الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

التعليم التونسي.. من مصعد اجتماعي إلى تعبير عن أزمة البلاد

  • الإضرابات في قطاع التعليم التي ارتفع نسقها في السنوات الأخيرة في تونس، والتجاذب بين الهياكل النقابية الممثلة للقطاع التربوي ووزارة الإشراف، لا يكشفان فقط عن مجرد توتر للعلاقة بين النقابة والوزارة، ولا أيضا عن اختلاف الرؤى بين الإدارة والنقابة، بل يحيلان على ما هو أعمق ويتمثل في أزمة عميقة طالت العملية التربوية التونسية برمتها.

العرب عبدالجليل معالي [نُشر في 2017/01/10، العدد: 10508، ص(17)]

المدرسة التونسية طموحات كبيرة ومنظومة مهترئة

تونس - يمكن تلمس أزمة التعليم في تونس واقعيا، من خلال تراجع مستوى التلاميذ، وتراجع التعليم التونسي في التصنيفات العالمية (تونس تحتل المرتبة 84 عالميا والسابعة عربيا من حيث جودة التعليم، وفقا لمؤشرات البرنامج الدولي لتقييم التعليم لعام 2016) وأيضا في ارتفاع نسب البطالة لدى أصحاب الشهائد، كما في ارتفاع التسرب المدرسي وغيرها من الظواهر المتداخلة.

إجماع مختلف المتدخلين في العملية التربوية، على ضرورة مباشرة خطة إصلاح جوهرية للتعليم، يكشف على وجود أزمة حادة، تمثل صدى للأزمة السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد، لكن الوعي بالأزمة وإدراك ضرورة مباشرة الإصلاح يصطدم بعوائق كثيرة، بدءا من غياب إدارة سياسية حقيقية في مباشرة الإصلاح، وصولا إلى اختلاف التصورات المتعلقة بأساليب وخطط الإصلاح، مرورا بغياب حوار وطني يطرح قضية التعليم ويشخص أمراضها ويحدد لها البدائل.

جدير بالتذكير أن التعليم التونسي عرف عصره الذهبي مع السنوات الأولى للاستقلال، حين باشرت الدولة الوطنية، برنامجا لبناء تعليم عمومي وإجباري ومجاني، أتاح للبلاد، بسرعة، أن تتوفر على الموارد البشرية اللازمة لتأسيس الإدارة التونسية، وحوّل التعليم إلى مصعد اجتماعي أتاح لأبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة الحصول على عمل وتاليا تحسين وضعهم الاقتصادي والاجتماعي. طيلة العشريات الأولى من الاستقلال (إلى بداية الثمانينات) كان التعليم يمثل رهانا رسميا للدولة، واستثمارا لا يكل الزعيم الحبيب بورقيبة على التأكيد على جدواه، ولئن تواترت التجارب والإصلاحات آنذاك، خاصة في ما يتعلق بالرهان البورقيبي على التعليم العصري واقتناعه بعدم فاعلية التعليم الزيتوني، إلا أن التعليم ظل يزود البلاد بما تحتاجه من الموارد، وكان رافدا جوهريا في النقلة الثقافية والمدنية التي عاشتها البلاد.

التعليم التونسي عرف عصره الذهبي مع السنوات الأولى للاستقلال حين باشرت الدولة بناء تعليم عمومي وإجباري

الإصلاحات المبكرة دشنها كاتب الدولة للتربية القومية والشباب والرياضة محمود المسعدي في سنوات 1958 و1959، وحاول فيها بتوصيات بورقيبية تجاوز هنات برامج التعليم التقليدي في مرحلتيه الابتدائية والثانوية، وجعله قريبا ومتاحا للمواطن التونسي، حيث كان بورقيبة يقول “يجب أن يكيف التعليم بما يمكننا من ملاحقة ركب الحضارة وتدارك ما فاتنا من مراحل، ونحن عازمون على ذلك مهما كانت التكاليف والاعتراف بالواقع مدعاة لتهيئة الأسباب لتغييره”، وكان العنوان العام لإصلاح محمود المسعدي هو إرساء الهوية التونسية بعد الانتهاء من مواجهة المستعمر.

التغييرات التي مست البلاد التونسية مع بداية الثمانينات، والمقتضيات التي فرضها انخراط البلاد في السياسة والاقتصاد العالميين حتّمت إجراء إصلاحات على التعليم وصفت من قبل أهل القطاع بأنها إصلاحات متسرعة تمت من دون استشارة المعنيين بالعملية التربوية (إصلاحات وزير التربية محمد الشرفي بين 1989 و1994)، وكانت خلاصة ذلك الإصلاح (مؤرخ في 29 يوليو 1991) ما ورد في مبادئه “تمكين الناشئة بما يجب أن تتعلمه حتى يترسخ فيها الوعي بالهوية الوطنية التونسية وينمو لديها الحس المدني والشعور بالانتماء الحضاري وطنيا ومغاربيا وعربيا وإسلاميا ويتدعم عندها التفتح على الحداثة والحضارة الإنسانية”.

وكانت أهم إجراءاته؛ إرساء التعليم الأساسي، وتعريب وتدريس المواد العلمية في الابتدائي والثانوي، وبث قيم التربية على حقوق الإنسان والحقوق المدنية فسميت مادة التربية الوطنية باسم مادة التربية المدنية وفصلت عن مادة التربية الإسلامية، وإنشاء إطارات التدريس والتفقد البيداغوجي. وأرست عنوانا قطع ما بلورته إصلاحات المسعدي، بأن طرح الإصلاح الأخير شعار “من الهوية الوطنية إلى الهوية الكونية”.

وبصرف النظر عن النقاش السياسي الذي ترتب آنذاك عن إصلاح الشرفي والذي تجلى خاصة في اتهام حركة النهضة للوزير بإحداث تغييرات في مناهج التربية الإسلامية، إلا أن الثابت أن الإصلاح أودى بالتعليم التونسي في منحدر سحيق لا للأسباب التي عارضته النهضة من أجلها، بل لأنه حصل دون تشخيص لمواطن الخلل في العملية التربوية، وتم من دون استشارة الأطراف المعنية، وأنجز دون مراعاة لواقع البلاد وخصوصياتها.

وتلا إصلاح الشرفي إصلاح آخر في زمن الوزير منصر الرويسي، عام 2002، وسمي “القانون التوجيهي للتربية والتعليم المدرسي” والذي نص على جملة من الإجراءات أهمها؛ مواكبة التطورات التربوية الدولية، وإرساء المقاربة بالكفايات وتوظيف التكنولوجيات الحديثة، واعتماد بيداغوجيا المشروع والتحفيز على اعتماد البيداغوجيا الفارقية، وإعادة النظر في التوجيه المدرسي والمسالك المؤدية إلى شهادة الباكالوريا تفاعلا مع سوق الشغل والتحولات الاجتماعية..

كان واضحا أن تونس أثناء إنجازها لإصلاحاتها التربوية خاصة مع الشرفي والرويسي، مشغولة بالمقتضيات الخارجية، الاقتصادية والسياسية، أكثر من تركيزها على الخصوصيات المحلية وحاجة المجتمع لتعليم يواكب تفاعلاته، لذلك غاب التشخيص وانعدمت الحوارات الوطنية المتصلة بالقضية.

عندما جاء الوزير الحالي ناجي جلول، وقدم ما يفيد رغبته في “تجديد المدرسة التونسية”، كان الوضع العام في البلاد متميزا بكونه يعيش إفرازات مرحلة الثورة، بما تعنيه من تداخل بين المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكذا صعود الفعل النقابي. تصادم الوزير مع نقابتي التعليم الابتدائي والثانوي، كان أبعد من مجرد توتر للعلاقة بين نقابة تدافع عن منظوريها وعن ضرورة إنجاز إصلاح تربوي حقيقي، وبين وزارة ترغب في تدارك التقهقر.

كان واضحا أن تونس أثناء إنجازها لإصلاحاتها التربوية خاصة مع الشرفي والرويسي، مشغولة بالمقتضيات الخارجية، الاقتصادية والسياسية، أكثر من تركيزها على الخصوصيات المحلية

كانت العلاقة المتوترة تعبر عن ترد كبير للعملية التربوية في تونس، بفعل التجارب والإصلاحات المرتجلة من ناحية، وبفعل ضغوط وضع البلاد من ناحية ثانية. لذلك كانت الخطوط العامة للإصلاح الذي نادى به جلول (مبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص، ومراجعة الخارطة المدرسية، وتطوير كفايات الموارد البشرية، وتطوير مكتسبات المتعلمين، وتطوير الحياة المدرسية، وإعادة هيكلة التعليم الإعدادي والثانوي، والتصدي للفشل المدرسي، وتطوير توظيف تكنولوجيات المعلومات في التعليم والتعلم)، تبدو خطوطا جريئة على المستوى النظري، إلا أنها اصطدمت في بعض تفاصيلها، مثل مسألة صرف منح المدرسين أو العطل ونظام الامتحانات، برفض نقابي قاطع من منطلق أن الوزارة غيبت الفاعل الأساسي في العملية التربوية وهو المدرس، ومن منطلق انتماء الوزير إلى منظومة سياسية ترى النقابة أنها ترهن البلاد وتعليمها لإملاءات مالية وسياسية خارجية.

إن وضع التعليم التونسي أخطر بكثير من الخلاف المستعر حاليا بين النقابة والوزارة، وهذا الخلاف لا يعدو كونه الجزء الظاهر من جبل الجليد، فأزمة التعليم التونسي تتطلب تشخيصا عميقا لتبين كل مفاصل الأزمة، ولتمثل الإصلاحات الممكنة وآفاقها. التعليم التونسي الذي كان في بداية الاستقلال الوطني بمثابة مصعد اجتماعي مكن أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة من الارتقاء الاجتماعي، وكان شاهدا على دور الدولة في توفير التعليم العمومي، يقف اليوم أمام تحولات كبرى تطرح أسئلة غائرة من قبيل؛ أي مستقبل للتعليم العمومي في ظل التحولات التي يعيشها العالم؟ وهل مازال التعليم مدعوا لأن يلعب دور المصعد الاجتماعي؟ وكيف يمكن التوفيق بين نجاعة التعليم العصري والمكلف السائد اليوم وبين حق الطبقات الفقيرة في التعليم؟

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر