الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

أردوغان يحمي جمهوريته بجيش خاص من الشباب

  • قبل بضعة أشهر حاول ضباط من الجيش التركي، بمن فيهم العديد من أفراد طاقم الأمن الخاص بالرئيس رجب طيب أردوغان، الإطاحة به في انقلاب عسكري فشل في قلب النظام لكنه ضاعف من حالة الارتياب والقلق لدى الرئيس التركي بما جعله يزداد تطرفا في اتخاذ الوسائل والطرق التي يرى أنها الأفضل للتصدي لأي محاولة مقبلة ضد نظام حكمه، حتى ولو أدى الأمر إلى تعريض البلاد لخطر حرب أهلية، بعد أن تحدثت تقارير عن جيش مواز يقوم بإنشائه أردوغان، مكون من شباب العدالة والتنمية وأنصار يتم استقطابهم من المساجد وتتولى تدريبهم شركة أمنية خاصة، أثيرت حولها شكوك وقيل إنها دربت عناصر من تنظيم داعش.

العرب  [نُشر في 2017/01/11، العدد: 10509، ص(12)]

شباب أردوغان

أنقرة – الحلم بالجمهورية العثمانية الأولى سيتحقّق في عهد الجمهورية التركية (الكمالية) الثالثة، وسيكون الرئيس رجب طيب أردوغان القائد الأعلى للدولة بموجب قوانين دستورية، يجرى في الوقت الراهن العمل على مناقشتها في البرلمان. وهذه التعديلات، ولئن كانت اليوم محل جدل ومعارضة كبيرة، في تركيا، فإن التوقعات تشير إلى أنه سيتم في النهاية إقرارها؛ وستكون دفة القيادة، كما جاء على لسان رئيس الوزراء، في يد “قبطان واحد، فوجود قبطانين في السفينة يقودها إلى الغرق”، في إشارة إلى منصب رئيس الوزراء.

يعتبر أردوغان من أكثر العارفين بأهمية هذا المنصب وخطورته، في النظام التركي الحالي، وهو الذي شغله منذ سنة 2003 إلى سنة 2014، ما يجعله مصرا على تمرير التعديل الدستوري بما سيمكنه من إحكام السيطرة على مختلف مؤسسات صناعة القرار في البلاد.

يبدو أن أردوغان عازم على دفن القوى ذاتها التي يمكن أن تصبح أساسا لحركات سياسية جديدة، خاصة وأنه يطمح ليواصل رئاسة البلاد إلى حدود سنة 2029؛ وهو أمر سيحتاج إلى جيش من الموالين المخلصين، بما يحتم على الرئيس إجراء تغييرات هامة وجذرية في مختلف مؤسسات الدولة. وقد بدأ أردوغان في تنفيذ هذا الأمر فعليا وبشكل رسمي إثر الانقلاب الفاشل في 15 يوليو 2016، في خطوة جاءت لتكمل مسارا انطلق أساسا مع إعلان رئيس الوزراء السابق والأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، أحمد داوود أوغلو عن تنحيه من منصبه في مايو 2016.

لا أحد آمنا في تركيا

منذ ذلك التاريخ لم يعد أحد آمنا في تركيا، حيث الرئيس مصاب برهاب الخوف من الانقلاب ويؤمن بنظرية المؤامرة، فيما يرى خبراء، من بينهم الباحث الأميركي المختص في الشأن التركي، مايكل روبن، أن السلطة يمكن أن تسهم في الجنون، خاصة مع عدم الاستقرار.

في هذه الحالة، تتضاعف حالة القلق والخوف عند الرئيس أردوغان. وهذا الأخير لديه أسبابه المبررة لذلك، منها ما يتعلق بتاريخ تركيا مع الانقلابات العسكرية، ومنها أيضا ما يتعلق بتاريخ أردوغان نفسه مع الانقلابات على الحلفاء، من ذلك عندما هندس لعملية انقلاب على عبدالله غول داخل حزب العدالة والتنمية الذي أسساه معا بعد أن صدر حكم من المحكمة بحل حزب الفضيلة الذي كان يرأسه نجم الدين أربكان (أستاذ أردوغان).

بعد وصول الحزب إلى الحكم عام 2002، بدأت لعبة النفوذ وآل الأمر إلى مسك أردوغان بزمام السلطة في الحزب وعزل عبدالله غول بمجرد صعوده إلى الرئاسة. ولن يسمح أردوغان بتكرار هذا الأمر معه ولن يقبل بأن يكون “ضحية سلاحه” حسب الكاتب المتخصص في الشأن التركي محمد نورالدين الذي أكد أن “تاريخ أردوغان المليء بالانقلابات جعله يشك في كل من حول”.

بوراق بكديل: المراقبون يخشون من أن تتحول فروع الشباب الملحقة بالمساجد إلى ميليشيات مساجد تابعة للرئيس أردوغان وتلعب نفس الدور الذي لعبته منظمة شباب هتلر في ألمانيا

وقبل بضعة أشهر حاول ضباط من الجيش، بمن فيهم العديد من أفراد طاقم الأمن الخاص به، الإطاحة به في انقلاب عسكري. فشل الانقلاب في الإطاحة بنظام أردوغان، لكنه ضاعف من حالة القلق لديه، وفق الباحث التركي بوراق بكديل.

ويضيف بكديل أن أردوغان يخشى أن يلاقي مصير زعماء أتراك إسلاميين سبقوه، على غرار أستاذه نجم الدين أربكان، الذي انقلب ضدّه الجيش وأدخله السجن، لكنّ الطريقة التي يعتقد أردوغان أنَّها الأفضل للتصدي لأي محاولة مقبلة ضد نظام حكمه – وحياته – تعرِّض تركيا لخطر الحرب الأهلية.

ومردّ هذا الخطر، وفق الباحث التركي، ليس جنون الارتياب الذي يعاني منه أردوغان، بل جهوده الرامية إلى بناء جيش خاص من أتباعه، سيكون بمثابة ميليشيا مسلحة بما قد يقود أردوغان إلى الهاوية والبلاد إلى الحرب.

وسبق أن تحدثت تقارير عديدة عن هذه الميليشيا التي ذكرها بكديل، في تقريره الذي نشره مركز “غيت ستو” الأميركي للدراسات، وربطتها بشركة “سادات” للخدمات الدفاعية، التي تقدم نفسها على أنها شركة استشارات دولية وخدمات التدريب العسكري في مجال الدفاع الدولي والأمن الداخلي.

ويمتلك هذه الشركة اللواء المتقاعد عدنان تانريفردي، الذي عينه أردوغان في 17 أغسطس الماضي، مستشارا رئيسا له. وفي تعقيبها على خبر التعيين، ذكرت صحيفة زمان التركية، أن شركة تانريفردي اشتهرت في أوساط الرأي العام بوصفها “الجيش الموازي للجيش الوطني”.

وكان البرلمان التركي يستعد، قبيل تعيينه في منصب مستشار رفيع المستوى للرئيس، لمناقشة الادعاءات الخاصة بهذه الشركة، والتي تقول إنها تقف وراء أعمال شغب وفوضى واعتقالات في المناطق الكردية خاصة، إضافة إلى تدريبها عناصر تابعة لتنظيم داعش.

وفي تغريدات نشرها أفاد فؤاد أفني، المعروف بلفب "سنودن تركيا"، جاء أن شركة “سادات” أسسها الجنرال المتقاعد عدنان تانريفردي تحت ستار قانوني بأوامر من أردوغان في عام 2012،. وقال إنها تدرب شبابا من حزب العدالة والتنمية الحاكم والمنظمة العثمانية – وهي حركة مفتوحة لأنصار أردوغان – كمسلحين لشن هجمات دموية في تركيا وفي الخارج.

وغرد أفني أن “الأشخاص والمنظمات الذين يرفعون أصواتهم ضد أردوغان، سوف يكونون هدفا لهذه المنظمة السرية المسلحة”، معتبرا، بدوره، أن التنظيم المزعوم سوف يشكّل حجر أساس لحرب أهلية في تركيا.

وحدة العمليات الخاصة

في إطار إعادة هيكلة وكالة الاستخبارات الوطنية، على سبيل المثال، استحدثت حكومة أردوغان منصب نائب وكيل الوزارة لشؤون “العمليات الخاصة”.

وترى بينار ترمبلاي، وهي خبيرة في الشؤون التركية، أن “إنشاء هذه الوحدة يشير إلى أنَّ جذوة المغامرة التركية لن تُخمد قريبا، بل على العكس من ذلك، ستتسع دائرة المغامرة، بالنظر إلى أنَّ الحكومة تبدو مستعدة لتخصيص المزيد من الموارد البشرية والتمويل للعمليات الخاصة”.

وفيما بقيت أنشطة شركة سادات وحقيقة أنها تقوم بتدريب قوات شبه عسكرية رسمية أو غير رسمية للقتال في حروب أردوغان المتعددة داخل تركيا وخارجها، هناك إجراء آخر اتخذه أردوغان لتعزيز دفاعه عن نفسه “ضد الأعداء، الحقيقيين منهم والمتخيَّلين”، وفق تعبير بوراق بكديل. ويتمثل هذا الإجراء في قرار أصدرته مديرية الشؤون الدينية في تركيا يقضي بتشكيل “فروع للشباب” تُلحق بعشرات الآلاف من المساجد في مختلف أنحاء البلاد.

ويخشى المراقبون من أن تتحول فروع الشباب الملحقة بالمساجد إلى “ميليشيات مساجد” تابعة للرئيس أردوغان. ويشبّه بكديل هذه الفروع بمنظمة شباب “هتلر” التابعة للحزب النازي في ألمانيا، مشيرا إلى أن الخطة تقضي في البداية إنشاء فروع الشباب في 1.500 مسجد، ولكن بموجب الخطة، سوف يضم 20.000 مسجد فروعا للشباب بحلول عام 2021، وصولا في نهاية المطاف إلى 45.000 مسجد.

وتنذر فكرة إنشاء فروع للشباب بالمساجد بالخطر، ولا سيما في بلد مثل تركيا، حيث تنطوي الانقسامات المجتمعية العميقة على درجة عالية من الاستقطاب بين المسلمين العلمانيين والمسلمين المحافظين. فقد يُثير إنشاء ميليشيات المساجد حفيظة العلمانيين، بما يسفر عن إنشاء “فروع للشباب العلماني”. وعندها، لن يعرف أحد متى ستنطلق الشرارة التي ستشعل نيران العنف.

ويخلص بوراق بكديل إلى ضرورة أن يتخلى أردوغان، الذي يقود ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلس، عن فكرة تأسيس جيش خاص قوامه شباب ورع من المسلمين السنة قبل أن يفوت الأوان، “فهو ليس بحاجة إلى بناء جيش من الشبان الأتقياء ليحافظ على أمنه الشخصي. إذ لن يؤدي إنشاء هذا الجيش سوى إلى وقوع العنف، وفي السيناريو الأسوأ، إلى حرب أهلية”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر