أن يساعدوا أو يدعموا بشكل لوجستي جريمة ذات دوافع سياسية ذات أهمية خطيرة.

وسافر أكثر من 800 من الإسلاميين الراديكاليين من ألمانيا إلى مناطق القتال في سوريا والعراق، حيث انضم الكثيرون إلى تنظيم الدولة الإسلامية، وعاد حوالي ثلثهم منذ ذلك الحين، ومن بينهم سبعون حصلوا على خبرة في القتال، بينما كانوا في الخارج.

واعتبر غابريل أن “دي مزيير يرتكب خطأ كبيرا”، بإعلانه خطة تنتزع سلطات الأقاليم لصالح السلطة المركزية، بحسب ما نقلته صحيفة “دي فيلت” اليمينية. وحذر الخبير في السياسات الأمنية في ألمانيا، كريستيان موليجش، من “تجاهل الدور الذي لعبه الماضي في تشكيل توجهات الألمان بشأن السلطة المركزية”، مضيفا، في حديث لـ”نيويورك تايمز″، أنه “يجب أن يبقى في عقول الجميع أن هذا البلد لديه خبرة كبيرة في الدكتاتوريات، وبالتالي فإن فئة كبيرة من المجتمع لا تتمنى أن ترى عودة البوليس السري الذي كان جزءا من حياتها اليومية”.

قلق الناخبين

بعد هجوم الشاحنة في برلين، الذي أسقط 12 قتيلا و48 جريحا عبر دهسهم، أظهر استطلاع للرأي، نشرت الإذاعة الألمانية نتائجه يوم 26 ديسمبر، أن غالبية الألمان يؤيدون اتخاذ إجراءات أمنية إضافية لحفظ الأمن، حيث أيد 60 بالمئة زيادة عدد كاميرات المراقبة، و73 بالمئة زيادة قوات الشرطة، وهو ما يعكس قلق الغالبية من المسألة الأمنية.

ومن وجهة نظر دانيل هيملتون، أستاذ العلوم السياسية والخبير في الشؤون الألمانية، تحاول ألمانيا من خلال الخطط المقترحة لإصلاح الجهاز الأمني، “الموازنة بين البناء الاستخباراتي اللامركزي، الذي جرى تأسيسه نتيجة لسوء استغلال السلطة المركزية في العهد النازي، وبين حاجتها إلى التعاطي بنجاعة مع التهديدات الراهنة والمستقبلية، التي تتطلب أجهزة استخباراتية أكثر تماسكا وكفاءة”.

واعتبر هيملتون أن “خطة دي مزيير هي محاولة لمواجهة التحديات الأمنية الراهنة والمستقبلية، وإعادة تموضع لألمانيا كي تتعامل بكفاءة معها.. فشل التعاون الاستخباراتي، ليس فقط داخل ألمانيا، لكن أيضا بين الدول الأوروبية، وهذه مشكلة كبيرة يريد معظم مواطني الاتحاد (الأوروبي) وضع نهاية لها”.

لكنه، عاد وقال إن “هناك تخوفا من تأثير خطة دي مزيير على الحريات المدنية، وأتوقع أن تمثل محورا مهما في الحملات الدعائية للانتخابات التشريعية (سبتمبر المقبل)، لكن يبدو أن ميركل ودي مزيير يستجيبان للناخبين القلقين من مستوي الأمن، وبالتالي ستساعدهم الخطة في الانتخابات أكثر مما ستضرهم”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر