الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الصحافة الحزبية كتبت نعيها مع خذلانها للشارع المصري

  • فقدت الصحافة الحزبية دورها الذي كان بمثابة لسان حال الفئات المعارضة وتخشاها الحكومة بمختلف مؤسساتها، مع التصاقها بقادة الحزب وصراعاتهم، وغيابها عن مشكلات المواطنين المصريين.

العرب أميرة فكري [نُشر في 2017/01/12، العدد: 10510، ص(18)]

وفاة الصحافة الحزبية

القاهرة - أصبحت فكرة التبعية أو ارتباط الصحيفة بالحزب بجميع توجهاته وسياساته، تمثل إحدى المشكلات التي طاردت الصحف الحزبية منذ زمن، وقضت على جزء كبير من شعبيتها، لا سيما بعد أن بات الكثير من قيادات الأحزاب، يقومون برسم السياسة التحريرية للصحيفة التابعة لهم، حتى لو كانت تتعارض مع القواعد والتقاليد المهنية الصحافية، الأمر الذي حوّلها إلى صحافة موجهة ودعائية.

وتعاني العديد من الصحف الحزبية في مصر من مشكلات مادية وتحريرية أدت إلى انصراف عدد كبير من المحررين والعاملين فيها، فضلا عن هجرة القراء عنها، وأبرزها “صحيفة الوفد” الناطقة باسم حزب الوفد الليبرالي ، و”صحيفة الأهالي” التابعة لحزب التجمع اليساري، و”صحيفة الكرامة” لحزب الكرامة الناصري.

ويرى مراقبون أن ضعف الأحزاب السياسية، التي كانت تقوم بدور المعارضة الحقيقية للأنظمة الحاكمة، يعد سببا رئيسيا للفجوة الراهنة، فقد أصبحت تدور في فلك النظام وتمتدح توجهاته وسياساته بعكس الماضي، وهو ما زاد من أزمات صحفها، وأدى إلى تراجع التوزيع واختفاء أخرى في ظروف غامضة وتحوّلها إلى نصف شهرية أو شهرية.

وأيّد محمود علم الدين أستاذ الصحافة والإعلام بكلية الإعلام جامعة القاهرة، ارتباط التراجع غير المبرر للأحزاب بغياب دور الصحافة الحزبية على الساحة الإعلامية في مصر، لأن الأحزاب نفسها غير مرتبطة بالواقع الذي تعشيه البلاد، رغم أن صحفها كانت فاعلا أساسيا في التمهيد لثورة 25 يناير 2011 على نظام حسني مبارك.

وأضاف لـ”العرب” أن الصحافة الحزبية “غير مستقلة”، وبعدما خذلت الأحزاب الشارع واختفت عن المشهد وقررت الانزواء التام عن المشكلات ومواجهتها، عاقب الناس صحافتها برفض وجودها من الأساس.

وكانت الصحافة الحزبية، قبل الانتشار الواسع للفضائيات والصحف الخاصة، بمثابة الإعلام المعارض الذي يواجه الصحف الحكومية في تمجيدها وترويجها للنظام الحاكم، ما جعلها لسان مختلف الفئات المعارضة وتخشاها الحكومة بمختلف مؤسساتها لأنها أخذت مساحة واسعة من اهتمام القراء، إلى الدرجة التي وصلت فيها البعض من هذه الصحف (الوفد مثلا) لتكون أهم وأقوى من الحزب في الشارع، وأطلق عليها صحف بلا أحزاب.

محمود علم الدين: الصحافة الحزبية اختفت عن المشهد وقررت الانزواء التام عن المشكلات

بدأ تراجع الصحف الحزبية مع التهاوي الحقيقي لأحزابها وكثرة خلافات قياداتها، وتحولها من مقار للمعارضة إلى مجرد صحف، ثم ظهرت الصحافة والفضائيات الخاصة بتمويلات ضخمة مقابل تراجع تمويل الأحزاب لصحفها، ما أدخلها دائرة الانهيار.

وقال متابعون لأزمات الصحافة الحزبية، إنها كانت ضحية للعبة السياسية في مصر التي كانت تقتل كل صوت معارض ولا تعرف صحافة الرأي الآخر، ما تسبب في وجود تضييق في الإعلانات وعدم الفوز بسبق صحافي يزيد من نسبة توزيعها، وما لبثت أن أصبح اقتصادها قائما بالأساس على تمويل الحزب واضطرت إلى أن تتحول إلى نشرة سياسية له، دون الاهتمام بالقارئ لاشتداد قبضة رئيس الحزب عليها، لأنها سلاحه الرئيسي في مواجهة معارضيه.

لكن علم الدين استبعد أن تكون للحكومة يد في اندثار الصحافة الحزبية، لافتا إلى أن الأحزاب تنشأ من نبع المواطن وما يعيشه وتنمو من خلال مساندة هذا المواطن مع الطريقة التي تسير عليها الأحزاب، مضيفا أن مصر فيها ما يقرب من 120 حزبا “على الورق” لا يقدمون أي دور جماهيري، وهذا ليس ذنب الحكومة، بينما لا توجد خمس صحف حزبية تصدر بشكل منتظم.

وعاشت الصحافة الحزبية أزهى عصورها خلال فترتي الثمانينات والتسعينات، حيث كانت الأحزاب قوية آنذاك، مثل الوفد والتجمع والأحرار والشعب والعربي الناصري، ولم تكن ظهرت بعد الصحف المستقلة، وبالتالي كانت الصحف الحزبية تعبر عن رأيها وتدعم أفكارها وتروج لها، وأخذت مواقف جادة ضد سياسات النظام الحاكم، ولعبت دور المعارض الشرس، وغطت على ضعف الأداء الحزبي في الشارع المصري.

وصرح محررون في صحف حزبية، بأن الإمكانيات المادية السبب الأبرز في “وفاة صحافة الأحزاب”، لعدة أسباب، أهمها أن رجال الأعمال وأصحاب الشركات يفضلون الإعلان في الصحف القومية لأنها أكثر توزيعا أو لإيمانهم بأنهم قد يتعرضون لمضايقات حكومية إذا ذهبوا للإعلان في الصحافة الحزبية.

ويبرز السبب الآخر والأهم، أن تعديلات قانون الأحزاب التي أقرت بعد ثورة 30 يونيو 2013، منعت الأحزاب من أي نشاط اقتصادي يدر عليها ربحا، ما مهد لضرب الصحافة الحزبية في مقتل، وأضعف توزيعها، مقابل دخول رجال أعمال لهم ثقل اقتصادي في مجال الصحافة والإعلام، وهؤلاء قضوا على آخر أمل لعودة الصحف الحزبية مرة أخرى.

وقال محمد المرسي أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، إن وجود صحافة حزبية يعني أن هناك أحزابا قوية لأنها من تخلق الصحافة وليس العكس، لكن التوجهات الحالية للكثير من الأحزاب جعلت صحفها بعيدة عن الشارع، وتنتهج سياسة تحريرية لم يعتدها القراء.

وأضاف لـ“العرب” أن هناك فهما خاطئا للصحيفة الحزبية في مصر خلال السنوات الأخيرة، فبدلا من أن تعبر عن الناس، أصبح ما تنشره متفقا مع رأي الحزب دون هامش من الاستقلالية، كما أن عدم قدرة الكثير منها على دفع رواتب المحررين والعاملين أو مواجهة التكاليف المرتفعة للطباعة بعد ارتفاع أسعار الخامات، جعلها تختفي بهدوء ولم يعد لها وجود، وبعضها تحوّل إلى الاعتماد على الإثارة فقط.

وأشار إلى أن قطاعات عريضة من المصريين كانت من الممكن أن تقبل فكرة اختفاء الأحزاب من المشهد السياسي، لكنها لم تتعود أن تختفي الصحافة الحزبية التي لها تاريخ طويل في الحرب على الفساد، وبعضها تسبب في إقالة مسؤولين وحبس آخرين، عندما كانت تتحدث بلسان الفقراء والمظلومين.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر