الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

المسرح العالمي ضرورة والمسرح العربي ترف لا غير

  • بات المسرح اليوم أكثر الفنون انفتاحا على عالم التقنية والأدب ومواكبا لما يطرأ فيهما، ولما يطرأ حتى على الفكر العالمي، محاولا بذلك تجديد مشاربه وحتى طروحاته وتقنياته، حيث لم يعد حكرا على الخشبة أو الممثل أو الخرافة وغيرها من ركائزه التي وسّع في تشكّلاتها هذا الفن العريق. ومن بين المسرحيين الساعين إلى التغيير المخرج التونسي علي اليحياوي الذي كان لـ”العرب” هذا الحوار معه حول راهن المسرح التونسي والعربي والعالمي:

العرب عماد المي [نُشر في 2017/04/20، العدد: 10608، ص(15)]

سفر مسرحي يربط الماضي بالحاضر في قالب حداثي

في بداية الحديث مع المخرج علي اليحياوي، سألناه لماذا بقي مدة عشر سنوات لم يقدم شيئا بعد تقديمه لمسرحية “حذاء زهران” العرض الموجه للأطفال سنة 1996، ليعود سنة 2005 من خلال عمل مسرحي للكبار بعنوان “سباحة حرة”.

يوضح اليحياوي غيابه ذاكرا أن الأسباب كانت موضوعية جدا؛ إذ يقول “نظرا إلى تواجدي بحكم المهنة كأستاذ مسرح بمحافظة قبلّي لم أجد فضاء وظروفا مشجعة للقيام بتجربة احترافية كما أن المتطلبات البسيطة للإبداع لم تتوفر حيث كنت تقريبا الأستاذ الوحيد للمسرح في المحافظة، ومع توافد بعض الرفاق الأساتذة إلى الجهة كأساتذة مباشرين لتدريس مادة المسرح توفّرت لنا الفرصة لنجتمع حول مشروع ‘سباحة حرة’، وكانت ظروف إنتاجه خاصة جدا أي بمبادرة مادية وفنية من قبل المجموعة المشاركة”.

الذاكرة والحداثة

علي اليحياوي يرتكز في اشتغاله على الحفر في الذاكرة الإنسانية وعلى دقة منابع الاستلهام وكونيتها وطرافتها

استفسرنا اليحياوي عن تغييره لمساره المسرحي من عالم الأطفال إلى عالم الكبار، وعن رهانات اشتغاله، ليوضح بأنه يعتقد أنه ليست هنالك حدود أو اختصاصات يلتزم بها المبدع أو المخرج المسرحي، ويقول “أنا لست مختصا أو مكلفا بنمط أو شكل مسرحي محدد. أنا تحركني رغبات فنية مرتبطة بالزمان والمكان؛ فللمبدع مجال وحدود خاصة به يتحرك داخلها ورهاناتها واضحة بالنسبة إليه في نشاطه الإبداعي والفني. وأنا مشروعي أساسا في علاقة بالمكان بمعنى الجمهور والذاكرة الجمعية وما تحركه فيّ كإنسان وفنان، وهو نوع من الجدل المشاكس بيني وبين هذه الذاكرة التي انتميت إليها جسديا وروحيا وما زلت أنتمي”.

ويضيف اليحياوي “السؤال الجوهري الذي كان يحركني هو ‘كيف أستدعي هذه الذاكرة إلى المسرح بعمقها الوجداني والإنساني دون السقوط في السطحية والفولكلورية؟ ومن هذا المنطلق توجهت إلى غابريال غارسيا ماركيز وإبراهيم الكوني وجورج بوشنر، لإعادة تفكيك هذه الذاكرة وتجربتها على المحك الإنساني، فكل هؤلاء بصموا الذاكرة الإنسانية بالمخزون التخيلي المحلي، فتوصلت إلى أنه ليس ثمة مسافة بين الأدب الكولومبي وأدب الطوارق والأدب الألماني والذاكرة المحلية التي أنتمي إليها رغم التباعد في الزمان والمكان. الفرق يكمن فقط في تلك اللحظة الشعرية التي يمتلكها كل فنان؛ فكل يعبر بطريقته وبخصوصياته الثقافية، لكن في النهاية يبلغ الفنان الجاد والصادق مصاف الإنساني والكوني”.

يرتكز اليحياوي في اشتغاله على الحفر في الذاكرة الإنسانية وعلى دقة منابع الاستلهام وكونيتها وطرافتها. ومن ناحية أخرى يرتكز على المقاربة الجمالية حيث كان هاجسه دائما هو خلق فرجة مسرحية شعبية. نسأل المخرج هنا عن قصده من قوله “فرجة مسرحية شعبية”، ليجيبنا بأنه على مستوى شكل الفرجة التجأ إلى أشكال وأنماط السرد الشفوي الشعبية من ذاكرة الرواة المتجولين.

علي اليحياوي: تحركني رغبات فنية مرتبطة بالزمان والمكان

يستشهد هنا بمسرحيته “نوارة الملح” التي كان فيها هذا السرد هو الخيط الدرامي الأساسي الرابط للأحداث والأزمنة، فالعلاقة بين المتقبل والعرض انبنت، كما يقول، على الرواية الشفوية. وهذا الشكل له عمقه المتجذر في الذاكرة الشعبية التونسية، ولكن في مشروعه لم يكتف اليحياوي باستدعائه كما هو، بل اشتغل عليه من حيث الشعرية والغنائية والأداء، فقدمه بشكل فرجوي سحري عبر سفر من الذاكرة البعيدة إلى الحاضر في شكل فرجوي حديث.

كذلك استفاد علي اليحياوي من أهم التعبيرات المسرحية الشعبية العالمية منها الأقنعة المشتغل عليها في الكوميديا ديلارتي الإيطالية والرقص وفن السيرك لصياغة وحدة فرجوية مشهدية، لا تكتفي بالملفوظ بل تعمل على الانتقال بالمتقبل من اللحظة الواقعية التي يعرفها إلى اللحظة السحرية، فهذه المسافة التخيلية، كما يراها، هي ذات البعد الأسطوري المشبع بالذاكرة البعيدة وهي المحرك الأساسي لمعنى مسرح شعبي متجذر وحديث في الآن ذاته.

يهتم علي اليحياوي بالحفر في الذاكرة والاشتغال على مادتها، نسأله هنا عما تغير في الإنسان اليوم لينتهج هو طريق الذاكرة في عمله المسرحي، ليقول “بحكم اشتغالنا في محافظة مدنين بالجنوب التونسي، نسعى إلى تأسيس قاعدة فنية بجهتنا وأساس هذه القاعدة هو الجمهور، فهو الذي يرسخ التجربة المسرحية أو يرفضها. فكان السعي إلى الذاكرة المحلية بتعبيراتها المختلفة من شعر ورواية ومظاهر احتفالية نستلهم منها عناصر الفرجة المسرحية حتى تكون هذه التجربة متأصلة في محيطها المكاني”.

ويضيف “وبذلك تحول مشهد الصيد الأسطوري بين الإنسان والحيوان إلى مشهد واقعي بين الإنسان والإنسان، وأصبح الإنسان اليوم يعاني تشظيّا في الذاكرة. نحن هنا للتذكير والدعوة للعودة إلى الإنسانية الصرفة للإنسان الحق. فالذاكرة هي ذلك الوعاء الوجداني الجمعي الإنساني المشترك وليست مجرد قيم محلية جامدة، وليس هناك أفضل من المسرح كتمرين على الذاكرة بأشكالها المتعددة والمتنوعة”.

تجربة ديمقراطية

علي اليحياوي باعتباره فنانا بجهة الجنوب التونسي تحركه مسؤولية إنتاج الخصوصية الثقافية المحلية بمعانيها الرمزية والجمالية، لذلك التجأ إلى الذاكرة من هذا الباب. غير أن هذا لا يعني التفرد بشكل مسرحي واحد فلتطوير التجربة وإثرائها التجأوا إلى أشكال مسرحية أخرى أهمها ما يقوم به أنور الشعافي من اشتغال بالتجريب المسرحي، فالتعدد في الذوق والشكل والمضمون والكيف من شأنه أن يخلق تجربة مسرحية أكثر ديمقراطية وانفتاحا. يقدم لنا اليحياوي عمله المسرحي الأخير “ريونو سيتي”، وهي مسرحيته الثالثة في مشروعه المتواصل، بمضمون حديث ومعاصر، حيث طرح من خلالها ظاهرة الهامش الاجتماعي والتهميش المتعمّد المسلّط على الإنسان اليوم.

علي اليحياوي استفاد من أهم التعبيرات المسرحية الشعبية العالمية منها الأقنعة المشتغل عليها في الكوميديا ديلارتي الإيطالية والرقص وفن السيرك لصياغة وحدة فرجوية مشهدية

يحدثنا علي اليحياوي في جانب آخر عن رأيه في المسرح اليوم سواء منه التونسي أو العربي أو العالمي عموما، يقول “المسرح التونسي في رأيي يشكو من قلّة التنوع في الشكل والطرح؛ إذ حكم المسرحَ التونسيَّ نوعٌ من الدكتاتورية الجمالية. فقليلة هي المحاولات التي خرجت عن النسق العام للمشهد المسرحي التونسي، فالأغلبية تراوح مكانها في المقترح البريشتي السائد منذ السبعينات من القرن العشرين، وكذلك ارتبطت أغلب العروض المسرحية التونسية بالعلبة الإيطالية. ورغم ما حدث في البلاد من زلزال اجتماعي ضد النمط في رمزيته السياسية وخروج بعض الحركات الإبداعية للشارع، فإن جذوتها سرعان ما تلاشت وعدنا إلى سقف المسرح وحيطانه”.

ويتابع المخرج “هذا ينطبق أيضا على المسرح العربي الذي ما زالت تحكمه النزعة الأدبية ذات البعد التاريخي والتراثي؛ إذ لم يغادر النص والمنطوق إلى أشكال تعبيرية أخرى بخلاف المسارح العالمية التي نراها هنا وهناك قد قطعت مع شكل الفرجة التقليدي إلى دراما حديثة وما بعد حديثة، منفتحة على أشكال التعبير شبه المسرحية كالرقص والصورة. فالمشكلة تكمن في الذهنية المبدعة التي ظلت تحكمنا باعتبارنا مبدعين. والتخلص من هذه الذهنية مقرون بعلاقة المجتمع وعلاقة المثقف بالسلطة وحضور الفن المسرحي في هذا المجتمع ومدى فعاليته، فالمسرح العالمي ضرورة بينما المسرح عندنا ترف لا غير”. يختتم اليحياوي حديثه لـ”العرب” برسالة إلى المسرحيين التونسيين يقول فيها “على المسرحيين التونسيين إعادة النظر في المهنة برمتها، فما نراه اليوم من تشتت وعدم وضوح تصورنا للمهنة من شأنه أن يعرضها للاندثار”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر