الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

المدارس الأجنبية في البلدان العربية.. تعليم عصري يصطدم برؤى ضيقة

  • لم يعد التوسع في إنشاء المدارس الأجنبية ظاهرة محدودة في المجتمعات العربية، بل أصبحنا نشهد "سباقا" محموما من جانب الأسر وأولياء الأمور على إلحاق أبنائهم بها، إما بحثا عن تعليم عصري بعيدا عن تدني مستوى المدارس الحكومية، وإما لحجز مقاعد لأبنائهم بعد التخرج في جامعة أجنبية، ووظيفة مرموقة، تؤهلهم لأن يكونوا في مستوى اجتماعي متميز مستقبلا.

العرب أميرة فكري [نُشر في 2017/03/21، العدد: 10578، ص(17)]

التزود بمختلف اللغات سلاح المستقبل

يسعى الآباء والأمهات إلى إلحاق أبنائهم بمدارس أجنبية، وقد تكون دوافعهم مقبولة عند البعض، لا سيما في ظل اعتبار التعليم أساس بناء شخصية الإنسان وتكوينه العقلي والنفسي والاجتماعي.

ومع ذلك، فإن الحديث عن خطورة المدارس الأجنبية على الهوية والثقافة العربيتين، وعن مسألة الانتماء إلى الوطن الأم، لا يتوقف، لا سيما وأن أغلب مناهج هذه المدارس تكون تابعة بالأساس للدولة مالكة المدرسة، التي هي إما أميركية أو بريطانية أو ألمانية أو فرنسية، وغيرها.

وتظل قواعد التعليم في هذه المدارس الأجنبية، ومبادئها وشروطها، هي ما يحول دون أن ينظر إليها الكثير من المعنيين بالشأن التربوي نظرة إيجابية، وذلك في ظل تمسكها بأن تكون مواد اللغة العربية والتاريخ والتربية الدينية والوطنية “استثنائية” وليست أساسية، وإذا تم تدريسها فيكون ذلك على استحياء، فقط لإرضاء الدولة صاحبة الأرض، وهو ما ينتج عنه تخريج طلبة مشوهي الهويّة والثقافة والتاريخ.

التحكم في عدم تغيير ثقافة طلبة المدارس الأجنبية وهويتهم، أمر ممكن من خلال الاعتماد على معلمين عرب

طلبة مشوهون

لذلك، تواجه هذه المدارس في الوقت الحالي حملة شرسة ضد وجودها في البلدان العربية، لأسباب تتعلق بتخريج شباب منقسمين وموزّعي الوجدان بين اللغة التي يدرسون بها ولغة المجتمع الذي يعيشون فيه، كما أنهم لا يعرفون شيئا عن تاريخ بلادهم، ويعانون الاغتراب، علاوة على مبررات أخرى، منها أن هناك أبعادا وأغراضا سياسية لدى البلدان الأجنبية صاحبة المدارس، تستهدف الاحتلال الفكري والعقلي للشباب العرب.

يضاف إلى ما سبق، أن المدارس الأجنبية متهمة -في أعين البعض- بأنها تشجع على الطبقية والعنصرية والتمييز بين أبناء المجتمع العربي الواحد، خاصة وأن تكاليفها الدراسية لا تقدر عليها سوى الفئات ميسورة الحال، ما يجعل من قبول أبناء الطبقة المتوسطة والبسيطة أمرا مستحيلا، ففي مصر مثلا تصل التكاليف إلى ما يقرب من 10 آلاف دولار في السنة الواحدة.

ويرى مراقبون أن أكبر أزمة في المدارس الأجنبية هي أن أكثريتها لا تخضع لرقابة مشددة من جانب الحكومات العربية، ما قد يؤدي إلى أن يكون البعض من مناهجها الدراسية يحتوي على دروس ومعلومات مغلوطة ومجافية للحقيقة، تصبح مع الوقت مسلّما بها عند الطالب، فلا يستطيع تغييرها أو الإيمان بعكسها بسهولة.

وعلى سبيل المثال، اكتشفت وزارة التربية والتعليم في مصر، قبل أشهر، أن المدرسة الأميركية بالقاهرة، وضعت درسا ضمن مناهج التاريخ للصف الثالث الثانوي، يقول "إن إسرائيل هي من كسبت حرب 6 أكتوبر 1973 ضد مصر"، وكانت المفارقة أن أحفاد الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، الذي ربح الحرب لصالح مصر، يدرسون في هذه المدرسة نفسها، وقد تدخلت وزارة الخارجية المصرية لدى السفارة الأميركية بالقاهرة، لتعديل هذا المنهج.

وتتركز في المحافظات الحضرية المصرية 183 مدرسة أجنبية، وأهمها القاهرة والجيزة والإسكندرية، وتتنوع جنسياتها بين الأميركية والألمانية، واليابانية، والفرنسية، والإيطالية، والإسبانية، والروسية.

ورغم هنات هذه المدارس، هناك من يبرر وجودها بأنها نتاج لتدهور التعليم الحكومي، وبالأخص تجاهل الاهتمام بتدريس اللغة الإنكليزية في المدارس الحكومية، رغم أنها لغة عالمية يسعى الجميع لتعلمها في الشرق والغرب على حد سواء، ويقولون إنه لو كان هناك أسلوب حديث ومتطور في التدريس الحكومي لما نشطت المدارس الأجنبية إلى هذا الحد.

ويشير تربويون إلى أنه حتى لو كانت للتوسع في المدارس الأجنبية داخل البلدان العربية أهداف سياسية، تتستر وراء المناهج التعليمية، فإنها مع ذلك تمثل ضرورة حضارية وتعليمية معاصرة، وإن كانوا يطالبون بأن يكون ذلك تحت رقابة الأجهزة المسؤولة في الدول العربية.

يمكن التحكم في عدم تغيير ثقافة طلبة المدارس الأجنبية وهويتهم، بتطبيق القانون المنظم بشأن جنسية المعلمين أنفسهم

العولمة في كل بيت

يرى كمال مغيث، الباحث التربوي في مصر، أن نسبة الطلبة العرب في المدارس الأجنبية لا تزيد على واحد بالمئة من عدد طلبتها، وهؤلاء بحاجة إلى رقابة شديدة على المناهج التي يدرسونها وطبيعة التعامل معهم، والتكوين الثقافي والنفسي لديهم، رافضا فكرة التخلي الأبدي عن هذا النوع من التعليم ويؤكد أنه مطلب عصري.

ويبرر مغيث هذا الرأي، في تصريحات لـ“العرب”، بأن العولمة والثقافة الغربية أصبحتا موجودتين في كل منزل عربي تقريبا من خلال التكنولوجيا، فالطالب في المدرسة الحكومية يبحث عن تعلم الثقافات الأوروبية، سواء من خلال الإنترنت أو عبر ألعاب الكمبيوتر وحتى من خلال الأفلام الأجنبية، وبالتالي يعدّ الحفاظ على الهويّة والدين والثقافة والعادات والتقاليد، أحد أهم مسؤوليات الأسرة، والدولة هي التي تراقب ذلك.

وهناك رأي آخر، يقول إنه لا يجب أن تكون المدرسة منبرا لتعليم الدين، سواء الإسلامي أو المسيحي، لأنها محراب علم بالأساس، وخلط الدين بالعلم داخل المدرسة أو الجامعة، هو اللبنة الأولى لزراعة التطرف والإقصاء على أساس الدين.

وأمام تحول العالم إلى مجتمع صغير، وتعالي الأصوات التي تنادي بضرورة وجود حوار بين الثقافات لتقاربها كإحدى سمات هذا العالم الجديد، تبرز أهمية التوسع في التعليم الأجنبي داخل الدول العربية، لكن ذلك لا يجب أن يتم بعيدا عن رقابة الحكومات، حتى لا تتحول المدارس الأوروبية إلى أماكن لاستعمار العقول، وتصبح “دولة أجنبية داخل الدولة العربية”، وهذا أكثر ما يثير المخاوف.

ويستبعد معنيون بالشأن التعليمي العربي أن تقدم أي دولة عربية على اتخاذ خطوات من شأنها التضييق على المدارس الأجنبية، في ظل التقارب العربي الأوروبي مؤخرا، وتحوّل هذه المدارس إلى نقاط تفاهم، حتى أن البعض منها صار يشبه مقار السفارات، كدليل على التواصل الرسمي بين الدول صاحبة المدرسة والبلد العربي صاحب الأرض.

ويقول هؤلاء إن حرص الأسر العربية على تسليح أبنائها من خلال المدارس الأجنبية بالعلم وروح العصر الذي يعيشون فيه، لا يجب أن يتم على حساب تحولهم في ما بعد إلى طلبة مهجّنين، لا عربٍ ولا غربيين، في ظل عجزهم عن تحقيق التوازن بين الطريقة التي يتعاملون بها داخل المدرسة، والأخرى التي يمارسون بها حياتهم مع باقي أفراد المجتمع.

ولذلك يرى محب الرافعي، وزير التربية والتعليم المصري السابق، أن “الأسرة عليها الدور الأكبر في الرقابة والتوجيه بخصوص الثقافة والهويّة والدين، حتى وإن كان للتعليم الأجنبي سلبيات، لكنه ليس مليئا بالشرور، بل إن هناك مدارس تؤسس النشء بطريقة تجنبهم الخلل وتشجعهم على الانفتاح والتقدم”.

وأضاف لـ“العرب”، أن هناك بعثات تعليمية عربية في دول أوروبية، إذن ما الفرق بين تعليم أجنبي في الخارج وآخر تحت عينيك على أرضك؟ ويشير إلى أن خريجي هذه المدارس لديهم القدرة على الإبداع والتعلم بروح العصر والتكنولوجيا الحديثة، وما محاولة البعض التركيز على سلبياتها فقط إلا نوع من القصور التربوي.

ويذهب البعض من الخبراء إلى أنه يمكن التحكم في عدم تغيير ثقافة طلبة المدارس الأجنبية وهويتهم، بتطبيق القانون المنظم بشأن جنسية المعلمين أنفسهم (في مصر لا يزيد عددهم على 10 بالمئة من مجموع معلمي المدرسة)، بما يسمح بالاعتماد على معلمين عرب لسد الفجوة بين ثقافة المعلم الأجنبي وهويته من جهة، وثقافة الطلبة وهويتهم من جهة أخرى.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر