السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

كاظم حيدر بلوحة واحدة غيّر مسار الفن في العراق

استعراضات الفنان التشكيلي العراقي لم تكن بعيدة عن فن المسرح، كل ما رسمه هو عبارة عن مشاهد مسرحية هي في حقيقتها خلاصات هاملتية.

العرب فاروق يوسف [نُشر في 2017/04/16، العدد: 10604، ص(10)]

كاظم حيدر الرسام الذي صنع من الحياة مسرحا للشهادة

لندن - تقض ذكراه مضجع جيل كامل من الفنانين العراقيين. فالفنان الذي كانت تجربته الفنية أساس التحول الأسلوبي الذي شهدته ستينات القرن الماضي لم ينتم إلى واحدة من الجماعات الفنية التي شهدت تلك السنوات انبعاثها باعتبارها قواعد انطلاق في اتجاه حداثة فنية ثانية.

المغامر بأقنعته

كاظم حيدر هو بحكم تربيته الفنية ابن الخمسينات من القرن العشرين التي كان جواد سليم رمزها وزعيمها، غير أن تحرره المطلق من الوصف ولو بصيغته الشعرية وعزوفه عن التماهي مع العاطفة التي هي نوع الابتزاز الشعبي قفزا به إلى مرحلة كان فيها حرّا في نظرته إلى طرفي معادلة التراث والمعاصرة.

لقد تعلم في لندن أن يرى لوحات فرانسيس بيكون جيدا. وهي واحدة من مزايا معاصرته التي لم يستوعبها معاصروه. بعد سنوات سيعرض عملا مادته الساعات هو مزيج من تأثيرات أرمان وراشنبورغ من غير أن يستوعب العراقيون منه شيئا.

فكرة الشهادة تتجاوز في لوحات حيدر مضمونها الديني لتنفتح على عالم كان البشر فيه يغيبون بسبب أفكارهم المختلفة. ومن هنا تكمن أهمية معرض 'الشهيد' لأنه كان صرخة الاحتجاج الأولى والأخيرة، حتى الآن، في تاريخ الفن التشكيلي العراقي

لقد جرؤ حيدر على أن يكون معاصرا في الوقت الذي كان فيه الفنانون العراقيون يعالجون أفكارهم بأساليب الحداثة الفنية.

استعراضاته لم تكن بعيدة عن فن المسرح الذي درسه في لندن باعتباره مصمم ديكور. كل ما رسمه هو عبارة عن مشاهد مسرحية هي في حقيقتها خلاصات هاملتية.

لقد اهتدى عبر نزعته التجريبية إلى فكرة القناع وهي فكرة مستلهمة من المسرح. موضوعاته كانت عبارة عن أقنعة تختبئ وراءها المشكلات العميقة التي يواجهها الإنسان المعاصر وهو ما دفعه إلى استعارة المكعب الزجاجي من البريطاني من أصول أيرلندية فرانسيس بيكون.

سبق حيدر معاصريه من العرب في تماهيه مع تحولات الفن العالمي.

المساحة الواسعة التي كان الفنان يعمل فيها بسبب نزعته التجريبية لم تغره بالتخلي عن ثقته بالحرفة كونها القاعدة التي من غيرها لن يكون هناك فن. وهو ما يعني أن الفنان الأكثر مغامرة كان في الوقت نفسه هو الأشد التزاما بالتقاليد.

" الأكاديميون" هي الجماعة الفنية التي أسسها في العام 1971 بطلابه الذين صاروا فنانين بارزين في ما بعد. رهانه على الحرفة من خلال عودته إلى الرسم المدرسي بين حين وآخر وهو المعلم قد يكون سبباً في انقطاعاته الفنية التي غيبته وأخفت الشيء الكثير من أثره رساما كبيرا وصانع تحولات.

من لندن إلى لندن

ولد حيدر عام 1932 في محلة الفضل ببغداد. درس الفن والأدب معا. تخرّج من دار المعلمين العالية ومن معهد الفنون الجميلة (مسائي) في السنة نفسها.

غادر إلى لندن لدراسة الرسم والديكور المسرحي والليثوغراف (الطباعة على الحجر) في الكلية لمركزية للفنون التي تخرج منها عام 1963.

استلهم حيدر المرويات الشعبية بلغة بصرية مختزلة

في العام 1965 أقام معرضه “الشهيد” ثم تلاه عام 1969 بمعرض شخصي آخر، تفرّغ بعدها لنشاطات جماعية بعضها فني كمشاركته في معرض جماعة الزاوية وتأسيسه لجماعة الأكاديميين، وبعضها الآخر نقابي كرئاسته لاتحاد الفنانين العرب وجمعية التشكيليين العراقيين.

إضافة إلى انهماكه في عمليه الأساسيين معلما للرسم في أكاديمية الفنون الجميلة ومصمما لديكورات مسرحيات فرقة المسرح الفني الحديث. حين أصيب الفنان بمرض السرطان بداية ثمانينات القرن الماضي انتقل إلى لندن للعلاج وهناك أقام معرضا شخصيا في المركز الثقافي العراقي مستلهما تجربته مع المرض وهي التجربة التي ألهمته معرضه الشخصي الرابع الذي أقامه في قاعة الأورفلي ببغداد عام 1985 وهي سنة وفاته. لقد أتاح له القدر أن يرى قبل وفاته لندن المدينة التي وهبته الكثير من أسرار الفن الحديث.

عام 1965 أقام حيدر معرضه “الشهيد”. كان ذلك العام منعطفا مهما في مسيرة الفن التشكيلي العراقي. لقد شهد ذلك العام افتتاح معرض آخر لا يقل أهمية عن معرض حيدر. كان ذلك المعرض لشاب قادم لتوه من روما هو إسماعيل فتاح الذي عُرف في ما بعد باعتباره واحدا من أهم النحاتين العرب.

فتاح كان يومها حداثويا بتجريدياته التي غلب عليها اللون الأبيض وهو ما يمكن توقع وقوعه بسبب انفتاح الفنان على تجارب فناني ستينات القرن الماضي الأوروبيين وفي مقدمتهم الإيطالي مانزوني.

أما حيدر فقد قلب المعادلة التي كانت مستقرة منذ خمسينات القرن العشرين، مستعملا المواد والعناصر التي لجأ إلى استعمالها جواد سليم ومريدوه من أعضاء جماعة بغداد للفن الحديث.

كان “الشهيد” هو عنوان ذلك المعرض وموضوعه. لقد لعب حيدر في معرضه اللعبة ذاتها التي لعبها من قبل جواد سليم، لكن في سياق رمزي متقدم. ما يجمع بين الفنانين أنهما حرصا على ألاّ يظهرا موقفهما السياسي بطريقة يُمكن أن تربك خيالهما الفني.

كان الفن لديهما أقوى من السياسة. في ذلك المعرض عاد حيدر إلى واقعة “الطف” التي شهدتها كربلاء العراقية، وهي واقعة يحرص العراقيون على استعادتها كل سنة في طقوس تمزج بين الثناء على البطولة والشعور بالندم.

معرض "الشهيد" صرخة الاحتجاج الأولى والأخيرة

ثنائية استثمرها الفنان وهو يركّب كائناته بطريقة تذهب بالحدث إلى أقصى معانيه الرمزية، هو ما جرد ذلك الحدث من حياده التاريخي ليقربه من اللسان الذي كان يروي الحكاية. لقد استلهم الفنان المرويات الشعبية لكن بلغة بصرية مختزلة تسامت بالحدث إلى مستوى قيمته الرمزية.

لم يكن الإمام الحسين بن علي وحده هو الشهيد. كانت فكرة الشهادة قد تجاوزت في لوحات حيدر مضمونها الديني لتنفتح على عالم كان البشر فيه يغيبون بسبب أفكارهم المختلفة. تكمن أهمية معرض “الشهيد” أنه كان صرخة الاحتجاج الأولى والأخيرة، حتى الآن، في تاريخ الفن التشكيلي العراقي.

كلنا ممثلون

في لندن تعرّف حيدر إلى سامي عبدالحميد من خلاله تسلل إلى عالم المسرح. تلك الانتقالة أحدثت تحولا عظيما في فهمه للصورة. ما قدمه حيدر إلى المسرح يكاد يكون موازيا لما قدمه المسرح له.

من خلال المسرح اكتشف الفنان عالما لم يكن قد تعرّف عليه من قبل. لا يتعلق الأمر بالحكاية بل بمسرحتها. أي بذلك الفعل المسرحي الذي هو مزيج من الصور والمؤثرات الصوتية والضوئية والحركة والاسترجاع والأقنعة وتبادل الأدوار والخلفيات والمواجهة المباشرة مع الجمهور.

عام 1964 بدأ عمله مصمم ديكور مع مسرحية “كنوز غرناطة” التي أخرجها رفيق دربه عبدالحميد. بعدها صار حيدر مصمم المناظر المسرحية المعتمد لكل مسرحيات فرقة المسرح الفن الحديث التي كانت يومها قد أسست لريادة مسرحية طليعية.

بدأ بـ”تاجر البندقية” و”أنتغيونا”. وانتهى بـ”ملحمة غلغامش” مرورا بـ”الحيوانات الزجاجية” و”بغداد الأزل بين الجد والهزل” و”الشريعة” و”الخرابة” و”النخلة” و”الجيران” و”هاملت عربيا” و”الخان” و”المتنبي” و”صورة جديدة” وسواها من المسرحيات الأساسية في تاريخ المسرح العراقي.

لم يكن حيدر صانع خلفيات بقدر ما كان خالق أحداث متحرّكة تضفي على الأحداث المسرحية حيوية مستمدّة من تفاعلاتها. لذلك لم يكتف بوصف الإطار العام بل ساهم في صنع المجال الحيوي الذي تتحرك في فضائه الشخصيات. فكان يقترح منصات لم يكن المؤلف أو المخرج قد فكرا بوجودها.

كانت تلك المنصّات تريحه بصريا من أجل تأكيد المعاني التي تسعى الكلمات إلى الوصول إليها. بطريقة أو بأخرى عمل كاظم حيدر في المسرح باعتباره مخرجا بصريا. وهو ما ألقى بظلاله على تجربته في المسرح. صار العالم بالنسبة إليه مسرحا. “كلنا ممثلون” الجملة التي تعلمها وهو يسعى إلى إعادة صياغة العالم على سطوح لوحاته.

حين استعاد واقعة مقتل الإمام الحسين في لوحته الشهيرة “الشهيد” كان التمثيل بروحه حاضرا خاصة وأن ذلك المشهد كان يُستعاد شعبيا كل سنة في طقوس جنائزية. لقد اخترق حيدر حاجز البكاء إلى منطقة الثناء على فعل بطولة فردي هو خلاصة تجربته في الرسم. حين يُذكر كاظم حيدر يُذكر معرضه “الشهيد”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر