الاربعاء 18 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10785

الاربعاء 18 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10785

كلاوديو رانييري قائد ثورة البريميرليغ تأكله ثورته

تحقيق ليستر سيتي لبطولة الدوري الإنكليزي في الموسم الماضي بقيادة رانييري إنجاز أقرب ما يكون للمعجزة، كان يستحق عليه المدرب الإيطالي أن يوضع له نصب تذكاري كما يخلد العظماء.

العرب باسل الحمدو [نُشر في 2017/03/12، العدد: 10569، ص(9)]

قيصر ليستر سيتي البائس الذي خانه لاعبوه

برلين - تسعة شهور فقط احتاجها العجوز الإيطالي كلاوديو رانييري ليحقق المجد مع ليستر سيتي ويحوله من فريق مغمور يتخبط باحثا عن طوق النجاة بين عمالقة البريميرليغ إلى بطل ذهبي للدوري الأقوى في العالم وقاهر لأعرق الأندية في تاريخ الكرة العالمية.

يشبّهه البعض بيوليوس قيصر لما تحمله سيرتهما من تشابه في الأحداث، سواء من خلال الإنجازات الكبيرة التي دخلا بها التاريخ من أوسع أبوابه أو لتعرضهما للخيانة من أقرب الناس.

لا شك أن تحقيق ليستر سيتي لبطولة الدوري الإنكليزي في الموسم الماضي بقيادة رانييري هو إنجاز أقرب ما يكون للمعجزة كان يستحق عليه المدرب الإيطالي أن يوضع له نصب تذكاري كما يخلد العظماء، لا أن يتم الاستغناء عنه بعد أشهر قليلة من تتويجه باللقب.

ولد رانييري في العاصمة الإيطالية روما في أكتوبر عام 1951 ووقّع أول عقوده الاحترافية كلاعب كرة قدم في صفوف نادي روما سنة 1973. أجاد اللعب في مركز قلب الدفاع، إلا أن نجمه كلاعب لم يسطع، فلم يحقق إنجازات كبيرة مع الأندية التي لعب بها.

موسم وحيد قضاه رانييري مع روما. لم يشارك فيه سوى في ست مباريات ليقرر بعدها الانتقال إلى نادي كاتانزارو، فلعب معه ثمانية مواسم شارك خلالها في 225 مباراة مسجلا ثمانية أهداف. خاض بعدها تجربة جديدة مع نادي كاتانيا عام 1982 وبقي معه موسمين شارك خلالهما في 90 مباراة وسجل هدفا وحيدا فقط. ليختتم رانييري مسيرته مع نادي باليرمو، حيث لعب له موسمين ارتدى قميصه خلالهما في 40 مباراة. وأعلن بعد ذلك اعتزاله اللعب نهائيا عام 1986.

لم يلبث كلاوديو عدة أشهر بعد اعتزاله اللعب ليبدأ مسيرته كمدرب موسم 1986- 1987 مع نادي لاميزيا وهو أحد أندية الهواة في إيطاليا وبقي معه موسما واحدا ثم درب نادي كامبانيا في دوري الدرجة الثالثة الإيطالي. إلا أن تجربته معه لم تكن ناجحة وأنهى الفريق الموسم في المركز السابع عشر وهبط للدرجة الرابعة.

انتقل بعدها لتدريب كالياري مع بداية موسم 1988-1989 وهناك بدأ نجمه كمدرب في السطوع، حيث انتقل بالنادي خلال موسمين من دوري الدرجة الثالثة الإيطالي إلى دوري الدرجة الأولى والذي غاب عنه النادي لثمانية مواسم متتالية.

المغامرة خارج إيطاليا

بعد صعوده مع كالياري لدوري الدرجة الأولى، تمكن رانييري من الإبقاء على الفريق في دوري الأضواء إثر حلوله في المركز الـ14 بترتيب الدوري.

ولفت الأنظار إليه خلال فترة تدريبه لكالياري بأسلوبه التكتيكي السلس الذي كان يسمح للفريق بتغيير طريقة لعبه ونهجه التكتيكي عدة مرات خلال المباراة الواحدة.

انتقل بعدها رانييري لتدريب نابولي في موسم 1991-1992 ورغم معاناة النادي من مشاكل مالية كبرى قاد رانييري الفريق لتحقيق المركز الرابع في الدوري الإيطالي وحجز مقعد في بطولة كأس الاتحاد الأوروبي. في الموسم الذي تلاه أقالت إدارة نادي نابولي رانييري بعد خروج الفريق من الدور الثاني لكأس الاتحاد الأوروبي. وبعد إقالته من نابولي تولى المسؤولية الفنية لنادي فيورنتينا في موسم 1993-1994 وقاده للعودة إلى دوري الدرجة الأولى.

قدم رانييري مع فيورنتينا فريقا مميزا ضم عددا من النجوم الكبار أمثال الأرجنتيني غابرييل باتيستوتا والبرتغالي روي كوستا وتمكن من تحقيق لقبه الأول بعد الفوز بكأس إيطاليا عام 1996.

قاد رانييري الفريق للوصول إلى نصف نهائي بطولة كأس الكؤوس الأوروبية وأنهى الدوري الإيطالي في المركز التاسع.

بعد عشر سنوات من التدريب في الملاعب الإيطالية قرر رانييري خوض تجربة جديدة خارج إيطاليا، فتولى تدريب نادي فالنسيا مع بداية موسم 1997-1998 وحقق مع فالنسيا لقبه الأول كأس الإنترتوتو عام 1998 ثم قاده للفوز بكأس ملك إسبانيا في موسم 1998-1999.

تميز فالنسيا معه بالصلابة الدفاعية والسرعة في الهجمات المرتدة، كما كان للمدرب الإيطالي فضل كبير في ما حققه فالنسيا من نتائج مميزة في الليغا ودوري أبطال أوروبا بضمه عددا من اللاعبين الشباب إلى الفريق الأول وتأهيلهم، إضافة إلى إبرام صفقات ذكية مع عدة لاعبين تركوا بصمة واضحة في ملعب “المستايا”.

بعد رحيله عن فالنسيا تولى تدريب أتلتيكو مدريد إلا أن مغامرته في ملعب “الكالديرون” لم تعمّر طويلا لتتم إقالته بعد أشهر قليلة إثر خلافات مع رئيس النادي الإسباني. ومع نهاية تجربته مع أتلتيكو مدريد، وقع رانييري عقدا لتدريب تشيلسي الإنكليزي موسم 2000-2001.

لم يكن المدرب الإيطالي يتقن اللغة الإنكليزية مع وصوله للعاصمة الإنكليزية لندن. الأمر الذي سبب له معاناة كبيرة لقلة عدد اللاعبين الذين يتحدثون الإيطالية في الفريق الإنكليزي. ورغم ذلك نجح رانييري في موسمه الأول مع تشيلسي في التأهل إلى كأس الاتحاد الأوروبي بعد نيله المركز السادس في ترتيب الدوري الإنكليزي.

بدأ رانييري بإعادة هيكلة تشكيلة البلوز فاستقطب عددا من النجوم كان أبرزهم متوسط ميدان وست هام يونايتد فرانك لامبارد ومدافع مارسيليا الفرنسي ويليام غالاس، وفي الموسم الذي تلاه حافظ تشيلسي على المركز السادس في الدوري الإنكليزي كما وصل إلى نهائي كأس الاتحاد الإنكليزي دون أن يحقق اللقب.

الصحافة الإنكليزية تتهم أربعة لاعبين أساسيين بالتآمر على رانييري بغية إقالته. منهم المهاجم جيمي فاردي وقائد الفريق مورغان والحارس كاسبر شمايكل، وأشارت الصحف إلى أن اللاعبين اجتمعوا مع إدارة النادي عدة مرات لإقناعها بإقالة رانييري من تدريب الفريق

في موسم 2002-2003 عانى البلوز من مشاكل مادية كبيرة ورغم ذلك تطور مستواه بشكل كبير ونجح رانييري في قيادة تشيلسي للتأهل إلى دوري أبطال أوروبا بعد أن احتل المركز الرابع في ترتيب البريميرليغ.

ومع نهاية الموسم اشترى الملياردير الروسي رومان أبراموفيتش البلوز. وسمح لرانييري بإجراء عدد من التعاقدات الكبيرة بغية المنافسة على لقب البريميرليغ.

أنفق رانييري ما يقارب 120 مليون يورو في سوق الانتقالات الصيفية حينها، وتعاقد مع عدد من نجوم الكرة العالمية كان أبرزهم الأرجنتينيان هرنان كريسبو وخوان فيرون والفرنسي كلود ماكليلي والروماني أدريان موتو.

في الموسم الذي تلاه حقق رانييري المركز الثاني مع تشيلسي في البريميرليغ، كما وصل إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا قبل أن يخرج على يد موناكو الفرنسي.

لم تعجب هذه النتائج مالك النادي رومان أبراموفيتش، فقرر إقالة رانييري مع نهاية الموسم وتعيين البرتغالي جوزيه مورينيو بدلا عنه.

الحنين يجرف رانييري

بعد تجربته الإنكليزية عاد الحنين إلى قلب رانييري ليقوده إلى ملعب “الميستايا” لتدريب فالنسيا مجددا في موسم 2004-2005. ورغم بدايته القوية مع الفريق وتحقيقه للقب كأس السوبر الأوروبي إثر فوزه على بورتو، إلا أن الفريق دخل في سلسلة من النتائج السلبية أدت إلى تراجع ترتيبه في الليغا الإسبانية تلقى على إثرها انتقادات لاذعة من جماهير فالنسيا بسبب إحالة النجم الأرجنتيني بابلو إيمار على دكة البدلاء، ومع استمرار النتائج السلبية قررت إدارة النادي إقالته من تدريب الفريق بعد خروجه من كأس الاتحاد الأوروبي على يد نادي ستيوا بوخارست.

عاد بعد ذلك رانييري إلى إيطاليا فتولى تدريب نادي بارما في شهر فبراير عام 2007، وكان نادي بارما يصارع للبقاء في دوري الدرجة الأولى، وحقق معه نتائج مميزة وأنقذه من الهبوط إلى الدرجة الثانية.

في الموسم الذي تلاه تولى رانييري تدريب يوفنتوس الصاعد حديثا من دوري الدرجة الثانية ونجح في موسمه الأول بتحقيق المركز الثالث في الدوري الإيطالي والتأهل إلى دوري أبطال أوروبا.

وأصبح رانييري مثالا للسخرية من قبل الصحافيين نتيجة تنقله من فريق إلى آخر دون ألقاب كبيرة تدعم موقفه في مسيرة كانت دائما ما تنتهي بالإقالة، إلا أنه جمع ثروة قاربت العشرة ملايين جنيه إسترليني، مستفيدا من البند الجزائي لفسخ العقود التي أبرمها مع الأندية.

بينما كان يقضي إجازته في إيطاليا، تلقى رانييري مكالمة مفاجئة من وكيل أعماله ستيف كتنر يبلغه فيها بنجاح جهوده في إقناع إدارة ليستر سيتي بأن يصبح مدربا للفريق. لكن هذه المرة بعيدا عن منزله الذي اشتراه في لندن خلال حقبة تدريبه للبلوز. وبالفعل وقّع رانيري عقدا يمتد لثلاث سنوات مع ليستر سيتي الذي لم يكن يحلم أبعد من البقاء في دوري الأضواء الإنكليزي، ولم يكن حينها أشد المتفائلين من مشجعي ليستر يمنّي نفسه بأكثر من ذلك. وحتى فكرة المنافسة على أحد المقاعد المؤهلة للدوري الأوروبي، كانت تعتبر ضربا من الخيال ليس للجمهور فحسب بل لرانييري نفسه أيضا.

رانييري ينال المديح من كل حدب

بدأ رانييري الموسم بتحقيق الفوز على سندرلاند بأربعة أهداف لهدفين، ثم توالت النتائج الإيجابية لليستر وتصدر ترتيب البريميرليغ وسط صدمة وذهول غالبية متابعي كرة القدم العالمية.

ورغم حفاظه على الصدارة لأسابيع متواصلة وتحقيقه لانتصارات مستحقة على كبار البريميرليغ. لم يكن يدور ببال أحد أن ليستر سيحافظ على نتائجه وسيستمر بصدارة الدوري الإنكليزي، وعلى الأقل هذا ما اعتادوه من رانييري في تجاربه السابقة.

مع بداية النصف الثاني من الموسم واستمرار ليستر سيتي بقيادة رانييري في صدارة الترتيب بدأ الحديث يتصاعد عن معجزة قادمة قد يحققها ليستر سيتي تحت قيادة العجوز الإيطالي وقدم أداء متوازنا وثابتا ليتحول ليستر بقيادة العجوز الإيطالي ونجومه فادري ومحرز وكانتي إلى ظاهرة كروية شدت أنظار العالم أجمع وأصبحت حديث الناس والشغل الشاغل لمختلف المهتمين بكرة القدم العالمية.

حسم ليستر سيتي لقب الدوري الإنكليزي قبل جولتين من نهايته بعد تعثر منافسه توتنهام بالتعادل أمام تشيلسي بهدفين لمثلهما، محققا بذلك مفاجأة قد تكون الأكبر في تاريخ كرة القدم الحديث، لقد كان شيئا كالحلم تماما.

خنجر بروتوس

لقد نال رانييري أخيرا المديح من كل حدب وصوب بعد إنجازه التاريخي مع ليستر سيتي واختير كأفضل مدرب في العالم لعام 2016 من قبل الفيفا، واختير أيضا كأفضل مدرب إيطالي لعام 2016 ونال لقب مدرب الموسم في الدوري الإنكليزي الممتاز.

بعدما حققه رانييري مع ليستر سيتي، لم يكن ليخطر ببال أحد أن إدارة ليستر سيتي ستقوم بإقالة المدرب الإيطالي بعد أشهر قليلة فقط، إلا أن الإدارة اتخذت قرارا صدمت فيه كل متابعي كرة القدم العالمية. الموسم الحالي لم يبدأه رانييري بشكل جيد، فتراجعت نتائج الفريق بشكل كبير محليا، فتقهقر ترتيب الفريق إلى المراكز المنافسة على الهروب من الهبوط، وبدا أن شيئا غريبا يحدث لم يكن في الحسبان، ولم يشفع له تصدر ليستر أوروبيا مجموعته في دوري أبطال أوروبا والتأهل للمرة الأولى في تاريخه إلى الدور الثاني من المسابقة.

وفي الدور الثاني وبعد خسارة ليستر في مباراة الذهاب أمام إشبيلية التي أقيمت على أرض النادي الأندلسي بهدفين مقابل هدف، اتخذت إدارة النادي الإنكليزي قرارا صادما بإقالة رانييري، كان قنبلة مدوية تجاوز تأثيرها مدينة ليستر إلى كل مشجعي كرة القدم في العالم.

رانييري يعتبر مثالا للسخرية من قبل الصحافيين، نتيجة لتنقله من فريق لآخر دون ألقاب كبيرة تدعم موقفه في مسيرة كانت دائما ما تنتهي بالإقالة

واتهمت الصحافة الإنكليزية أربعة لاعبين أساسيين في الفريق الإنكليزي بالتآمر على رانييري بغية إقالته ومنهم المهاجم جيمي فاردي وقائد الفريق ويس مورغان والحارس كاسبر شمايكل، وأشارت الصحف إلى أن اللاعبين اجتمعوا مع إدارة النادي عدة مرات لإقناعها بإقالة رانييري من تدريب الفريق، الذين اكتشفهم رانييري وقدمهم إلى العالمية كأبطال لأقوى دوري في العالم ورفع من قيمة أسهمهم المالية عشرات الأضعاف، لقد كانت فعلا طعنة قوية في صدر رانيري سجلها التاريخ كطعنة بروتوس الشهيرة في صدر القيصر الإغريقي يوليوس.

اشتهر رانييري بكثرة إدخاله للتغييرات على التشكيلة الأساسية للفرق التي يدربها، فكان قليل الاعتماد على تشكيلة ثابتة مما دفع بالصحف الإنكليزية إلى إطلاق لقب “الرجل الهاوي” عليه. إلا أن ما حققه مع ليستر من نتائج مميزة وتكتيك مختلف وثبات في المستوى وتشكيلة اللاعبين، دفعت الصحف الإنكليزية إلى التراجع عن وصفها السابق لرانييري ملقبة إياه بـ”الرجل المفكر”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر