الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

خطف السياسيين للمنابر يقلص دور الإعلام في صناعة الخبر

  • مع دخول السياسيين إلى ميدان الإعلام وامتلاكهم منابر مباشرة للتواصل مع الجمهور، يتلاشى دور الإعلام تدريجيا كناقل للحدث، فلا بد من التفريق بين الأخبار الخاصة، التي تبين البعد الإنساني في حياة الحكام، وبين تلك المتعلقة بالحكم، والدولة عموما، حتى يتمكن الرأي العام من مناقشة القوانين والقرارات الصادرة ونزع طابع القداسة عنها.

العرب خالد عمر بن ققة [نُشر في 2017/04/12، العدد: 10600، ص(18)]

ترامب ليس بحاجة إلى الإعلاميين

برزت ظاهرة الإعلاميين الدخلاء على الشاشات العربية منذ بداية الانتفاضات التي اجتاحت الدول العربية، واعتماد عدد من القنوات الفضائية على أخبار وصور من الميدان من خلال نشاط عامة الناس، على غرار ما بات يعرف اليوم بالصّحافي المواطن، دون التأكد من صدقها ومن جهة محايدة أو من الوكالات، أو حتى تصحيح الأخطاء عند الوقوع فيها.

ودفعت هذه الظاهرة خبراء الإعلام إلى التساؤل هل سينتهي دور وظيفة كُلّيات الإعلام، ومراكز التدريب، والمؤسسات الإعلاميَّة المختلفة في المستقبل؟

وزادت إشكالية الظاهرة مع الوجود المكثف للإعلاميين الدخلاء -الجدد في نظر البعض- في كل المجالات، وأخطرها مجال السياسة، ليس لكونه يمثل التوجهات العامة لطبيعة الحكم من جهة ومنظومة القيم من جهة ثانية، وإنما لأن الدخلاء هنا يملكون سلطة غير عادية، مصحوبة بنوع من الاستبداد في مجال الإعلام، أو نوعاً من السلطة المطلقة هي أقرب إلى الأوامر العسكريَّة منها إلى الاختيارات الكبرى للشعوب، إلى درجة يشعر فيها المراقب بأن أولئك الذي يكتسحون هذا المجال يلغون أهل الاختصاص، ويرفعون شعار نحن الإعلام، والإعلام نحن.

ما يقوم به سياسيون يشكل انتهاكا لدور الإعلاميين ومع الأيام سيكون الإعلام والسلطة السياسية شيئا واحدا

يشكل ظهور إعلاميين دُخلاء، في الوقت الراهن مدخلاً لإعادة النظر في طبيعة العلاقة القائمة بين السلطة وبين الإعلاميين، وهي ليست حالة عربية خالصة، ولكنها دولية، وحين وُظّفت في مواطنها الأصلية حققت نتائج، منها: التأثير في الانتخابات، وهو ما بدا جليا في التجربة الأميركية، سواء بفوز باراك أوباما، أو بفوز دونالد ترامب، ولكنها في دول أخرى لم تحقق نتائج أدت إلى تغيير ظاهر، وإن كانت قد أثرت في المسار العام للحياة السياسية، كما هو الأمر في الانتخابات الإيرانية، التي فاز فيها محمود أحمدي نجاد.

وتأخذ العلاقة بين الأنظمة الحاكمة والإعلاميين دائما جذبا وشدا، مدا وجزرا، سواء في الدول الديمقراطية أو الدكتاتورية، الجمهورية أو الملكية، وتضيق مساحة التعايش بينهما أو تتسع حسب التطورات التي تحدث في المجتمع، ولكن في الغالب يكون الإعلام ردّ فعل، وفي حالات قليلة يتحوَّل إلى فعل، والحالة التي يتم فيها التنافس بينهما هي عندما يتعلق الأمر بالقضايا العامة للشعوب.

ويحدث الصراع حين يزود طرف من السلطة وسائل الإعلام بمعلومات أو وثائق تدين أطرافا أخرى، أو حين يتمكَّن بعض الإعلاميين من تحريك ضمائر العاملين داخل مؤسسات الدولة، وما أقلهم، وهؤلاء تدفعهم إلى ذلك في الغالب عوامل قيمية وأخلاقية.

وتتراجع العلاقة بين الأنظمة والإعلاميين اليوم، لأن ما كان يجعلها تتواصل في الماضي، أمران: الأول الحاجة إلى التعايش، لأن كلا منهما ضروري في وجوده لبقاء الآخر، والثاني: أن الإعلام سلطة محتكرة لأصحابه، أي أنه يحافظ على تخصصه ومهنيته، وبغياب الأمرين السابقين، تداخلت السياسة بالإعلام، مثلما تداخلت معها القضايا الأخرى، وهذه تمت عبر “الإعلاميين الدخلاء”، وهنا تكمن الخطورة.

فعلى سبيل المثال حين يقوم رئيس دولة، ببث خبر على موقعه قبل أن يأتي من الناطق الإعلامي للحكومة، وتبثه وسائل الإعلام، وينطبق هذا على أي مسؤول آخر في الدولة، يكون بذلك قد مارس عملاً إعلاميا، أي أنه لم يكتف بوظيفته، وإنما استولى على وظائف الآخرين، وفي مجتمعات مثل مجتمعنا العربي، يتحول خبر الحاكم إلى شيء مقدس، وفي دول أخرى مثل: الولايات المتحدة الأميركية يصبح حديث وسائل الإعلام، وفي الحالتين، يتجه دور الإعلام من ناحية صناعة الخبر نحو التقلص.

العلاقة بين الأنظمة الحاكمة والإعلاميين تأخذ دائما جذبا وشدا، مدا وجزرا، سواء في الدول الديمقراطية أو الدكتاتورية، الجمهورية أو الملكية، وتضيق مساحة التعايش بينهما أو تتسع حسب التطورات

إن ما يقوم به بعض السياسيين اليوم -سواء أكانوا من صُنَّاع القرار أم من رؤساء أحزاب- يشكل انتهاكاً سافراً لدور الإعلاميين، ومع الأيام سيكون الإعلام والسلطة السياسية شيئا واحدا، مثلما انتهى دور وزارات الإعلام في معظم دول العالم، ومثلما يتراجع دور الناطقين باسم الحكومات ومؤسسات الدولة، وأيضا تقل المؤتمرات الصحافية للمسؤولين، وتنعدم حواراتهم مع وسائل الإعلام، خاصة المحلية منها.

ولهذا لا بد من إعادة النظر في الأخبار التي يبثها المسؤولون عبر التغريدات، من خلال حساباتهم، حيث لا بد من التفريق بين الأخبار الخاصة، التي تبين البعد الإنساني في حياة الحكام، وبين تلك المتعلقة بالحكم، والدولة عموما، أولا، من أجل المحافظة على التخصص في العمل السياسي والإداري، وثانيا: حتى يتمكن الرأي العام من مناقشة القوانين والقرارات الصادرة، ونزع طابع القداسة عنها.

ويظهر لدى السياسيين قلق عام، من التطور الجديد للنجومية، حيث لم تعد اليوم نابعة من قوة السلطة، ولا من تلبية حاجة عامة عبر نشاط خاص، مثل البطولات الرياضية، والنجاحات المتحققة في الفنون بجميع أنواعها، ولا من المنجزات العلمية والاختراعات التي تفيد البشرية، ولكنها آتية من ظهور مرئي لأشخاص فاعلين هم أكثر تأثيراً في الجماهير من الحكام، وهذا بقدر ما يسعد العاملين في الإعلام، بقدر ما يخلق لهم منافسة من أصحاب الحرف الأخرى سواء أكانت ذات طابع معنوي، معرفي، ثقافي، أم كانت ذات طابع مادي.

ولأن الأمر كله يتعلق بالحديث والتأثير من خلاله، فإن النجومية والقبول، وبعدهما المنافسة ثم الاستحواذ، ستكون لمن هُو أبلغ حجة، وأعلى صوتا، وقد يكون أحسن قواماً، وأكثر جمالاً وجاذبيةً، وهذه المواصفات في معظمها لإعلاميين دخلاء ليسوا أبناء المهنة. ومع هذه الانتقادات للإعلاميين الدُّخلاء في السياسة، إلا أنهم جزء من طبيعة مرحلة، وهم ظاهرة ستكبر مع الأيام.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر