الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

تفكيك الاتحاد النقدي الأوروبي ينذر بنهاية الديمقراطية المحلية

المفكر الألماني فولفجانج شتريك يرى أن مطلب تفكيك الاتحاد النقدي لا يراعي البُعد الاجتماعي الذي يفرض الوصاية السياسية على الشعوب.

العرب محمد الحمامصي [نُشر في 2017/01/09، العدد: 10507، ص(7)]

الأزمة المؤجلة للرأسمالية الديمقراطية في ضوء النظريات الفرانكفورتية

تناول كتاب “شراء الوقت.. الأزمة المؤجلة للرأسمالية الديمقراطية” للمفكر الألماني فولفجانج شتريك المتخصص في الاقتصاد السياسي، الأزمة المالية والضريبية للرأسمالية الديمقراطية والاقتصادية الراهنة التي رأى أنها نقطة النهاية المؤقتة للتحول النيوليبرالي لرأسمالية ما بعد الحرب العالمية الثانية عقب التضخم والاستدانة العامة والاستدانة الخاصة حيث كانت مجرّد حلول مؤقتة، استعانت بها السياسة الديمقراطية للحفاظ على صورة رأسمالية النمو بنفس التطور المادي للجميع، أو حتى إعادة توزيع السوق وفُرَص الحياة من أعلى إلى أسفل.

وعالج فولفجانج في كتابه الأزمة في ضوء النظريات الفرانكفورتية التي ظهرت في أواخر الستينات وأوائل السبعينات، أي أثناء عصر المفكر الألماني تيودور أدورنو، وتتناول تحليلاته للأزمة المالية والضريبية للرأسمالية الحالية “المشكلة في استمراريتها”، باعتبارها لحظة في عملية تنمية مجتمعية شاملة، تمّ التأريخ لبدايتها في أواخر الستينات، ثم وصفها من منظور اليوم بأنها عملية حل لنظام الرأسمالية الديمقراطية في فترة ما بعد الحرب.

وسعى الباحث الألماني إلى فهم هذا النظام بمحاولة نظرية أخذت على عاتقها تفسير ما بدأ يتضح في هذا الوقت، بالاعتماد على تقاليد النظرية الماركسية بشكل خاص، ومن بين هذه النظريات كانت هناك عدة بحوث أنتجها معهد البحوث الاجتماعية الذي تولى أدورنو رئاسته لاحقا، والتي لم يشترك فيها أدورنو بشكل مباشر، ولعل من سمات نظرية الأزمة للمدرسة الفرانكفورتية افتراض إرشادي لوجود علاقة توتر مبدئية بين الحياة الاجتماعية من جهة، واقتصاد سيطرت عليه سطوة إدارة رأس المال ونموه من جهة أخرى، وانتقلت علاقة التوتر للنظام الرأسمالي الديمقراطي بطرق متنوعة، ومتطوّرة تاريخيا من خلال سياسة دولية في مرحلة ما بعد الحرب.

ورأى في كتابه الذي ترجمته علا عادل وصدر عن دار صفصافة، أن هذه الأزمة هي إحدى أزمات الرأسمالية في سياق الديمقراطيات الغنية في العالم الغربي، تلك الأزمة التي تشكلت عقب تجارب الانهيار الكبير، وإعادة تأسيس نظم الرأسمالية والديمقراطية الليبرالية بعد الحرب العالمية الثانية.

ويعتقد المفكرالألماني أن مطلب تفكيك الاتحاد النقدي بوصفه تفكيكا لمشروع تحديث تكنوقراطي لا يراعي البُعد الاجتماعي الذي يفرض الوصاية السياسية على الشعوب، التي تُشَكِّل الشعب الأوروبي القائم حاليا، وتقسمه اقتصاديا، حيث يبدو كردّ مقبول ديمقراطيا على أزمة الشرعية التي تواجهها سياسة التسليع والترشيد النيوليبرالية، التي تعتبر نفسها بلا بديل. فهو يختلف جذريا عن المطالب المحلية التي تُطالب باستبعاد الدول المدينة من منطقة اليورو؛ فهدفه ليس المُعاقبة وإنما التحرير وإعادة التأهيل للدول التي تواجه اليوم خطر السقوط الأبدي لنظام السوق المتحرر سياسيا، الذي تأخذ فيه هذه الدول دور الخاسر والمتوسِّل الدائم.

وبالتالي الفكرة لا تتمحور حول الدفاع عن عدم المساواة وإنما على العكس حول إيجاد طريقة لتسوية سياسية كطريق وحيدة للوصول إلى اتفاق بين الشعوب الأوروبية. هذا الاتفاق الذي يتعرض للتهديد اليوم من أولئك الذين يستخدمونه بوصفه اتفاق سوق مع اليورو، كوسيلة تهذيب للدول.

فولفجانج شتريك: تفكيك الاتحاد النقدي الأوروبي رد على أزمة الشرعية التي تواجهها سياسة التسليع

وأشار إلى أنه في غرب أوروبا المُعاصر، لم تعد القومية الخطر الأكبر ولا حتى رأسمالية السوق الألمانية، وإنما رأسمالية السوق الهايكانية، كما أن عملية إتمام الاتحاد النقدي ربما تختم نهاية الديمقراطية المحلية في أوروبا، وبالتالي نهاية المؤسسة الوحيدة التي لا يزال استخدامها للدفاع ضد الدولة التوحيدية ممكنا. وعندما تكون الفوارق الكبيرة تاريخيا بين الشعوب الأوروبية أكبر من أن يتمّ دمجها معا في ديمقراطية مشتركة في المستقبل المنظور، فإن المؤسسات التي تمثل هذه الفوارق، بوصفها ثاني أفضل الحلول، ربما تسمح باستخدامها كمكابح على الطريق المنحدرة في اتجاه دولة السوق الاتحادية الخالية من الديمقراطية. وطالما أن أفضل الحلول غير موجود، فإن ثاني أفضل الحلول سيكون الأفضل.

وقسم فولفجانج كتابه إلى مقدمة وأربعة فصول، بدأ الفصل الأول بعرض للعلاقة بين الأزمة المالية والضريبية وأزمة النمو، وكيف تطرح عليها السياسة دائما ألغازا جديدة وتخرج حتى الآن من كل محاولات إدارة الأزمات بنجاح. بعد ذلك تطرق إلى نظريات السبعينات الخاصة بـ”أزمة الشرعية” التي تعاني منها “الرأسمالية المتأخرة”، وحاول أن يفهم لماذا تبدو غير مستعدة بشكل مُرض لتلك التطورات الاجتماعية التي بدا أنها تدحض بديهياتها في العقود المقبلة، ويدخل في هذه التطورات على وجه الخصوص التحول الممتد من الرأسمالية الاجتماعية في فترة ما بعد الحرب إلى النيوليبرالية من أوائل القرن الحادي والعشرين، وعلاوة على ذلك، تتبع كيف تطورت فعليا الأزمة التي تمّ تشخيصها في السبعينات والتي أخذت دائما أشكالا جديدة مع مرور الوقت حتى استقرت في صيغتها الحالية عام 2008.

وتناول الفصل الثاني أزمة الديون السيادية وأسبابها وعواقبها؛ إذ بدأ فولفجانج بنقد نظريات “الاقتصاد المؤسساتي” التي أصبحت رائجة والتي تعزو الزيادة في الدين الحكومي منذ السبعينات إلى وجود زيادة جرعة الديمقراطية، وعلل ذلك بأن الدين الوطني المتنامي يتضح فعليا بربطه واعتباره لحظة التحول النيوليبرالي أو “ارتداد” (أجنولي 1967) للرأسمالية الديمقراطية التي نشأت بعد عام 1945، ويقول “إن هذا التطور،هكذا أزعم، قام بتحديث «أزمة الدولة الضريبية» تلك التي دار الحديث حولها في فترة الحرب العالمية الأولى من موقع نظري مركزي (شومبيتر 1918 - 1953)”.

وأتبع ذلك بدراسة دولة الدين باعتبارها تشكيلا مؤسسيا حقيقيا قام بحل الدولة الضريبية الكلاسيكية مؤخرا في الثمانينات، وقد شغلته هنا العلاقة بين دولة الدين وبين توزيع فرص الحياة الاجتماعية، أو بين دولة الدين والبنية الطبقية وكذلك الصراعات التي تطورت داخل دولة الدين وعلاقات السلطة بين المواطنين والأسواق، وختم بمناقشة البعد الدولي المركزي المنهجي ودورالدبلوماسية المالية الدولية خلال فترة حكمها.

ولخص في الفصل الثالث شتريك فولفجانج إلى شكل التنظيم السياسي الذي يقوم على حل دولة الدين والتي سماها “دولة التعزيز”، التي ارتبط ظهورها في أوروبا بتقدّم عملية التكامل والاندماج الأوروبي بشكل وثيق وذلك نظرا إلى الظروف الطارئة، قائلا “هذه العملية التي تؤدي دورها بشكل أطول بالفعل من آلة لتحريرالاقتصادات الأوروبية، وأنا أصف وفقا لتحليلي دولة التعزيز كنظام أوروبي متعدد المستويات وعملية التعزيز المالية، بعملية إعادة بناء أساسية، أو في الواقع عملية هدامة لنظام الدولة الأوروبية”.

كاتب مصري

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر