الاحد 23 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10611

الاحد 23 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10611

الإعلام غير قادر على التخلص من سخريته في عالم أضحى جديا

  • ضمن برنامجها الكوميدي الجديد (Revolting) “ريفولتينغ”، عرضت قناة “بي بي سي2” أخيرا مقطعا مصورا بعنوان (The Real Housewives of Isis) “الزوجات الحقيقيات لتنظيم داعش” يسخر من زوجات مقاتلي تنظيم داعش. وحظي المقطع المصور بانتشار واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه قسّم الرأي العام بحدة وأعاد النقاش بشأن دور السخرية وحدودها في مقاربة القضايا الحساسة. كما طرح مسألة المواجهة بين البرامج الكوميدية التقليدية وتلك الحديثة التي تتسّم بجرأة أكبر وبالخروج عن معايير “الاحترام” التقليدية.

العرب  [نُشر في 2017/01/07، العدد: 10505، ص(18)]

واقع ساخ

لندن - من تابع المسلسل الأميركي الناجح (The real housewives of beverly hills) “ربات البيوت الحقيقيات في بفرلي هيلز”، سيشدّه كثيرا عنوان الحلقة الجديدة من سلسلة ريفولتينغ التي تقدّمها قناة “بي بي سي2” بعنوان “ربات بيوت تنظيم داعش الحقيقيات”.

العنوان يستعيد المسلسل الذي سلط الضوء على حياة ربات المنازل الأميركيات غير التقليديات، ولكن بنسخة “داعشية”.

وتتابع الحلقة بأسلوب شديد السخرية حياة عدد من زوجات مقاتلي داعش، ليبدو شكل الأحاديث وطبيعة العلاقة بينهن أشبه بالنسخة النيويوركية (أو البريطانية) للمرأة، فطبيعة الأخيرة هي نفسها أينما كانت، فيما تختلف الظروف واهتمامات الرجال التي تحاول الزوجة مجاراتها.

وتروي سيدة أمام الكاميرا بلكنة بريطانيّة خالصة “لقد ترمّلت خمس مرات”، وتنطلق أثناء كلامها قنبلة في بناية متداعية قريبة، فتستدرك قائلة “ست مرات”، قبل أن يدوي انفجار في الغرفة فتقول بسخرية “ست مرات”، في دليل على وفاة زوجها في تلك اللحظة.

ولا يبدو أنها تهتم كثيرا بوفاته، فالعلاقات في ذلك المحيط لا تستند إلى المنظومة القيميّة نفسها التي تحكم مفاهيم الحب والزواج والتمسك بالرجل، بحسب ما يظهره الفيديو.

وتقول أخرى “أنا سعيدة لأنني انتقلت إلى هنا، كل ما قالوه لي في غرف التواصل وجدته هنا، لم تكن هناك مفاجآت..”، في إشارة إلى الجهاديات البريطانيات اللاتي سافرن إلى سوريا، بعدما تثقفن حول تنظيم داعش عبر الإنترنت، وبعد ذلك تظهر وهي تمسح أرضية منزل متداع بفعل التفجيرات، وتحدث نفسها قائلة “لم أكن لأفعل هذا في برمنغهام”.

وتظهر سيدة أخرى تقوم بالتقاط صورة “سيلفي” لها قبل أيام من عملية ذبح، وتقول لنفسها “ليس لدي ما أرتديه”، في إشارة إلى المسلسل الأميركي المعروف الذي تتحدث فيه النساء الثريات عن الأزياء.

ويدور جدال بين الفتيات، مثل النساء في المسلسل الأميركي، قبل أن تحضر جهاديات وهن يحملن الرشاشات.

ستيفان نايت: برامج السخرية العادية كالتي يقدمها جون ستيوارت وشارلي بروكر فقدت قدرتها على التأثير

وشد المتابعين مشهد زينب (إنجي موهيندرا) عندما قامت بتجريب حزام ناسف على إحدى زميلاتها التي ظهرت بصدد تجهيز الهاتف لتُحمّلا معا الصورة على إنستغرام.

وفي مشهد آخر، تحترق زوجة بنار الغيرة بسبب هوس زوجها بـ”40 حورية” (في دليل على ما يعتقد الانتحاريون أنهم سيحصلون عليه في الجنة)، وتفرح أخرى لأن زوجها أطال السلسلة التي يربطها بها في المنزل، فأصبح بإمكانها الخروج إلى الشرفة!

وكتب كل من هايدون براوس وجوليون روبنشتاين حلقات البرنامج، وهما ممثلان ومخرجان بريطانيان كانا قد أثارا جدلا واسعا في برامج ساخرة، وأبرزها “الثورة عندما تصبح متلفزة”.

وفي مقابلة مع صحيفة “إيفننغ ستاندرد” يقولان إن “أسوأ الأمور تنتج أكثر الظواهر القابلة للسخرية”.

ووجد الثنائي، الذي فاز بالعديد من الجوائز، منها جائزة بافتا، وتجمعه الصداقة منذ سنوات، نفسه في مواقف جدليّة عدة، إذ لم ترحم تعليقاته لا الداخل البريطاني ولا الخارج.

ويقول روبنشتاين إن “هذه البرامج لا تغير العالم، وإنه لا يعاني من أوهام العظمة”. ويضيف أن كل ما في الأمر هو أن “العالم أصبح جديا للغاية في الأمور السياسية”، و”مهمتنا أن ننتقد الجميع”.

وأضاف روبنشتاين لصحيفة “آي” البريطانية، “من المهم ألا تتردد عندما يتعلق الأمر بالسخرية”، وأكد “يجب ألا تخاف وإلا فمصداقيتك سيتم تقويضها”، وتابع “لا تمكنك ملاحقة ديفيد كاميرون لخمسة أعوام كما فعلنا، ونخاف من ملاحقة الدولة”.

وتابع أن “الهدف هو طريقة التجنيد عبر الإنترنت، ولهذا فإن البرنامج هو عن الشخصيات الضعيفة، وقمنا بإعداد (الأرملة البيضاء) عن (المتهمة بالإرهاب سامنثا ليثوايت)، وهذا يحدث للنساء هنا”.

وقد يجيب ما قاله الشابان على موجة الانتقادات الواسعة التي طالتهما بعد نشر حلقة “زوجات داعش الحقيقيات”، لا سيما وأن واقع النساء الموجودات ضمن تنظيم داعش شديد الحساسية والرعب.

هؤلاء إما سبايا وإما فتيات تمّ التغرير بهن ليجدن أنفسهن في واقع يفتك بالنساء.

وفي وقت سابق، كانت قد انتشرت تسجيلات عدة يظهر فيها عناصر داعش وهم يتناوبون على امرأة أو يعذبونها. أما شهادات الفتيات الإيزيديات اللواتي استطعن الهرب من هذا الجحيم فخير دليل على بشاعة هذا الواقع.

وأجمع كثيرون على انتقاد الحلقة لاعتمادها السخرية في غير محلها، حيث رأى جزء منهم أن فيها إهانة لضحايا داعش من الفتيات اللاتي بحوزة التنظيم الآن، وإلى أهاليهن، كما لمن فقد ابنة أو عزيزا على أيدي هذه العناصر المتطرفة، مسلما بأن هؤلاء “لن يضحكوا”.

وفوجئ آخرون بتدخل “بي بي سي 2 المهنيّة في هذا المجال”، كما استغربوا من “الاستخفاف بعمليات الاغتصاب والذلّ التي تحصل لدى داعش”.

عدد المشاهدات لمقطع الفيديو على صفحة بي بي سي 2 الرسمية على موقع فيسبوك تخطى 21 مليون مشاهدة

“عرض برنامج حول تنظيم إرهابي يمعن في قتل الناس ليس مادة كوميدية إطلاقا”،”لا ليس ذلك مضحكا أبدا بل معيب”، هكذا انهالت التعليقات على فيديو الدقيقتين الذي نشرته بي بي سي2 على حسابها على فيسبوك وتخطت مشاهداته 21 مليون مشاهدة مع الآلاف من المشاركات.

واجتمعت العديد من كبريات الصحف البريطانية كـ”التلغراف” و”الغارديان” و”الإندبندنت” و”الدايلي مايل” على متابعة العراك الحاصل بشأن الفيديو، بينما أشارت بعض المقالات إلى دور الحلقة في تعزيز “الصورة النمطية” عن الإسلام، وفي ترسيخ ظاهرة “الإسلاموفوبيا”.

وفي المقابل، وتحت عنوان “لماذا نحتاج إلى الزوجات الحقيقيات لداعش”، كتب ستيفان نايت قائلا إن برامج السخرية العادية كالتي يقدمها جون ستيوارت وشارلي بروكر فقدت قدرتها على التأثير، لا بل أخذت طرفا محددا مع اليمين في حربه على الإرهاب الإسلامي. ولهذا رأى أن هذا النوع مطلوب لقدرته على المفاجأة والتغيير.

كما كتب تيم بونشي “هذا رائع.. العالم ينزعج من السخرية غير المطابقة للمواصفات. لكن ذلك جريء وممتع.. فحتى المسلمون سيحبونه”.

ومن بين الذين علقوا أيضا وسيم خان، الذي كتب “هذا ليس سخرية، وليست لدي مشكلة مع السخرية (وأستمتع بالسخرية الجيدة، مثل “أربع أسود”)، لكن هذا جهد فقير، فهو لا يسخر من الاضطهاد الحقيقي الذي تعاني منه المرأة في ظل تنظيم داعش، لكنه كتب بطريقة فقيرة، وهو سيء بدرجة يبدو فيها (سيتزن خان) جيدا”، وسيتزن خان هو مسلسل كوميدي آخر شخصيته الرئيسية مسلم اسمه خان.

وقال سيّد حسين “أنا مسلم ولن أكذب عليكم.. لقد ضحكت كثيرا”. واحتفى علي، الكوميدي البريطاني من أصول عربية، بالفيديو قائلا إنه “ذكي جدا وأن السخرية على داعش تفيد كثيرا خاصة في توعية الجيل الشاب”.

ويذكر أنه في المملكة المتحدة أصبح الحديث في موضوع “زوجات الإرهابيين” حساسا للغاية خاصة بعد وفاة فتاة بريطانية (17 عاما) في أغسطس 2016 بسبب القصف الروسي. وكانت الفتاة قد التحقت قبل وفاتها بتنظيم داعش في سوريا، وقالت لعائلتها إنها تخطط للفرار والرجوع إلى بريطانيا.

وفي ديسمبر 2016 قالت السلطات البريطانية، إن نحو 56 امرأة غادرن المملكة المتحدة عام 2015 للالتحاق بتنظيم داعش في سوريا. وأعلنت فرنسا أن 220 امرأة فرنسية اتخذن خيارا مماثلا في نفس الفترة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر