الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

'ما بعد الحقيقة' معيار قلب قيم الإعلام رأسا على عقب

  • اتسم عام 2016 بسيادة خطاب سياسي واجتماعي مشحون، مكن مصطلح “ما بعد الحقيقة” من انتزاع موقع له في وسائل الإعلام، خاصة في ظل صعود نجم شبكات التواصل الاجتماعي لتكون من أهم مصادر الأخبار التقليدية.

العرب  [نُشر في 2017/01/11، العدد: 10509، ص(18)]

وراء الصورة حقيقة أخرى

باريس - عقب التصويت على البريكست (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) وانتصار المرشح الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية بالولايات المتحدة الأميركية، هل يكون الإعلام الفرنسي رقعة الشطرنج المقبلة للعبة “ما بعد الحقيقة”؟.

لم يكن اختيار قاموس أكسفورد لمصطلح “ما بعد الحقيقة” عبثا. فالمصطلح يُشير إلى ازدياد ميل الناس إلى تشكيل آرائهم وقناعاتهم؛ بناء على المشاعر، أكثر منها على الحقائق، في ما يتعلق بالشؤون السياسية والعامة؛ فيزداد رفض الناس لتقبّل الحقائق، وقبول الكذب وحتى المفضوح منه، وهو ما يرتبط بشكل واسع بما تروج له وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، التي باتت تغلب عليها الشائعات أكثر من الحقائق مع قبول الناس لهذه الشائعات بشكل مثير للدهشة.

وقال رئيس موقع قواميس أكسفورد، الذي تديره جامعة أكسفورد، كاسبر غراثوول، إن انتشار مصطلح “ما بعد الحقيقة” اتسع بصفة خاصة في يونيو الماضي مع الاهتمام الذي أثاره الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وفوز ترامب بترشيح الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة.

وفي بداية يناير الحالي، دقت صحيفة لوموند الفرنسية أجراس الخطر “باعتبار أن ظاهرة ما بعد الحقيقة تعني الجميع، ونحن في سنة تتميز بالعديد من الحملات الانتخابية المحددة”، مع اقتراب فرنسا من الانتخابات الرئاسية في أبريل ومايو 2017.

وقالت لوموند في افتتاحيتها، إن تعميم المعيار ما بعد الحقيقة يهمّنا جميعا، وأولنا الصحافيون والعاملون في مجال الإعلام، سواء كانوا أوروبيين أو أميركيين أو أفارقة أو آسيويين، لأن هذا المعيار قلب رأسا على عقب المحيط الذي نشتغل فيه والقيم التي نستند إليها.

ففي قاعدة عمل وسائل الإعلام توجد الوقائع التي يفترض أنها تنقلها ثم تتولى التعليق عليها في ما بعد، والوقائع تساهم في بناء الحقيقة. وفي هذا السياق، يحدث أن تنقل وسائل الإعلام وقائع خاطئة، وهذه الأخطاء، مبدئيا، تكون غير إرادية ويتم تصحيحها عن بعد.

لكن في عهد “إعلام ما بعد الحقيقة”، والمسمّى أيضا “إعلام ما بعد الوقائع”، لم تعد الحقيقة هي القيمة الأساسية أو القيمة التي تشكل القاعدة. والوقائع لم تعد رئيسية والشخصيات العامة أصبح بإمكانها أن تعلن عن أخبار زائفة وهي واعية بذلك. وهذا ما حصل مع الرئيس المنتخب دونالد ترامب، الذي سيتم تنصيبه في 20 يناير الجاري، والذي شاهد بداية ازدهار ثروته السياسية، منذ سنوات، عندما أطلق “خبرا” حول الرئيس الحالي أوباما بأنه لم يولد في الولايات المتحدة، بل في كينيا موطن والده، وهو الشيء الذي كان بإمكانه أن يضرب شرعيته كرئيس للبلاد، ولم يفعل أي شيء إلا في نهاية الحملة الانتخابية 2016، عندما انتهى به الأمر إلى التسليم، دون الاعتذار، بأن أوباما ولد فعلا في الولايات المتحدة.

الكذب الصريح في أقوال ومواقف السياسيين يبدو أنه سيكون المسار الصاعد في عالم اليوم وسط تأييد جمهور عريض

يلعب البعض في فرنسا اللعبة نفسها، فالإشاعة التي يتم تناقلها عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي قدمت آلان جوبيه على أساس أن اسمه الحقيقي هو “علي جوبيه”.

إن الوقائع المقدمة زائفة وعن عمد، غير أن الخبر الزائف يأخذ طريقه الإعلامية إلى أن يفرض نفسه على الخطاب العام.

وبعيدا عن وسائل الإعلام، نجد أن خبر ما بعد الحقيقة يعني الفاعلين السياسيين أيضا، إما لأنهم قد يسقطون في إغراء استعماله وإما لأنهم قد يكونون هدفا له.

وهذا يطرح تحديا أدبيا وأخلاقيا على المسؤولين عن مقاولات التكنولوجيا من قبيل غوغل وفيسبوك وتويتر، التي تنشره، وقد تأخرت كثيرا في التحرك ضده، فهذه المقاولات تساهم في استهلاك المعلومة عبر “فقاعات إدراكية”، حيث يتقوقع كل واحد على شرنقة قناعاته الخاصة.

واختلف الكثيرون حول أول من استخدم مصطلح “ما بعد الحقيقة” ما بين المسرحي الصربي الأميركي ستيف تشيت عام 1992 والصحافي الأميركي إريك الترلمان عام 2004 في كتابه الذي يفند أكاذيب جورج دبليو بوش للترويج لغزو العراق، أو المدون ديفيد روبرتس الذي يقال إنه أحيا المصطلح عام 2010 في مدونته بصحيفة “نيشن”.

لكن اتفق الجميع على أن المصطلح تعمق تداوله واستخدامه لتوصيف الحالة السياسية والإعلامية خلال حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حيث صارت معلومات مغلوطة يتم تداولها في وسائل التواصل الاجتماعي من على شاكلة أن بريطانيا تدفع للاتحاد الأوروبي 350 مليون إسترليني في الأسبوع! وأن الخروج يوفر هذا المبلغ، وغيرها من الحقائق المغلوطة التي فشلت كل إمبراطوريات الإعلام التقليدية في دحضها.

المثال الثاني الذي راكم استخدام المصطلح، هو المعلومات التي كان يجري تداولها خلال الحملة الانتخابية للمرشح الرئاسي الأميركي ترامب، عندما وجد موقع “بوليتيفاكت” “كذب” أو “كذب فاضح” في 70 بالمئة من تصريحات المرشح، وأن الكذب الصريح في أقوال ومواقف السياسيين يبدو أنه سيكون المسار الصاعد في عالم اليوم وسط تأييد جمهور عريض.

لا أحد من الناخبين الأميركيين الذين اختاروا ترامب رئيسا للولايات المتحدة صدق أنه سيطرد المهاجرين غير الشرعيين، ويبني سورا عازلا مع المكسيك ويشن حربا تجارية على الصين، ويقضي في ظرف شهر واحد على داعش، ومع ذلك فضلوا البرنامج الذي يستحيل تطبيقه على البرنامج الذي لا يعد بحلول جذرية.

وعلق الفيلسوف الألماني بتر سلوتردايك على هذه الظاهرة، بقوله إن الديمقراطيات الغربية أصبحت في وضع رواق مرضى السرطان الذين فقدوا الثقة في الأطباء واتجهوا إلى المعالجين بالوصفات السحرية الخارقة بحثا عن أمل مستحيل، ومن هنا كان المأزق الجوهري المتولد عن انهيار مسلّمة “عصمة الأغلبية العاقلة”، التي هي الفكرة الأساس التي تأسست عليها الديمقراطية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر