السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

صور الحرب: تعذيب إباحي لم يستح منه أحد

  • كان المصورون، وفي الصدارة مصورو الحرب المبكرين، يعتقدون أن الكشف عن البشاعة بالصور سوف يقود إلى القيام بعمل ما، بل حلم بعضهم بعالم بلا حروب، غير أن حلمهم أصبح كابوسا، فالتوثيق لم يوقف الحروب بل حفز المتصارعين في ميدان المعركة على إظهار قسوة أكثر.

العرب لبنى الحرباوي [نُشر في 2017/03/18، العدد: 10575، ص(18)]

مأساة أكبر من الصورة

إذا كانت الحرب الأهلية الإسبانية هي أول صراع يتم تصويره على يد المصور الحربي المجري روبرت كوبا وغيره، بطريقة حديثة، بمعنى التقاط الصور عن قرب في ميدان المعركة، فإن الحرب السورية ربما تكون الصراع الذي يمثل ما بعد الحداثة فعلا، عندما يتعلق الأمر بصورها على الأقل.

تكمل الحرب القائمة في سوريا عامها السابع هذا الشهر، ومن أرض المعركة هناك كان العالم شاهد عيان عن أبشع مجزرة موثقة في التاريخ، ربما ليس لأن الفظاعات هناك فاقت الفظاعات السابقة لكن لأن التوثيق كان شاملا من جميع الأطراف المتقاتلة.

في هذا الصراع انخرطت الأطراف في منافسة شرسة حتى تظهر للعالم ويظهر كل طرف للآخرين كم يمكن أن يكون وحشيا.

وبمساعدة التقنيات الجديدة؛ كاميرات الهاتف الذكي، ومواقع التواصل الاجتماعي، تطوف صور الوحشية هذه جميع أنحاء الكوكب. وبهذا يجري قلب الدور التقليدي للتصوير الصحافي في الحرب رأساً على عقب، فبدلا من تعرية الفظائع وفضحها أصبحت الصور الآن بمثابة إعلانات ترويجية لهذه الفظائع.

وتقول مؤلفة كتاب “الإشعاع القاسي: التصوير والعنف السياسي” سوزي لينفيلد “هناك رعب مزدوج عند النظر إلى صور الجاني. الأول منها والأكثر وضوحا، أنها تعرض أشياء طاردة، أشياء مرعبة، أشياء لا تطاق، أشياء نود الاعتقاد بأن البشر لا يمكن أن يفعلوها حقا ببعضهم البعض. لكن هذا الشعور بالاشمئزاز يتكثف لدى معرفة أن هذه الصور لم تُصنع لغاية الاحتجاج على الشراسة، وإنما بقصد الحفاوة بها، أو توثيقها على الأقل. ويشهد وجود مثل هذه الصور في حد ذاته على حقيقة أن مثل هذه التصرفات يمكن أن تكون سببا للرضا، للفخر، أو للمجد أو حتى للتسلية”.

وتضيف “لعل هذا هو السبب في وجود الكثير من المقاومة لمشاهدة صور الجاني، والسبب في أنه عادة ما يجري وصفها بأنها صور ‘تعذيب إباحية’، وهو عذر قريب يريحنا من عبء مشاهدتها والتفكير فيها”.

أما الرعب الثاني وفق لينفيلد فيتمثل في أن “الصور تكشف عن المدى الرهيب الذي يمكن أن يبلغه اختلاف الناس، وكم من السهل إلى حد الرعب استبعاد الآخرين من فئة الإنسان”.

في الصراع السوري انخرطت الأطراف في منافسة شرسة حتى تظهر للعالم ويظهر كل طرف للآخرين كم يمكن أن يكون وحشيا

في العام الماضي حاول المصورون المحترفون في أسبوع بعنوان “أخلاقيات المهنة على أرض الواقع” على هامش جائزة “بايو” للمراسلين الحربيين في شمال غرب فرنسا الإجابة عن سؤال “كيف يمكن تصوير العنف بهدف إدانته دون صدم من سيشاهدون هذه الصور أو خدمة أهداف من يتسببون في العنف؟”.

قال المصور المكسيكي الموقع على صور في معرض يوثق حرب العصابات في أكابولكو، المدينة الأكثر خطورة في المكسيك برناردينو هرنانديز (48 عاما) الذي وصل يتيما إلى أكابولكو وهو في الثالثة من عمره، إن “أخلاقياتي تملي علي عدم عرض الجثث المشوهة للنساء والأطفال كاملة، فأنا أركز على التفاصيل، مثل الساقين المقيدتين لجثة ممددة على الرصيف”.

ويضيف “تظهر صور أخرى رجالا ممددين بالقرب من باب حافلة أو على غطاء طاولة، ودماء تسيل، وبتلات زهور البوغنفيلية التي ذرتها الريح. هذا يضفي جمالا على الصور رغم بشاعتها”.

بالنسبة إلى الفرنسي باتريك شوفيل (67 عاما) المعروف في مجال التحقيقات المصورة فيؤكد “ينبغي تصوير كل شيء من أجل الذاكرة الجماعية، من أجل المحكمة الجنائية الدولية، ولكن ليس نشر كل شيء، نحن هنا من أجل طرح الأسئلة وليس إحداث صدمة، البعض من أجل الشهرة مستعدون للذهاب أبعد مما ينبغي”.

لقد جذبت صور أطفال سويا التي لم تكن بصنع المؤثرات البصرية، العالم أجمع منها صورة الطفلة السورية التي جابت العالم، كانت الطفلة تحدق في عدسة الكاميرا معتقدة أنها سلاح، مما دفعها إلى رفع ذراعيها استسلاما. ظهر الخوف في عيني الصغيرة، وهى تحاول عض شفتيها، لمنع نفسها من البكاء.. لكن العالم كان يبتسم مما أخاف رعبها.

ما إن هدأت العاصفة المصاحبة لصورة الطفلة، حتى اجتاحت صورة الطفل إيلان كردي الذي قذفته الأمواج على الشاطئ بعد غرقه ضمير العالم.

وبعد فترة تداول الناس صورة الطفل عمران دقنيش (5 سنوات)، الذي عُثر عليه وسط الحطام في مدينة حلب السورية، والتي بدا فيها مذهولا والدماء تغطي وجهه.

أخيرا قبل شهر، تداول العالم أيضا صورة الطفل عبدالباسط السطوف، الذي بترت قدماه، معززة بمقطع فيديو يوثق صرخته “شيلني يا بابا”.

تنتشر مثل هذه الصور على الإنترنت كثيرا، ويشعر الجميع بأنّ الأمر فظيع ومُحزن، ولكن يستمرون في أعمالهم وحياتهم الطبيعية، فلا يوجد شيء آخر بإمكانهم فعله.

"تصوير العنف بهدف إدانته" مفهوم فضفاض أظهر قسوة الحروب

تقول نيكول تانج المُصورة الأميركية والحاصلة على عدة جوائز صحافية، والتي كانت صديقة مُقربة من مصور الفيديو جيمس فولي، الذي اختطفه تنظيم داعش وذبحه في 2014، ورأت العديد من جثث الأطفال “مقطوعي الرؤوس”، “يجب أن تراقب وسائل الإعلام مثل هذه الصور، لأنهم لا يريدون أن يخسروا جمهورهم، وهذا أحد مُسببات الضغط لدى المُصورين؛ أن لا تكون قادرا على عرض صورتك بدقة. وهناك خط رفيع حيث يصبح الشيء سرياليا إلى درجة أن لا أحد يريد تصديقه بعد الآن”.

يعمل المصور الحائز على جوائز صحافية بولنت كيلك، كمدير تصوير لصالح وكالة “أ ف ب” الفرنسية في تركيا، وقبل ذلك نفّذ العديد من مهمات التصوير الخارجية في سوريا وأوكرانيا، يقول “الصورة رسالة كبيرة إلى العالم، ولكن هل تعتقد أنّ مثل تلك الصورة سوف تُوقف الحرب في سوريا. فتحت أوروبا أبوابها العام الماضي أمام السوريين، ولكن ما زالت الحرب مُستمرة حتى الآن، وأنا أهدف بصوري التي صوّرتها إلى التأثير على الحُكّام الذين بدأوا مثل هذه الحرب. أنا لا أعتقد أن هذا من الممكن أن يحدث، ولكن إذا حدث ذلك وأثّرت تلك الصور على الحُكّام فربما يكون هناك سبيل لوقف تلك الحرب، حينها سوف تكون تلك الصورة قد أدّت مفعولها”.

إيما بيلز هي مصورة بريطانية تعمل بنظام القطعة، مقيمة في جنوب تركيا على الحدود السورية، وقامت بتغطية الصراع السوري منذ 2012 وتسافر غالبا داخل الأراضي السورية لتقوم بتغطية الصراعات على الأرض.

تقول إيما “أحيانا ما لا يكتب أو يقال هو ما يجعل للصورة رجع صدى عند الناس جميعا، فالفراغ الذي تتركه لديهم هو ما يجعلهم يستطيعون التخيُّل والتعاطف مع تلك الصورة من وجهة نظرهم، فبالنسبة إلى الآباء فهم يقارنون بين هذا الطفل وبين أطفالهم. أي صورة تُوضح معاناة الشعب السوري هي صورة مُفيدة، ولكنها ليست مسابقة في المعاناة. المشكلة الآن أنّ كل شخص يعبر عن قلقه لفترة قليلة ثم لا يحدث شيء بعد ذلك، ولقد رأينا مثل هذا من قبل. تستطيع الصورة أن تُظهر لنا الكثير، ولكن المعاناة التي تواجدت في سوريا لعدة سنوات الآن لا تستطيع تصويرها بصورة واحدة أو مُجرد مقطع فيديو، فأنت لا تستطيع وصف الجوع بكلمة واحدة، لا تستطيع وصف شناعة فقدان عائلتك بأكملها، أو أن تترك منزلك الذي عشت فيه سنوات كاملة من أجل أن تعيش في خيمة صغيرة”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر