الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

نظام ما بعد الغرب.. روسيا وهي ترى العالم من جديد

لافروف يقترح نظاما عالميا يريح اليمين الغربي بمجمله، ويجعله في حل من التزاماته الدولية، والقيود الأخلاقية التي كبّلت سياساته.

العرب فارس الذهبي [نُشر في 2017/03/12، العدد: 10569، ص(7)]

شبكة دولية جديدة تستثمر في أخطاء أميركا وأوروبا

عمان - فاجأ الوزير المكلف بالشؤون الخارجية الروسي سيرجي لافروف، الأسبوع الماضي الجميع بإعلانه عن مقترح براغماتي بإعلان رؤية روسيا بوتين القادمة للعالم ما سمّاه بـ”نظام ما بعد الغرب”.

وهو إذ يوجه خطابه الذي ألقاه في مؤتمر ميونيخ للأمن، من قلب العالم الغربي المنتشي سابقا بانتصاراته العسكرية، خاطب بقوة إدارة الرئيس ترامب الذي بدأ بسرعة بترتيب أوراق البيت الأميركي الداخلي في ما اعتبره كثيرون بدء العزلة الأميركية، ومرحلة الجباية العالمية أو تقديم الجيش الأميركي كبندقية للإيجار لمن يحب، ضمن سلسلة المصالح الجيواستراتيجية الأميركية.

بوتين وفريقه السياسي يدركان بشدة ماهية السنوات القادمة وحجم الضغوط الاقتصادية الكبيرة التي تتناوب على العالم الحر الذي يقود البشرية ابتداء من الحرب العالمية الثانية ومن ثم التفرد الكبير للقطب الواحد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة.

ولذلك لم تكن القراءة الروسية إلا تلخيصا وغزلا لترامب في ما يخص تقاسم العبء العالمي لحفظ الأمن والسلم الدوليين وضمان تدفق التجارة والطاقة حول العالم.

فالجميع بات يدرك، اليوم، حجم الخطورة الكبيرة في التحرك منفردا لتحقيق الثنائية الصعبة، الأمن والمصالح الاقتصادية، في ظل عنصر قادر على التعطيل والتخريب واللعب بالاتجاه المعاكس.

بعد التجربة العراقية والإنهاك الذي أصاب الجيش الأميركي جراء العمل ضد المصالح الأميركية في العراق من قبل روسيا وإيران والنظام السوري، بدأت القوى العالمية تحسب طويلا حسابات الربح والخسارة في أي تدخل دولي أو أممي.

وكان الامتحان الحقيقي في سلسلة الثورات العربية وعدم قدرة إدارة أوباما على ضبط الدومينو وتوجيهه في الاتجاه الذي تريده واشنطن دون استخدام القوة، حتى جاء التدخل الأممي في ليبيا على شكل ضربات جوية فقط، دون مسك للأرض، مما جعل البلد يدخل في مرحلة اقتتال داخلي على السلطة.

نظام عالمي مريح

ومن ليبيا إلى سوريا، التي وقف العالم يتفرّج على المذبحة المستمرة فيها دون أن يتدخل خوفا من الغرق في المستنقع الذي بات يكبر ويصبح أشد تعقيدا، وبعده وجد الغرب برئاسة أميركا طريقة لحل المشاكل الإقليمية المدمرة عن طريق تشكيل أحلاف صغيرة مؤقتة تقود إلى تشغيل الماكينة العسكرية الدولية وتنشيط سوق السلاح دون التورط في حروب غير مدركة النهاية.

دعوة لافروف تجسد إعلانا مبكرا عن نهاية مرحلة الليبرالية الغربية ودعوة حقيقية للاعتراف بالدور الروسي ومن خلفه الصيني في تشكيل الأمن العالمي الجديد، مع تقديم كامل الاحترام للمصالح الروسية المنتزعة مؤخرا من شبه جزيرة القرم وحتى سوريا ومصر وليبيا وإيران

هذا ما حصل أيضا في اليمن عبر التحالف العربي، وما حصل بداية في سوريا والعراق عبر إنشاء التحالف الإسلامي لقتال داعش والتحالف الدولي الرديف له، وهكذا ومع عجز الصيغة الدولية المتمثلة في مجلس الأمن الدولي والدول دائمة العضوية فيها على حلحلة المشاكل التي يتعرض لها العالم والتي من الممكن أن تهدد السلم العالمي بشكل جدي، بات الدفع باتجاهين غير مجد، فالعالم الحر بات مشوشا بين التزامه بقيم الديمقراطية والقانون والعدالة، وبين مصالحه الخاصة، وروسيا والصين باتتا تبتزان العالم بأسره في موضوع الأمن والأمان مقابل توقف الغرب عن التدخل في شؤونهما وشؤون الدول المحيطة بهما، مما جعل العملية السياسية الدولية تدخل في استعصاء مربك وكبير، تجلى في العجز المخزي لحل مسائل تتعلق بانتهاكات وجرائم الحرب وحتى العجز عن إيقاف المجاعات المتفشية في العالم، في مقابل بذخ لا مثيل له في التاريخ على التسلح.

الدور الروسي المتبلور في ظل عدم القدرة على مواكبة التقدم الغربي في العالم، أخذ شكلا آخر، تمثل بصورة صانع الأزمات ومفككها في الآن نفسه، مما أحرج الغرب الذي لا يود التورط كثيرا في مشاكل العالم على حساب مشاكله الداخلية، فتخلت بريطانيا عن أوروبا، وباتت الأخيرة في مهب الريح اليمينية التي تغذيها روسيا. مع دعوات للعزلة ومعاداة الآخر وكراهية المهاجرين، بينما تجلت العنصرية الأميركية البيضاء مع قدوم ترامب ورغبته في بناء الجدران والتفرغ للبيت من الداخل.

هنا يقترح لافروف نظاما عالميا يريح اليمين الغربي بمجمله، ويجعله في حل من التزاماته الدولية، والقيود الأخلاقية التي كبّلت سياساته، ولعل منبر مؤتمر ميونيخ للأمن هو أفضل منبر في العالم لتوجيه كلام مماثل من وزير خارجية متماه مع المشروع البوتيني، بل ربما هو أحد دعائمه الرئيسية.

وليس من زمن أفضل من زمن ترامب الذي بدأ يتململ من مصاريف حماية أوروبا عبر الحلف الأطلسي. وهنا يلتقي الروسي مع ساكن البيت الأبيض الجديد في هذه النقطة، مدعيا أن “حلف الأطلسي هو منظمة تنتمي إلى عقلية الحرب الباردة”.

وهذا ما يشكل هجوما متسقا مع الكره الروسي العميق لحلف الأطلسي وتوسعه غير المبرر، فكانت دعوة لافروف إعلانا مبكرا عن نهاية مرحلة الليبرالية الغربية ودعوة حقيقية للاعتراف بالدور الروسي ومن خلفه الصيني في تشكيل الأمن العالمي الجديد، مع تقديم كامل الاحترام للمصالح الروسية المنتزعة مؤخرا من شبه جزيرة القرم وحتى سوريا ومصر وليبيا وإيران.

التدخلات الروسية الناجحة في مكافحة الإرهاب، تسبق الإعلان عن “نظام ما بعد الغرب” الذي يأتي من موقع المنتصر، مطالبا بضرورة إسدال الستار على الخلافات القديمة وفتح صفحة جديدة مع النظام الغربي المتهالكة مؤسساته، وذلك لضرورة بقاء الجميع واستمرار التفوق الغربي/المسيحي، الذي يعتبره مهددا من قبل الإرهاب العالمي

الأمن العالمي

الروس لا يتقدمون فقط بفرضية نظرية لهذا النظام المقترح فقط، بل يقدمون في الملف المقترح نماذج عملية عن تلك النظرية، حيث البرهان يأتي قبل الفرض وقبل التنظير، فحسب بوتين وفريقه فإن الفشل الغربي في عدم القدرة على تحقيق الأمن العالمي والقدرة على ضبط موجات الهجرة والتأثير على حركة تدفق النفط والغاز وضمان أمن أسواق تصريف البضائع، ملفات عديدة أبرزها كانت إبان حكم الرئيس أوباما الذي استنكف ولجم أذرع الولايات المتحدة عن التدخل في الملفات الخارجية وفضل أن يترك الساحة للاعبين الآخرين.

وعلى الفور التقط الروس الحذر الأميركي والضعف الأوروبي وقرروا الخوض حتى النهاية في مشروع إعادة التموضع الدولي، حيث يبدو للجميع أن العالم يتحضر لمخاض جديد لا يدرك كنهه أحد، ولكن ثعلب الدبلوماسية السوفييتية، الذئب الأرمني الروسي سيرجي لافروف استطاع مع رئيسه تشكيل حجم الخطورة المقبلة على الاتحاد الروسي في حال بقيت روسيا تتفرج مثلها مثل البقية، فالجميع يتحدث في أروقة الدبلوماسية العالمية عن الحوت الصيني الذي يتأهب لابتلاع الأسواق والاقتصاد، والجميع يتحدث عن انكفاء أميركي ناجم عن ضعضعة داخلية فيها. الجميع يدرك أن الأوروبيين في أسوأ حالات اتحادهم وهم منشغلون بتحديد هوية قارتهم فعلا، ولكن أين هم الروس؟

يقول المثل الكازاخي “إن لم تشهر سكينك في السوق فلن ينتبه إليك أحد، لا الباعة ولا الشارين” وعليه فقد أظهرت روسيا أنيابها وانقضّت على بقايا الدول المتناثرة في الشرق الأوسط وأوروبا الوسطى، عن طريق خلق المشاكل ومن ثم عرضها المشاركة في حلها، كي يقبلها المجتمع الدولي كشريك ذي مصداقية في حلحلة مشاكل العالم.

انطباعات تاريخية

إذا كانت نظرية الستار الحديدي التي بشرت بالحرب الباردة نسبت إلى ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا، فإن “نظام ما بعد الغرب” كنظرية ينسب إلى سيرجي لافروف الذي تحدث في مقال مطول في شهر مارس 2016 بعنوان “انطباعات تاريخية لسياسة روسيا الخارجية” نشره في مجلة روسية، تحدث عن فشل الغرب في التشويه العميق لصورة روسيا أمام العالم عن طريق ربطها بالنازية تارة، وحصرها بالشيوعية تارة أخرى، مكرسا فكرة أن روسيا هي الوجه الشرقي للحضارة، وأوروبا التي بدورها هي الوجه الغربي للحضارة، ومن الصعوبة بمكان أن تقدر الحكومات الغربية المتعاقبة على إلغاء روسيا ودورها في العالم. معددا محطات من نجاح الروس منذ هزيمة نابليون وحتى الحرب العالمية الثانية في المساهمة في استقرار العالم وتكريس مبدأ احترام مصالح الآخر، بينما يكرر وبتأكيد على الأغلاط الهوجاء للغرب في عدة مناسبات لم توافق عليها موسكو، مثل قصف بلغراد واحتلال بغداد، ومؤخرا إسقاط القذافي، ومؤكدا على أهمية الموقف الروسي والصيني من القضية السورية التي جعلت العالم “أكثر اتزانا”، حسب قوله.

ومن هنا وبعد ذكره لعدد من التدخلات الروسية الناجحة في مكافحة الإرهاب، يعلن من موقع المنتصر عن ضرورة إسدال الستار على الخلافات القديمة وفتح صفحة جديدة مع النظام الغربي المتهالكة مؤسساته وذلك لضرورة بقاء الجميع، واستمرار التفوق الغربي/المسيحي، الذي يعتبره مهددا من قبل الإرهاب العالمي.

وعليه جاء الإعلان في ميونيخ عن إيجاد صيغة جديدة، يبدو أنها تداعب أيضا مشاعر الألمان القومية، فالمنبر في ميونيخ له دلالاته طبعا، وحتما سيكون للأتراك والصينيين والهنود حلم فيه كذلك.

ربما تكون فكرة نظام ما بعد الغرب لا تزال ضمن الطروحات النظرية للإدارة الروسية ولكن يبدو أن تلك الفكرة ستجد الطريق للتحقق عن طريق الحكومات اليمينية الأوروبية التي وجدت طريقها إلى الحكم من بريطانيا إلى أميركا، بينما يبقى العالم بمجمله ينتظر مصير الانتخابات الفرنسية وخارطة التوجه الفرنسي القادم، هل هو باتجاه تكريس التفوق الغربي، أم نقطة جديدة لمصلحة “نظام ما بعد الغرب” الروسي؟

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر