السبت 25 فبراير/شباط 2017، العدد: 10554

السبت 25 فبراير/شباط 2017، العدد: 10554

وفاة هاشمي رفسنجاني تربك توازنات إيران الداخلية

  • وصف محللون رحيل رفسنجاني بكونه ضربة موجعة للتيار الإصلاحي الذي يحاول الانفتاح على العالم، والحد من انغلاق وغوغائية النظام الإيراني، خاصة بعد أن تطورت مواقف رفسنجاني السياسية بشكل ملحوظ لتتسم بالواقعية السياسية، حيث يقول مراقبون بأن غيابه المفاجئ عن الساحة السياسية سيؤدي إلى المزيد من تجميع السلطات بيد المرشد خامنئي، وإلى المزيد من التوغل الإيراني في المنطقة العربية عبر أذرعها الطائفية بانخراطها في حروب الوكالة.

العرب  [نُشر في 2017/01/10، العدد: 10508، ص(7)]

خسارة فادحة

طهران- كان الخميني يعي جيّدا أهمية علي أكبر هاشمي رفسنجاني، تلميذه، ابن الطبقة البرجوازية، الذي أصبح ذراعه اليمنى، و”مرشد الظل”، فقال في وصف أهميته، بعد أن تعرض لمحاولة اغتيال في السنة الأولى للثورة، “الثورة الإسلامية في إيران ستبقى حية مادام رفسنجاني حيا”. نجا رفسنجاني من محاولة الاغتيال، وعاش بعدها حوالي 38 سنة هي عمر الثورة الإسلامية في إيران، كان خلالها الشخصية الثانية الأكثر نفوذا في إيران، بعد المرشد الأعلى، معلمه آية الله الخميني، في مرحلة أولى، ثم المرشد الأعلى الحالي آية الله علي خامنئي.

اليوم، بعد أن رحل “الصندوق الأسود” للمرشد الأعلى ورمانة الميزان التي حافظت على التوازن بين التيار المحافظ والتيار الإصلاحي، وفق ما تأتي به صناديق الانتخابات الرئاسية، والتي فاز في دورتين منها بين 1989-1997، يؤكد المحللون أن الوضع لن يبقى على حاله في إيران، رغم أنه لا يزال هناك العديد من اللاعبين المهمين في الساحة السياسية للبلاد.

ويذهب خبراء في مركز ستراتفور الأميركي إلى القول إنه بعد وفاة رفسنجاني، في الثامن من يناير 2017، ستظهر على سطح المشهد في إيران حقيقة أن احكام المرشد الأعلى قبضته على مفاصل البلاد أمر لا مفر منه للحفاظ على الوضع السياسي الحالي، خصوصا في ظل التطورات التي شهدتها منذ توقيع الاتفاق النووي بين إيران والقوى الست الكبرى في عام 2015.

هاشمي رفسنجاني كان قادرا على تحدي توجهات المؤسسة السياسية الإيرانية بطرق لا أحد يستطيع فعلها

يقول متابعون للشأن الإيراني إن رفسنجاني كان أحد الأطراف الرئيسية التي أقنعت المرشد الأعلى علي خامنئي بضرورة توقيع الاتفاق. ولا يبدو ذلك غريبا عن رفسنجاني، الذي ينظر إليه على أنه القوة المحركة التي أدت إلى قبول إيران بقرار مجلس الأمن الدولي الذي أنهى ثمانية أعوام من الحرب مع العراق. وأثناء توليه رئاسة إيران، سعى إلى تشجيع التقارب مع الغرب.

ونسبت إليه مواقف أكثر اعتدالا من بقية رجال الثورة والنظام في إيران وآيات الله وتلاميذهم في قم، بدءا من انتقاده لعادة شتم صحابة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، والاحتفال بمقتل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وصولا إلى تحسين فرص عمل النساء ودعم حقوقهن؛ وكان أول من بادر إلى فتح الحوار مع السعودية، وقد دأب على الدعوة إلى تحسين العلاقة معها رغم قوة التيارات المتشددة الرافضة لمبادرته، كما كان أول من سعى إلى تحسين علاقة طهران مع واشنطن في أواخر الثمانينات من القرن العشرين.

ومثل هذه المواقف، تجعل من وفاة رفسنجاني، خسارة كبرى للمعتدلين في إيران. فإلى جانب الرئيس السابق الإصلاحي محمد خاتمي، وفي ظل الحظر على قادة إصلاحيين من أمثال مهدي كروبي وحسين موسوي، ظهر رفسنجاني في السنوات الأخيرة باعتباره الزعيم الروحي للمعسكر المعتدل في البلاد. بالإضافة إلى ذلك، كان الرجل قادرا على تحدي توجهات المؤسسة السياسية الإيرانية بطرق لا أحد يستطيع فعلها، لأنه أحد الآباء المؤسسين للجمهورية الإسلامية.

سياسي داهية

قال مسؤول كبير سابق مؤيد للإصلاح طلب عدم نشر اسمه، في تصريحات لوكالة رويترز “كان رفسنجاني مديرا مقتدرا للغاية وسياسيا محنكا. خاض غمار السياسة لأكثر من نصف قرن“. ومارس عدد قليل من السياسيين مثل هذا النفوذ في إيران منذ الثورة الإسلامية في عام 1979 التي أطاحت بالشاه المدعوم من الولايات المتحدة. وكان هاشمي رفسنجاني بارعا يعمل وراء الكواليس في متاهة عالم السياسة في إيران.

وبدأ توسع نطاق الحرس الثوري الإيراني في الاقتصاد في أوائل تسعينات القرن الماضي خلال فترة حكم رفسنجاني الذي شجع الحرس الثوري على المشاركة في بناء البلاد بعد الحرب بين إيران والعراق في الفترة من 1980 إلى 1988. وبالنسبة لكثير من الإيرانيين العاديين كان رفسنجاني شخصية محاطة بالشك والاحترام على مضض بسبب ما جمعه من ثروة طائلة. وقد أثار رفسنجاني، الذي يوصف بالداهية، حيث نجح في أن يتأقلم مع كل الظروف والمتغيرات، غضب المتشددين أثناء الإعداد لانتخابات مجلس الخبراء والبرلمان في 2016 من خلال الانتقاد العلني لمجلس صيانة الدستور المسؤول عن فحص المرشحين بسبب تنحيته للمعتدلين على نطاق واسع.

وفي انتخابات مجلس الخبراء دعم رفسنجاني، رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، كتلة من المرشحين الأقل تحفظا ومن بينهم روحاني. ويملك مجلس الخبراء المكون من 88 عضوا وتمتد فترته إلى ثماني سنوات سلطة تعيين وعزل الزعيم الأعلى للبلاد. وقاد رفسنجاني المجلس من 2007 إلى 2011. ويرجع هذا التغير في شخصية السياسي رفسنجاني إلى إيمانه العميق بالثورة الإسلامية في إيران، فكان في كل مرة يتبع الخط الذي يراه مناسبا لحماية الثورة.

وقال أحد أقارب رفسنجاني لرويترز إن الرئيس الأسبق كان “دائما مؤمنا بالثورة“. وأبلغ هذا الشخص رويترز عبر الهاتف من طهران “بالنسبة له كانت الثورة فوق كل شيء كان دائما يفكر في مصالح هذا البلد“. وينسب إلى رفسنجاني أنه قال في إحدى الخطب “من يحاول أن يمد يده إلى إيران سيجدها قد قطعت”. وفي يونيو 2003 حذر الطلبة الذين خرجوا في مظاهرات في الشوارع احتجاجا على بطء وتيرة الإصلاحات، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة “تعلق آمالها” عليهم، لذلك “يجب أن يحذروا حتى لا يقعوا في شرك الشبكات الأميركية الشريرة”.

لكن، عندما رأى رفسنجاني أن الوقت مناسب للتقارب مع الولايات المتحدة الأميركية شجّع بقوة توقيع الاتفاق النووي معها، الذي أشاد به في إحدى تصريحاته الأخيرة، وقال إنه “فتح آفاقا جديدة لإيران”. وعندما مالت الكفة أكثر للمتشددين، خصوصا بعد فترة الشعبوي والمحافظ المقرب من المرشد الأعلى، أحمدي نجاد، الذي هزمه في انتخابات 2005، توجه رفسنجاني أكثر لدعم معسكر الاعتدال والإصلاحيين.

وشكّل رافدا مهما لهذا التيار، طيلة السنوات الماضية، ففي 2013، وبعد رفضه الترشح لتقدمه في العمر، دعا الناخبين إلى التصويت لصالح حسن روحاني مثلما فعل الرئيس السابق الإصلاحي محمد خاتمي. وكان لهذين الرجلين تأثير حاسم في فوز روحاني. وكان رفسنجاني أعلن قبل فترة قصيرة عن ثقته بفوز روحاني بولاية ثانية، وفي مايو من السنة المنقضية ذكر لوسائل إعلامية أنه مطمئن حيال مستقبل الجمهورية الإسلامية. وقال “إنه بفضل انتخاب روحاني تم وضع البلاد على سكة النهج السليم بعد انحرافها عنه في ظل أحمدي نجاد، مضيفا “يمكنني الآن أن أموت بسلام”.

إيران ما بعد رفسنجاني

جاء في تحليل لمركز الخليج للدراسات الإيرانية أن وفاة هاشمي رفسنجاني تعني فقدان إحدى أهمّ قنوات التأثير على قرارات علي خامنئي، وأحد أكبر الداعمين للرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني. وتعني أيضا انتهاء الثنائية التقليدية في السياسة، إذ وصلت ثنائية رفسنجاني-خامنئي، ورفسنجاني- أحمدي نجاد، ورفسنجاني- محمد يزدي، إلى نهايتها.

نقل عن قائد الثورة الإيرانية الخميني أنه قال إن رفسنجاني أحد أعمدة الثورة المركزية، و"الثورة حية ما دام رفسنجاني حيا"

لكن، من جهة أخرى، يشير تقرير المركز المختص في الشأن الإيراني، إلى أنه من الممكن أن تكون وفاة رفسنجاني فرصة لروحاني للخروج من عباءة أستاذه، وملء الفراغ الناجم عن وفاته. وفي ظلّ الغياب الإجباري لمحمد خاتمي ومهدي كروبي ومير حسين موسوي، تقع على عاتق روحاني مهمة الحفاظ على ميراث هاشمي السياسي ومنع ضعف تياره، وستكون نتيجة الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في مايو 2017، اختبارا لتيار المعتدلين. واعتبرت الديلي تلغراف أن “روحاني سيواجه انتخابات رئاسية حاسمة في مايو المقبل التي ستكون بمثابة استفتاء على الاتفاق النووي الموقع مع الدول الكبرى”.

ونشرت الصحيفة تحليلا بعنوان “موت رفسنجاني يعتبر ضربة موجعة للإصلاحيين في البلاد” يرى أن “رحيل الرئيس الإيراني السابق أكبر هاشمي رفسنجاني يشكل ضربة موجعة للمعتدلين والإصلاحيين في البلاد، لأنهم برحيله خسروا أكبر المؤيدين والمؤثرين في المؤسسة الإسلامية”. غير أن هناك من المحللين من ذهب إلى القول إن روحاني يمكنه أن يستفيد من المشاعر التي أثارتها وفاة شيخ الاعتدال وأن يقوم بدوره، فلا ينبغي نسيان أن إيران من دون التيار المعتدل ستكون مقلقة أكثر من إيران من دون رفسنجاني.

ومؤشرات كثيرة تدعو إلى القلق، حيث سيتعين على المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي أن يعين بسرعة خليفة رفسنجاني على رأس مجلس تشخيص مصلحة النظام الذي كان يرأسه حتى وفاته والمكلف بتقديم المشورة للمرشد الأعلى بشكل خاص، وسيكون خياره حاسما بالنسبة للتوازن الجديد داخل النظام. ولا يتوقع أن يختار خامنئي شخصا من المعتدلين وبمزايا رفسنجاني، خاصة وسط أحاديث وتقارير تتحدث عن خلافة قريبة للمرشد الأعلى، الذي يعاني من سرطان البروستاتا، وسط صراعات مفتوحة بين المتشددين والإصلاحيين على عمامة المرشد الأعلى.

بين رفسنجاني وخامنئي

في ثمانينات القرن الماضي، عمل رفسنجاني إلى جانب خامنئي كسياسي محافظ وتمكن من تقلّد العديد من المناصب البارزة. وعندما توفي الخميني في عام 1989، أعلن رفسنجاني أن خامنئي يعتبر بلا شك أفضل مرشح ليحل محله. لكن رغم هذا التحالف الوثيق، بدأت آراء كل من خامنئي ورفسنجاني تتباعد بشكل كبير، وإن لم يخرج الخلاف للعلن، وظلت صورة التنسيق والاحترام المتبادل بين الرجلين هي المسيطرة على المشهد رغم الخلافات المتجذرة.

ومن ملامح هذا الخلاف موقف رفسنجاني من “ولاية الفقيه”، وما قاله في فبراير سنة 2015 بأن “إدارة مؤسسة ولاية الفقيه، من قبل مجلس بدل شخص واحد، ملائمة أكثر”. وكان رفسنجاني يرى أن هناك “بعض الأخطاء ارتكبت في الناحية التطبيقية منذ انطلاق الثورة في إيران“. وفي أحد أكثر المواقف جدلا بين الرجلين، والتي كشفت عن الخلاف بينهما، أن رفسنجاني كتب تغريدة عبر موقع تويتر قال فيها إن “الغد هو عالم الحوار، وليس عالم الصواريخ”، فرد خامنئي عليه بلهجة تصعيدية وصلت إلى حد اتهامه بـ”الخيانة”.

غياب الرجل الثاني يقوي سيطرة خامنئي على كل مفاصل البلاد

ولم يستغرب المتابعون اللهجة التي جاءت بها رسالة تأبين خامنئي لرفسنجاني، بل يقول البعض إنها تؤكد كل ما قيل عن خلاف بينهما. وقد أثارت بعض العبارات التي استخدمها على غير العادة، المرشد الإيراني، علي خامنئي، في رسالة التعزية التي نشرها بوفاة الرئيس الإيراني الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، جدلا في وسائل التواصل الاجتماعي في إيران؛ حيث استخدم خامنئي في رسالة التعزية لقب “حجة إسلام” لوصف رفسنجاني، وليس لقب “آية الله” الذي يُعرف به لدى الرأي العام ووسائل الإعلام الإيرانية.

ويطلق لقب “آية الله” في إيران على رجال الدين الذين يقومون في الحوزات العلمية بتقديم ما يطلق عليه “درسي خارجي”، وهي دروس الفقه عالية المستوى التي يقدمها المجتهدون، وبما أن رفسنجاني لم يكن يقدم تلك الدروس، فإن الأوساط الدينية تعتبره “حجة الإسلام” رغم أن العامة يطلقون عليه “آية الله”. ومن اللافت للنظر في رسالة خامنئي أيضا، عند حديثه عن العلاقة التي تربطه برفسنجاني والتي استمرت 59 عاما، استخدامه عبارة “المحبة العميقة التي كان يكنها لي”، بدلا من الحديث عن المحبة المتبادلة بينهما.

وفضل خامنئي استخدام مصطلح “جهود” لوصف المناصب الهامة التي شغلها رفسنجاني في مؤسسات الدولة بدلا من استخدام مصطلح “خدمات”، وبدلا من استخدام عبارة “نسأل الله أن يمنحه الدرجات العليا” التي جرت العادة على استخدامها في رسائل التعزية في إيران، استخدم خامنئي عبارة “نسأل الله له الرحمة”. وانطلاقا من هذه التطورات التي تعيش على وقعها إيران، ووسط تصاعد حالة الضيق في المجتمع الإيراني، نتيجة الفقر وتضييق الخناق، وفيما تتطلع دول أوروبية إلى فتح الأسواق الإيرانية بعد جهود مضنية لتوقيع الاتفاق.

وفيما تعمل إيران على رسم خارطة الهلال الشيعي على أرض الواقع في المنطقة، والتمدد إلى حدود المتوسط، تأتي وفاة الرئيس الإيراني السابق أكبر هاشمي رفسنجاني، وقبل خمسة أشهر من الانتخابات الرئاسية، لتزيد من الضغط، وسط توقعات بأن البلاد مقبلة فعلا على صراع خطير بين معسكر الإصلاحيين ومعسكر المحافظين المتشددين، المدعوم من الحرس الثوري، ومختلف مؤسسات صناعة القرار في النظام الإيراني، في فترة ستحدد فعلا مستقبل الثورة الإسلامية.

اقرأ أيضا:

موت رفسنجاني.. نهاية فرصة إصلاح النظام الإيراني من الداخل

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر