السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

من يبحث عن تعليم متسامح يرسل أبناءه إلى المدارس الكنسية في مصر

  • يُنظر اليوم إلى المدارس التابعة للكنائس المسيحية التي ظهرت في مصر قبل 170 عاما على أنها أفضل المؤسسات التعليمية الموجودة. وتراجع الإقبال على المدارس الحكومية نظرا إلى المشكلات والأزمات التي تعاني منها منذ سنوات. وانخفضت أعداد المسجلين مؤخرا في المدارس الإسلامية عقب الانتكاسات التي تعرض لها التيار الإسلامي.

العرب أحمد حافظ [نُشر في 2017/03/14، العدد: 10571، ص(17)]

تلقين السلام

القاهرة - بدأت مصر تعرف المدارس التابعة للكنائس في القرن التاسع عشر، سواء الكاثوليكية أو الإنجيلية، وذلك مع توطين الإرساليات التي كانت تأتي من أوروبا والولايات المتحدة، حيث عمدت، بعد تمصيرها، إلى إنشاء العديد من الخدمات التي تهم المجتمع، مثل المدارس والجمعيات والتجمعات الطبية.

ومنذ الوهلة الأولى، نأت الكثير من المدارس الكنسية بنفسها عن التفرقة بين طالب مسلم وآخر مسيحي، لإبعاد تهمة التمييز عن نفسها في تقديم الخدمة التعليمية لأبناء المجتمع المصري، ومع مرور الوقت أضحى الدخول إليها صعب المنال بالنسبة إلى الكثيرين، لا سيما وأن نسب الإقبال ارتفعت بنسق متسارع في ظل تميز الخدمة التعليمية المقدمة للطلاب، والطبيعة الأوروبية في التعامل مع أسر الطلاب بغض النظر عن الهوية الدينية.

ولا تخشى إدارة المدرسة من رفض تسجيل التلميذ، حتى وإن كان حاصلا على تزكية الوزير أو المحافظ، لا سيما إذا كان عدد الطلاب بالمدرسة قد اكتمل أو في حال وجود موانع، مثل صغر السن. ولا توجد استثناءات في هذه الشروط حيث تتعامل المدرسة باستقلالية كاملة دون تدخل من أي سلطة.

ويقول القس جوهر عزت، الأمين العام المساعد لمدارس سنودس النيل الإنجيلي التابعة للطائفة الإنجيلية بمصر، إن أهم ما يميز المدارس الكنسية، كونها لا تهدف إلى الربح، بعكس المدارس الخاصة، ولديها رسالة واضحة تتمثل في “بناء إنسان كامل فكريّا وأخلاقيّا وثقافيّا وعلميّا”، بغض النظر عن ديانته، حيث لا مجال للحديث عن الدين والعقيدة داخل هذه المدارس أو الدخول في قضايا عقائدية شائكة.

المدارس الكنسية لا تهدف إلى الربح، ولديها رسالة واضحة تتمثل في بناء إنسان كامل فكريا وأخلاقيا وثقافيا وعلميا

ويضيف عزت لـ“العرب”، أن البعض من المدارس الكنسية، تتعدى فيها نسبة الطلاب المسلمين 60 بالمئة، والنسبة الباقية مسيحيون، ولكل طالب حرية العقيدة والفكر، شريطة ألا يتدخل في حق الآخرين أو يخوض في الحديث عن أمور دينية أو طائفية، وحتى المعلمون من المسيحيين والمسلمين يتم التعامل معهم بنفس الشروط.

وما نلاحظه في هذه المجتمعات المدرسية الصغيرة من تعايش مشترك بين المسلم والمسيحي وترسيخ لحرية الديانة، يختلف عما يحدث في المجتمع المصري من أحداث طائفية تشعلها تيارات دينية متشددة.

ويرى عزت هذه الأحداث الطائفية نتاجا لتعليم لم يرسخ لدى الطالب قيم التسامح، ولم يعلمه قبول الآخر بديانته وهويته وثقافته وفكره، لذلك يتم التركيز في المدارس الكنسية على فكرة المواطنة والتنوع والتعددية والعيش المشترك منذ الصغر، والأهم أن هناك قواعد صارمة لمن يخالف تعاليم هذه البيئة التعليمية.

وسواء كان المذنب طالبا أو معلما، يتم تقديم النصيحة إليه عديد المرات بالتراجع عن السلوك الطائفي أو المتطرف، وفي حال تكرار الأمر تكون العقوبة بالإبعاد النهائي.

لا للتطرف

اللبنة الأولى لهذا البنيان الكنسي والدستور التعليمي ذي الصبغة المسيحية في التعامل مع الآخر، بدأت عام 1847، مع إنشاء مدرسة القديس يوسف، في حي الظاهر وسط القاهرة، ثم توالى إنشاء باقي المدارس الكنسية تباعا، في القرن التاسع عشر واستمر الأمر إلى اليوم.

ومن أقدم هذه المدارس، الفرير، بحي باب اللوق وسط القاهرة التي ترجع إلى عام 1888، ومدارس القديس بولس من عام 1890، ودو لاسال بحي الظاهر عام 1898، وسان جابرييل بالإسكندرية (شمالي مصر) عام 1900، ومدرسة كلية سان مايكل بالإسكندرية عام 1928.

وتنتشر المدارس التابعة للكنيسة الكاثوليكية في مختلف المحافظات المصرية، ويطلق عليها مدارس “الراهبات أو الرهبان”، حيث تديرها راهبة أو راهب ويعمل فيها رهبان يتبعون الكنيسة، ويبلغ عددها 168 مدرسة يتعلم فيها 165 ألف طالب وطالبة، لكل منها إدارة خاصة، وتجمعها إدارة كبرى هي الأمانة العامة للكنائس الكاثوليكية بمصر. أما المدارس التابعة للكنيسة الإنجيلية، فعددها 25 مدرسة، ولها أمانة عامة مسؤولة عن إدارتها تابعة للمجمع الأعلى للكنيسة الإنجيلية سنودس النيل الإنجيلي.

قوانين صارمة لمحاربة الطائفية والتطرف لدى الطلاب

وتخصص أماكن للعبادة في المدارس الكنسية، حيث يوجد مكان للصلاة للطالب أو المعلم المسلم، وإلى جواره مكان لتعبد الطلاب والمعلمين المسيحيين، ويتم تنظيم ندوات تدريبية عن التسامح وأسلوب التعامل الأمثل بين أبناء الوطن الواحد. ويقول القس عزت “لا يسمح بفتح باب النقاش حول مسلم ومسيحي، وإذا حدث خلاف طائفي بين طالبين، يتم مجازاة الاثنين معا دون السؤال عمن بدأ بالخلاف، ويتم بعدها استدعاء أسرتي الطالبين ويقران في تعهد مكتوب بعدم تكرار هذا الأمر وإلا تكون العقوبة الإبعاد النهائي عن المدرسة”.

ويتم إبلاغ ولي الأمر إن كان ابنه يحمل أفكارا متطرفة، لتقصي كيفية وصول هذا الفكر إليه. وفي حال تبرئة الأسرة من تهمة التطرف، يتم وضع برنامج علاجي للطالب من خلال خبراء اجتماعيين ونفسيين، وإذا أصر الطالب بعد ذلك على توجهاته يتم إبعاده عن المدرسة.

ولا تمانع بعض المدارس الكنسية من وقف التعامل مع المعلم الذي يخوض في قضايا دينية وسياسية شائكة، بل تسمح للطالب بتقييم المدرسين سلوكيا ونفسيا وعلميا، وفي حال الإجماع على وجود عيوب لديه، يفسخ التعاقد معه.

وما يعطي المدارس الكنسية ميزة إضافية عن المدارس الحكومية، أنه بإمكان المعلم التواصل بسهولة مع الطلاب، فعددهم بالفصل الواحد لا يتعدى الأربعين، في حين يجد المعلم نفسه في المدارس الحكومية يتعامل مع ثلاثة أضعاف هذا العدد في الفصل الواحد، بالتالي يخفق في كشف أفكار وتوجهات الطلاب، وتكون المدرسة بعيدة عن التواصل مع أولياء الأمور.

وتعول المدارس الكنسية على الأسرة في استكمال ما يدّرس للأبناء، حيث تقدم ندوات تثقيفية وتوعوية للآباء حول الأسلوب الأمثل للتربية والتعامل مع الطالب في المنزل، من خلال أخصائيين في الإرشاد الأسري والتربوي والاجتماعي، وهذا ما لا تفعله المدارس الحكومية والخاصة والدولية.

إقبال رغم الانتقادات

تتوارث بعض العائلات المرموقة في مصر التعليم في هذه المدارس، حيث لا يكتفي الأجداد بتعليم أبنائهم فيها مثلما تعلموا، بل يتم إلحاق الأحفاد بها أيضا، لذلك من الممكن أن ترى عائلات بأكملها من خريجي هذه المدارس. وما يعطي شهرة لتلك المدارس أن الكثير من المشاهير في مصر تعلموا فيها، سواء كانوا وزراء أو رجال أعمال أو فنانين، ومن هؤلاء إبراهيم محلب مستشار الرئيس المصري حاليا، فضلا عن وزراء سابقين، منهم يوسف بطرس غالي، ومنير فخري عبدالنور.

وبالرغم من الصورة الإيجابية التي عرفت بها المدارس الكنسية، إلا أن هناك أمورا تثير الغضب لدى طلابها، ما يحول دون إضفاء صفة المثالية على التعاملات داخلها، خاصة ما يتعلق بتضييق بعض إدارات المدارس على الطالبات المسلمات بشأن ارتداء الحجاب.

وتداولت وسائل إعلام محلية حادثة وقعت قبل أشهر في مدرسة راهبات الفرنسيسكان بالإسكندرية، عندما حصلت طالبة مسلمة على المركز الأول في مسابقة الرسم المؤهلة لنهائيات فرنسا، وتم تخيير الطالبة بين ارتداء الحجاب والسفر للنهائيات، ولأنها اختارت الحجاب رفعت المدرسة اسمها من قائمة الفائزين واستبدلتها بغيرها، وإن كانت هناك مدارس أخرى تتعامل مع الحجاب على أنه حرية شخصية.

الأحداث الطائفية نتاج لتعليم لم يرسخ لدى الطالب قيم التسامح، ولم يعلمه قبول الآخر بديانته وهويته وثقافته وفكره

ويشتكي بعض أولياء الأمور عبر صفحات مدارس كنسية على مواقع التواصل من التحكم في طريقة اللباس وطول التنورة، إذ هناك من هذه المدارس ما يشترط أن تكون التنورة قصيرة، ما يعد تدخلا في الحرية الشخصية التي لا تخل بنظام المدرسة، ومن أولياء الأمور المسلمين من تفاجئه مطالبة ابنه برسم الصليب على رسغ يده أسوة بأصدقائه المسيحيين.

وتؤثر بعض الأحداث الطائفية على العلاقات بين الطلبة، ففي حادث الكنيسة البطرسية في ديسمبر الماضي، حدثت مناوشات بين الطلبة المسيحيين والمسلمين إلى درجة المقاطعة.

ورصدت “العرب” أن هناك مدارس مسيحية لا يدرس فيها إلا الطلاب المسيحيون، حتى إن بدا الأمر بأن بابها مفتوح للطلبة المسلمين، فما يحدث داخل المدرسة يجعل ولي الأمر يتراجع عن إلحاق ابنه بها.

ويؤكد هشام السيد (مدير إحدى الشركات الهندسية) لـ”العرب” أن مدرسة سان جون الأميركية الدولية كانت لا تقبل طلابا مسلمين، وعندما ذهب للتقديم لابنته بعد فتح باب التقديم للمسلمين، لم يجد إلا طالبين مسلمين في المرحلة التمهيدية، وعندما استفسر عن تدريس مادة التربية الإسلامية لم يجد إجابة.

وتولي المدارس المسيحية اهتماما شديدا باللغات الأجنبية، ويكون ذلك حسب نوعية الكنيسة المنتمية إليها المدرسة، بمعنى أن الأسرة إذا أرادت أن تكون ثقافة ابنها فرنسية، تلحقه بمدرسة تابعة للكنيسة الكاثوليكية، لأن الفرنسية اللغة الأجنبية الأولى عندها. أما المدارس التابعة للكنائس الإنجيلية، فتختار اللغة الإنكليزية كلغة أجنبية أولى، ومن أشهرها مدرسة كلية رمسيس للبنات، وسان جورج بالقاهرة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر