الثلاثاء 12 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10840

الثلاثاء 12 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10840

لا سيطرة للصحافيين على التعرض للصور مع تدفق الأخبار

  • أصبحت الصدمات النفسية للصحافيين الذين يغطون الحروب والأزمات أحد عناصر عملهم، وحتى أولئك الذين يجلسون في غرف الأخبار لم يعد بإمكانهم اختيار ما يتعرضون له من صور صادمة بسبب التدفق الإخباري الهائل والحروب المتزايدة، الأمر الذي يضعهم في خط مباشر معها.

العرب  [نُشر في 2017/04/21، العدد: 10609، ص(18)]

تغطية الحروب تورث أمراضا نفسية

نيويورك - لطالما كانت الصور الصادمة جزءا من العمل الصحافي، ولكن في عصر كثافة المعلومات التي تتدفق في كل ثانية من الأربع وعشرين ساعة على مدار اليوم، يصبح أولئك الذين يعملون في وسائل الإعلام معرضين لأخبار سلبية لم يسبق لها مثيل، فيما الشحن العاطفي أمر لا يمكن الاستهانة به.

واتخذ غافين ريس من مركز “دارت” في أوروبا مبادرة لتحسين تغطية وسائل الإعلام للقضايا الصادمة، ولاحظ في البداية كيف يتعرض العاملون بغرف الأخبار لصور انفعالية. وقال في تقرير لشبكة الصحافيين الدوليين “لقد حدث ذلك سابقا.. كانت هناك صور مروّعة تم نشرها خلال حرب العراق الأولى والإبادة الجماعية في رواندا، ما اختلف الآن هو قوة المادة التي يتم التقاطها بوضوح تام من المستخدم لتصل إلى الصحافي”.

وكان الصحافيون سابقا قادرين على الاختيار بين ما إذا كانوا يريدون الذهاب إلى مناطق النزاع أم لا، لكن الآن لديهم سيطرة أقل على الصور التي يتعرضون لها.

ولا تزال العديد من مدارس الصحافة لا تعطي طلابها الفكرة الكافية عن التأثير الذي تحدثه التغطيات الصادمة على القراء والمراسلين في آن معا، لكن غرف الأخبار بخبراتها الطويلة في هذا الشأن بدأت بالتحسن في طريقة تعاملها مع الصور الصادمة وتبعاتها على موظفيها، وفقا لما أكده ريس.

وأضاف أن “الناس بدأوا يزدادون وعيا، نحن نميل للحاق بالركب بعدما تصاعدت المشاكل بشكل أكبر من السابق، وهذا الأمر حساس عندما يتعلق بأشخاص يعانون من مشكلة الصدمة لأن هذا يعد وصمة عار والناس لا يريدون الاعتراف بالضعف”.

ونوّه ريس إلى أن “الدراسات أظهرت أن الصحافيين يميلون ليكونوا أكثر ليونة من عامة الناس، لأنهم يميلون نحو الشعور بالهدف والإيمان بقيمة عملهم، ما يساعدهم على حماية أنفسهم من الأوضاع الضاغطة في العمل”.

واستدرك قائلا “مع هذا فإن الصحافيين ليسوا بمنأى تماما مع المعاناة من الآثار السلبية للتعرض الدائم إلى الصور الصادمة”.

غافين ريس: رؤية الناس لحقيقة ما يحصل في العالم قد تعني عرض صور مزعجة ومؤلمة

وتشير الإحصائيات العامة إلى أن الأمر المقلق هو أن الصحافيين الذين تتطور لديهم اضطرابات ما بعد الصدمة يتأخرون في الإبلاغ عن عوارضهم.

وكان دين ييتس، الصحافي بوكالة رويترز للأنباء، قد تحدث عن تجربته بعد 20 عاما من العمل على تغطية الحروب في آسيا والشرق الأوسط، وكانت نتيجتها الإصابة بمتلازمة إجهاد ما بعد الصدمة.

وقال بيتس “كانت الصور تتابع في ذهني من ذكريات الأحداث السابقة وهناك شعور بالقلق وبلادة المشاعر واضطراب في النوم لاحقتني لفترة طويلة. وكنت أهوّن من الأعراض بل وأنكرت وجود المشكلة أصلا”.

وأضاف ييتس في مقال مطول عن رحلته العلاجية “لم يخطر ببالي أنني قد أصاب بالمتلازمة؛ فقد كنت هادئا وعقلانيا وحاسما في اتخاذ القرارات. وكنت استمتع بقيادة فريق كبير من الصحافيين. وشعرت بأن بوسعي الانسلاخ عن المواقف الصعبة عند الضرورة”.

ولم تمنع صلابة ييتس من مطاردة الصور له، ويقول “العشرات من المشاهد والأصوات والروائح أصبحت محفورة في ذاكرتي وبعد خمسة أشهر أصبحت نزيلا في أحد مستشفيات الأمراض النفسية”.

وتنتج متلازمة إجهاد ما بعد الصدمة نتيجة التعرض لحدث منفرد شديد الوطأة على النفس أو نتيجة تراكم تجارب شديدة الإيلام.

وهذا المصطلح نفسه حديث نسبيا. فقد ظهر أول مرة في عام 1980 في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وهو المرجع الأميركي للطب النفسي الحديث. وتحقق ذلك بعد ضغط مارسته منظمة قدامى المحاربين الفيتناميين ضد الحرب وأطباء علم النفس الذين عالجوا الجنود الأميركيين العائدين من حرب فيتنام من مشاكل نفسية.

ويؤكد مركز دارت للصحافة والصدمات النفسية، وهو مشروع تابع لكلية الصحافة بجامعة كولومبيا في نيويورك، أن أقلية ليست بالهيّنة معرضة لخطر الإصابة بمشكلات نفسية في الأجل البعيد بما فيها متلازمة إجهاد ما بعد الصدمة والاكتئاب والإدمان.

وينصح المركز الصحافيين بالحصول على فهم أفضل حول كيف يتفاعل العقل والجسد مع محفزات الصدمة، حيث تمكن هذه المعرفة من مساعدة الصحافي على إدراك ما إذا ما كانت مشاعره بداية لعوارض اضطرابات ما بعد الصدمة.

ويشير ريس إلى أن التعرض لصور صادمة يميل إلى جعل الناس يشعرون بالعاطفة والخدر، ولكن هذه المشاعر ليست بالضرورة غير طبيعية.

وينوّه إلى أن إشارة واحدة بأن الصحافي بدأ يعاني من اضطرابات ما بعد الصدمة هي البدء في عدم الثقة بزملائه.

ويوضح “دماغهم يستجيب للأوضاع العنيفة أمامهم. إذا خسرت الشعور بالأمان على نطاق واحد خلال رؤيتك لهذه الصور، فإنك تميل إلى الشعور بعدم الأمان حول أمور أخرى أيضا، مثل ما إذا كان بإمكانك الوثوق بزملائك أو إدارتك”.

ومن المهم أيضا أن يدرك المدراء هذه المسائل كي يشعر الموظفون بأمان أكبر.

ويقول ريس “إن المدراء الأفضل الذين توصلنا إليهم كمثال هم منفتحون على هذه القضايا ولا يخشون الاعتراف بردات فعلهم حول المواد القوية”.

وتتطور الممارسات الإعلامية بشكل أفضل نحو حماية كل العاملين بمجال الأخبار والجمهور من الصور الصادمة. فالتطور في الابتكارات التكنولوجية، التي يمكن أن تعرض صورا صادمة تلقائيا، يمكن أن يساعد المشاهدين من خلال تحذيرهم.

ورغم ذلك فإن ريس يعتقد أن غرف الأخبار لازالت بحاجة إلى العمل على الموازنة بين واجبها في إعلام الجمهور وحماية صحافييها والناس من الصدمة.

ويرى أن “هناك أوقاتا تكون فيها رؤية الناس لما يحصل حقيقة في العالم تعني عرض صور مزعجة ومؤلمة”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر