الاربعاء 26 يوليو/تموز 2017، العدد: 10703

الاربعاء 26 يوليو/تموز 2017، العدد: 10703

قصص ترثي البؤس وتحتفي بالبهجة

سعيد الشيخ يقدم خرائط ذات بعد إنساني متشابك، في مجموعته القصصية التي تعتبر عصارة تأمّله في السّلوك الإنساني المرتبك بفعل الواقع.

العرب  [نُشر في 2017/01/04، العدد: 10502، ص(14)]

مجموعة قصصية أشبه بلوحات فسيفسائية

ستوكهولم - تضم المجموعة القصصية "خرائط الجسد" للكاتب الفلسطيني سعيد الشيخ مئة قصة قصيرة جدا، موزعة تحت ثلاثة عناوين هي: "فسحات الروح”، و”خرائط الجسد”، و”جبهات النار".

عنوان المجموعة، والعناوين الداخلية هي أشبه بلوحات فسيفسائية انتقى الشيخ حبّاتها بعناية فائقة، ليقدم خرائط ذات بعد إنساني متشابك. يستدل القارئ من خلالها على تفاصيل حياته اليوميّة واختباراته الإنسانيّة العديدة، ولكن بعين الكاتب الأشبه بعدسة كاميرا التقطت بدقّة تفاصيل الحياة الإنسانيّة، وشرعت تحفر عميقا لترسم عوالم الإنسان بكل ما فيها من مادية وروحية وفكرية فلسفية. حيث سيجد القارئ بعضا من ذاته في كلّ قصّة.

"خرائط الجسد" عنوان فلسفي أيضا لمجموعة قصصية تستهل امتدادها من فسحات الرّوح وتعبر بالجسد برغباته ولذّاته وإشكاليّاته، لتخلص إلى جبهات النّار المشتعلة في قلب الإنسان والمجتمع والسّياسة… بكلمات قليلة يبني سعيد الشيخ عالما متكاملا له أبعاده القصصية الهادفة ما بين المباشرة والرمزية على ارتكازات غرائبية تجعل المتخيّل أقرب إلى الواقع.

اجتهاد الكاتب يبدو واضحا في البدعة الفنية وهو يقدم رسما كيانيا إنسانيّا، تتعرّج خطوطه لتدلّ القارئ على أنّ الحياة سلسلة تفاصيل قد تدمي قلبه أو تحييه، إلّا أنّها بتعرّجاتها المستمرّة دلالة على الحياة.

لا بد من أنّ هذه المجموعة القصصيّة، الصادرة عن “منشورات ألوان عربية” في السويد، عصارة تأمّل الكاتب في السّلوك الإنساني المرتبك غالبا بفعل الواقع فيستحيل متناقضا أو ازدواجيّا. واضطّرابات الرّوح التي تمر بالموت قبل الموت، وتعانق المنفى قبل الارتحال، وتحيا الغربة في عالم يئن بالانتماء والحرية والسلام. وهو بذلك لا يتوانى عن التطرق إلى الحال الإنساني المتألم.

لعلّ “خرائط الجسد” لم تترك تفصيلا لم تسكبه في ثنايا نصوصها، لتلمع كالبرق في النّفس، فتحرّك العقل والرّوح من جهة، ومن جهة أخرى تعكس خرائط القارئ فيفهم خطّ الإنسانيّة في معالمه الدّاخلية ويستقرئ ذاته وواقعه لتتحرك الأسئلة عن ماهية الوجود.

وبذلك جاءت القصص أداة لمعالجة واقع إنساني مضطرب بطريقة الطبيب المعالج، بعيدا عن التنظير والوعظ، منحازا إلى الإبداع والإمتاع والعمق ووضوح الرؤية لرثاء البؤس والاحتفال بالبهجة المستحيلة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر