الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

إبراهيم رئيسي هل يطيح بآمال الإصلاحيين

مراقبون يرون أن صعود ابراهيم رئيسي وفوزه في الانتخابات الرئاسية معناه أن الطريق سيصبح معبداً أمامه ليخلف خامنئي في منصب المرشد بعد موته.

العرب ثائر الزعزوع [نُشر في 2017/04/16، العدد: 10604، ص(8)]

خامنئي يختار عضو'لجنة الموت' مرشحا للرئاسة

باريس - خلف الجدران العالية التي بنتها “الجمهورية” الإيرانية حول نفسها، منذ عقود، لا يكاد أحد يعلم ماذا يدور هناك، تدار كافة الألعاب السياسية والاستخباراتية بإشراف مباشر من المرشد الأعلى لما يسمى بالثورة الإسلامية، ويقبع التياران المتشدد والإصلاحي تحت إمرته، وأيّ خروج على الطاعة أو محاولة لمخالفة الأوامر قد تعرض صاحبها للحبس أو الإقامة المشددة أو الاغتيال الجسدي والمعنوي في حالات أخرى.

حدث هذا مرات كثيرة منذ أن تربّع الخميني ونصّب نفسه مرشدا أعلى وقائدا، ثم خلفه بعد وفاته علي خامنئي الذي ألحق بسلطاته “الحرس الثوري” وهو أكثر قوة عسكرية فتاكة في البلاد، فلم يعد، والحالة هذه، من السهل توقّعُ أن تخرج الأمور على السيطرة كما حدث مرة أواخر ثمانينات القرن الماضي حين بدأ حراك تقوده بعض قوى اليسار الإيراني ومنظمة “خلق” المعارضة، وقد أدى ذلك الحراك إلى اعتقال الآلاف من الناشطين والمعارضين، بعضهم اعتقل لمجرد الشبهة ولم تجر معهم أيّ تحقيقات، ثم أمر الخميني الذي كان رأس السلطة آنذاك بتشكيل لجنة لا لمحاكمة المعتقلين والبتّ في أمرهم ولكن لإصدار أوامر إعدامهم، وعرفت تلك اللجنة باسم “لجنة الموت” وكان أحد أعضائها وأصغرهم سناً وقتها إبراهيم رئيسي، وقد وقعت اللجنة تلك الأوامر فنفّذ الإعدام بالآلاف من الإيرانيين الذين وحتى يومنا هذا لا توجد أرقام نهائية بأعدادهم، وتقول منظمة “خلق” إن عددهم أكثر من ثمانية آلاف، و ما زالت السلطات الإيرانية تكذب بشأن تلك المجزرة الرهيبة التي ارتكبتها والتي كشف تفاصيلها أحمد منتظري نجل حسين منتظري الذي كان يشغل آنذاك منصب نائب الخميني. كما جاء في صحيفة “العرب” في صيف العام 2016.

من تلك الحقبة الدموية يعود اليوم إبراهيم رئيسي عضو “لجنة الموت” والشخص المقرب من خامنئي، لا ليدلي بشهادته حول تلك الوقائع الإجرامية ولكن بصفته مرشحاً مفضلاً من قبل خامنئي للانتخابات الرئاسية المزمع إقامتها في مايو المقبل، فكم رسالة يحمل هذا الترشيح؟ وما الذي يريد أن يقوله المرشد للتيار الإصلاحي في إيران والذي اعتقد لوهلة أنه قادر على إحداث تغيير في التركيبة التي لا تقبل التغيير أبداً؟

ينتمي رئيسي كما أسلفنا إلى التيار المتشدد وهو الشخص الأكثر قرباً للمرشد ومن حرسه الثوري أيضاً، وتقول تقارير صحافية إن اسمه طرح بعد العملية الجراحية التي أجراها خامنئي عام 2014 ليكون أحد المرشحين وبقوة لمنصب المرشد الأعلى بعد وفاة خامنئي، ورغم أن تلك الرواية لم يتم البتّ بصحتها إلا أن مجرد طرح اسم الرجل يجعل من السهل معرفة لماذا يريد خامنئي في هذا الوقت تحديداً إيصاله إلى سدة الرئاسة، إضافة إلى عودة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد الذي كان رجل خامنئي خلال فترة رئاسته، كل هذا يقول إن المرشد لا يريد أن تفلت الأمور من يده في حال تدهورت صحته ويريد للنهج الذي رسمه أن يستمر حتى بعد وفاته.

في كلمة ألقاها في شهر مارس الماضي أمام حشد كبير من المواطنين في مدينة مشهد الإيرانية قال علي خامنئي “إن إيران بحاجة إلى الشباب الثوري والمؤمن”، معتبراً أنّ “الأشخاص الذين يسيئون للشباب الثوري وشباب التعبئة الشعبية لا يدركون ما الذي يقومون به إذ هم في الحقيقة يسيئون للبلاد ولمستقبلها”.

رئيسي اسمه طرح بعد العملية الجراحية التي أجراها خامنئي عام 2014 ليكون أحد المرشحين وبقوة لمنصب المرشد الأعلى بعد وفاة خامنئي

مرشح "قوى الثورة"

بعد أيام من تلك الكلمة اجتمع رئيسي الذي لم يكن اسمه مطروحاً على الإطلاق كمرشح محتمل للانتخابات الرئاسية مع ما يسمّى “الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية” وكان على بعد أربعين يوماً من الانتخابات ليعلن بعد هذا الاجتماع أنه ينوي الترشح للرئاسة وأنه حصل على موافقة خامنئي. فاختلت الموازين وبدا أن التيار الإصلاحي الذي يمثله الرئيس الحالي روحاني قد فقد حظوظه.

الجميع يعلم أن رئيسي سيكون مدعوماً بقوة من المرشد ومن حرسه الثوري، وفي حال لم تأت النتائج كما يريد المرشد فمن السهل جداً إعادة سيناريو الانتخابات الرئاسية عام 2009 عندما اعترض مؤيدو التيار الإصلاحي على نتائج الانتخابات واعتبروا أن ثمة تزويراً قد حدث لمصلحة الرئيس السابق نجاد في مواجهة منافسه الإصلاحي وقتها مير حسين موسوي، فانقضّ الحرس الثوري وغيره من الميلشيات التابعة له على المعترضين وسحلوهم في شوارع طهران وسواها من المدن الإيرانية، وسجن موسوي في بيته من 2009 وهو يعيش الآن تحت الإقامة الجبرية. وانتصرت إرادة المرشد في النهاية على ما يريده الشعب الإيراني.

قوة وأموال المرشد

ولد إبراهيم رئيسي عام 1960 في حي “نوغان” في مدينة مشهد، وبدأ دراسته الابتدائية في الحوزة العلمية في مشهد، وفي الخامسة عشرة من عمره توجه إلى مدينة قم ليواصل دراسته الحوزوية في الفقه في مدرسة حقاني، كما حصل على شهادة دكتوراه في الفقه والحقوق من جامعة شهيد مطهري.

تولى رئيسي النيابة العامة بداية ثمانينات القرن العشرين في مدينة كرج غرب طهران، ومن ثم أصبح مدعيا عاما لكرج في العام ذاته، وبعدها تولى منصب نائب المدعي العام في طهران.

مع اقتراب الحرب العراقية الإيرانية من نهايتها عيّنه الخميني عضواً في “لجنة الموت”، ومن يومها بدأ نجمه بالصعود، مكافأة له على ما فعله، فقد عيّن في منصب المدعي العام في طهران وبقي في هذا المنصب حتى 1994، ومن ثم تولى منصب رئيس دائرة التفتيش العامة في إيران.

وحتى العام 2016 كان رئيسي مكلفاً من قبل المرشد بمحاكمة رجال الدين المثيرين للمشاكل. بعدها أصدر خامنئي قراراً بتعيينه مسؤولاً عن مؤسسة “أستان قدس رضوي” أو “سادن الروضة الرضوية” وهي المؤسسة الخيرية التي تقدر ميزانيتها بمليارات الدولارات وتدير تبرعات لأضرحة مقدسة في مدينة مشهد.

وتملك “أستان قدس رضوي” المؤسسة الدينية العملاقة التي تتبع ذراعها الاقتصادية 36 شركة ومعهداً من بينها مناجم ومصانع نسيج ومصنع للأدوية وشركة نفط وغاز كبرى. وقال دبلوماسي إيراني إنه حتى قبل الثورة الإيرانية “كان أولئك الذين يقودون هذا الوقف ‘آستان قدس رضوي’ قريبين للغاية من رئيس الدولة ومن القيادة العليا للبلاد”.

خامنئي وحتى العام 2016 كان يكلف رئيسي بمحاكمة رجال الدين المثيرين للمشاكل. بعدها أصدر قرارا بتعيينه مسؤولا عن مؤسسة “أستان قدس رضوي” أو “سادن الروضة الرضوية” وهي المؤسسة الخيرية التي تقدر ميزانيتها بمليارات الدولارات وتدير تبرعات لأضرحة مقدسة في مدينة مشهد.

يقوم رئيسي إلى جانب عمله بالتدريس في مدرسة نواب في مدينة مشهد. كما يدرّس نصوص الفقه وقواعد فقه القضاء وفقه الاقتصاد في الحوزات العلمية في طهران وجامعات إيران، وقد أصدر عدداً من الكتب في الحقوق والاقتصاد والعدالة الاجتماعية.

قال رئيسي في بيان إعلان نيته الترشح للانتخابات الرئاسية “إن الخطوة الأولى لحل المشكلات الاقتصادية الإيرانية هي تغيير القيادة” وطالب الناخبين بأن يدعموا حكومة تتسم “بالكفاءة والمعرفة” تحت قيادته. كما اتهم روحاني بأنه “يراهن بشدة على التقارب مع الأعداء ولم يفعل شيئا يذكر في الداخل لتحسين الاقتصاد”.

ولعل هذا الخطاب الذي ينسجم كثيراً مع رغبات التيار المحافظ المدعوم من خامنئي ومن حوله من رجال الدين المتشددين ومن بينهم بطبيعة الحال والد زوجة رئيسي آية الله المتشدِّد الذي يمثِّل خامنئي في محافظة خراسان، وكذلك قربه من المؤسسة العسكرية القابضة على السلطة في البلاد، إضافة إلى نشر أحد المواقع الإيرانية صورة لرئيسي وهو جالس في مقر عمله في مؤسسة “أستان قدس رضوي” وأمامه عدد من ضباط الجيش يقبلون يده ولهذه الصورة دلالات كبيرة في “دولة المرشد” وصداقته العميقة بكل من الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس والرجل القوي في إيران بالإضافة إلى نجل خامنئي مجتبى، كلها أسباب تجعل احتمال فوزه في الانتخابات كبيراً حتى في ظلّ وجود منافس محافظ مثل محمود أحمدي نجاد.

خامنئي يحكم من قبره

يرى كثير من المراقبين أن صعود رئيسي وفوزه في الانتخابات الرئاسية إن حدث فهذا معناه أن الطريق سيصبح معبداً أمامه ليخلف خامنئي في منصب المرشد بعد موته، فلن يعود ثمة منافسون أحق منه، وبهذا يضمن المرشد أن يظل مرشداً حتى بعد موته. فسلطة خامنئي فعَّالةً طالما أنَّه حي، لكن بمجرد موته ربما تتغير كافة الولاءات السياسية وهو يريد أن يطمئن أن ذلك لن يحدث أبداً ويريد أن يستمر في حكم إيران من قبره.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر