الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

وائل شلبي مستشار ينتحر فيزعزع هيبة القضاة في مصر

انتحار شلبي يحرج القضاء ويشكك في الأحكام التي يصدرها بعد إثارة الشكوك حول سمُعة القضاء كمؤسسة يفترض أنها نزيهة ومستقلة وبعيدة عن الشبهات.

العرب أحمد حافظ [نُشر في 2017/01/07، العدد: 10505، ص(13)]

هل باتت هيبة القضاة على المحك

القاهرة - فتح انتحار القاضي، المستشار وائل شلبي، في مصر قبل أيام الباب على مصراعيه أمام العديد من التأويلات، وبينما ذهب الكثير من المحللين إلى أن الانتحار كانت وراءه أسباب نفسية، أكد آخرون أن هيبة القضاة المصريين وحصاناتهم الموروثة، باتت على المحك، وأن السلطة التنفيذية أصبحت الآن مطلقة اليدين في تعقب نفوذهم والتحكم فيهم.

وفي تاريخ القضاء المصري، لم يكن بإمكان الجهات الرقابية أن تفصح عن القضايا التي يتورط فيها قضاة، سواء كانوا ذوي نفوذ، أو حتى مجرد قضاة حديثي العهد في المهنة، إما لأن النظام الحاكم يخشى الصدام مع السلطة القضائية بتشويه صورتها، وإما لتجنب إثارة الشكوك حول سمُعة القضاء كمؤسسة يفترض أنها نزيهة ومستقلة وبعيدة عن الشبهات.

وبسبب ما أحاطه القضاة على مناصبهم من تحصين، وتقديم أنفسهم إلى المجتمع على أنهم شخصيات يُحظر الاقتراب منها، أو التفتيش في ملفاتها، أو حتى الاعتراض على توريث وظائفها لأبنائها وأقاربها، زاد الاحتقان الشعبي جراء هذه الطريقة، لا سيما خلال السنوات الثلاث الأخيرة التي ظهر فيها القضاة وكأنهم “قدس الأقداس”، الذي لا يجوز المساس به.

أسياد الشعب

هكذا، ظل القضاة في مصر، يتمتعون بحصانة من كل الاتجاهات، وأيقن البعض منهم أن بإمكانهم فعل كل شيء بحكم نفوذهم وعلاقاتهم، وزاد هذا النفوذ مع وصول أحمد الزند وزيرا للعدل، مع بداية فترة حكم الرئيس عبدالفتاح السيسي، حيث يتذكر كثيرون مقولته الشهيرة “القضاة هم أسياد الشعب، ولن تستطيع قوة في مصر أن توقف زحفهم المقدس نحو المزيد من الحصانة”. وترسّخت في وجدان هذا “البعض” وعقله، فرضية أنه “فوق القانون”، وأن يد العقاب لن تطاله، أو أنه -لأنه هو الذي يُفعّل ويطبّق القوانين- فبإمكانه أن يفلت من العقوبة والقانون، إذا ما توقفت عنده عقارب الزمن وحان وقت التفتيش في دفاتره القديمة.

فهل هذا هو ما حدث فعليّا، مع القاضي المنتحر، وائل شلبي، أمين عام مجلس الدولة (أعلى جهة قضائية إدارية في البلاد)، والذي شرب لسنوات من كأس الحصانة وذاق لذّتها، إلى أن عظّم نفوذه في سلطة القضاء، حتى فاحت منه رائحة الفساد المالي والإداري، التي لم تستطع معها الأجهزة الرقابية أن تقف صامتة، إلى أن جاء الضوء الأخضر الممنوح لها من رئيس الجمهورية، بدحر الفساد أيّا كان منصب الفاسد والجهة التابع لها.

صحيح أن هيئة الرقابة الإدارية، وهي أعلى سلطة رقابية في البلاد، ألقت القبض خلال العام 2016 على 3 قضاة آخرين، بتهمة تلقي الرشوة، إلا أن وصولها إلى تطبيق نفس الأمر، على قاضٍ بارز بحجم ومنصب أمين عام مجلس الدولة، كان أمرا مستبعدا لدى الرأي العام من ناحية، والقضاة أنفسهم من ناحية ثانية، لاعتقاد وائل شلبي وغيره أن هناك خطا معيّنا لا يمكن لجهة رقابية تجاوزه، استنادا للمنصب ثم الحصانة.

أمام هذا الاعتقاد، لم يتوقف القاضي شلبي، حسب ما أشارت تحقيقات أولية، عن ارتكاب وقائع الفساد المالي والإداري، حتى ألقي القبض على “جمعة اللبان”، مدير إدارة المشتريات بالهيئة، وبحوزته الملايين من الجنيهات والدولارات وعملات أجنبية أخرى (يورو، دولار، وريال سعودي)، وبعد ساعات فوجئ الشارع المصري بطلب الرقابة الإدارية من النائب العام رفع الحصانة عن شلبي، لتورطه في القضية.

لم يستغرق الأمر وقتا طويلا حتى رفع المجلس الحصانة عن شلبي، الذي غادر مكتبه وتوجه إلى فندق الماسة المملوك للقوات المسلحة، تاركا رسالة لزملائه مفادها “إن جاؤوا للقبض عليّ، فأبلغوهم بأنني أقيم في فندق الماسة”، وبالفعل ألقي القبض عليه، والتحقيق معه لساعات أمام نيابة أمن الدولة العليا، وأنكر التهم المنسوبة إليه بتلقي رشاوى مالية نظير تسهيلات لرجال أعمال وأصحاب شركات.

قناعات القاضي بأن الحصانة زالت وبأن والمنصب ولّى إلى غير رجعة، (أمام صدور قرار حبسه 4 أيام على ذمة التحقيق)، دفعته إلى الانتحار شنقا داخل غرفة حبسه في السجن التابع لهيئة الرقابة الإدارية، في واقعة هزت الرأي العام والسلطة القضائية في البلاد، ما أثار الشكوك حول تعرضه للقتل لتجنب إفصاحه عن أسماء كبيرة متورطة معه في القضية، لكن الطب الشرعي وهيئة الدفاع عنه أقرا بانتحاره.

تقرير شامل يكشف عنه مؤخرا وقعه في العام 2011 نحو ألف قاض، اشتمل على اتهامات طالت قيادات في مجلس الدولة، تصدرهم شلبي، منها إهداره للمال العام، من خلال إخفاء العمليات المحاسبية الخاصة بمجلس الدولة، وإقراره العديد من العمليات بالمخالفة للقانون

العجز عن إثبات البراءة

في عرف الطب النفسي، يبدو من الصعب للغاية تحمل الشخص، الذي أتاح له منصبه أن يتحكم في حركة الانتدابات والإعارات والتعيينات لهيئة قضائية بحجم مجلس الدولة، صدمة زوال هيبة المنصب والنفوذ والعلاقات والحصانة، ليجد نفسه في ساعات معدودة محبوسا وحده في غرفة لا تتجاوز خمسة أمتار، ويواجه عقوبة جناية تتعلق بالإخلال بالشرف وتبديد المال العام وتقاضي رشوة.

هناك الكثير من أصحاب النفوذ والسلطة في مصر، ومن هم أكثر حصانة وثقلا وصيتا من المستشار المنتحر، ذهبت عنهم المناصب فجأة، ودون توقع يُذكر أو إنذار مسبّق، وآخرهم رموز نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، ومع ذلك لم يفكروا في الإقدام على خطوة الانتحار، رغم أنهم كانوا يديرون ويتحكمون في مصير دولة بأكملها وليست جهة قضائية واحدة.

لكن ثمة مبررات تبدو مقنعة، وربما تكشف لغز إقدام القاضي البارز على الانتحار، مقارنة بصمود رموز نظام مبارك، أولها التركيبة الشخصية لهذا القاضي، ومدى تأثيرها على حياته، ونظرته للمستقبل، ومصيره بعد تورطه في القضية، لا سيما وأن الوقائع المتهم فيها، مثبتة بمحادثات مدعومة بالصوت والصورة لدى الجهات الرقابية، وشعوره أنه لا مفر من العقوبة.

مسؤولون على علاقة بتفاصيل قضية الرشوة، تحدثت معهم “العرب” عن شخصية القاضي المنتحر، أكدوا أنه كان قليل الكلام بعد القبض عليه، ورضخ للأمر بسهولة وكأنه غير مستوعب أو مدرك لما يحدث، وكان مصدوما مما يجري حوله، لدرجة أنه رفض الحديث من الأساس مع المحيطين به، وبدا وكأنه يسترجع ماضيه في المنصب وحاضره وهو مكبّل اليدين.

البعض من القضاة المقربين منه، وعملوا معه لسنوات، تحدثوا عن عزة نفسه، وعشقه للمنصب، وشغفه بسرعة الوصول إلى مراكز مرموقة، وأن يمسك هو بيديه كل مجريات الأمور داخل مجلس الدولة، ما يمكن اعتبار ما حدث معه بعد القبض عليه وتكبيل يديه ثم حبسه، شعورا بأن حياته انتهت فعلا، ما دامت بلا منصب فلا تساوي شيئا، وبدلا من أن ينتظر عقوبة تودي بحياته بعد سنوات، رأى أن البديل أن ينهي حياته بنفسه.

جانب آخر، لا يغفله متابعو القضية، وهو أن القاضي وائل شلبي، بدا وكأنه عاجز عن تبرئة نفسه بالقانون الذي كان يطبّقه على الآخرين طوال سنوات عمله في سلك القضاء، ما أشعره بالذل وقلة الحيلة، لدرجة جعلته يبكي بحرقة أمام نيابة أمن الدولة، التي كانت تُجري التحقيق معه، حتى أنه هدد بالانتحار إذا صدر قرار بحبسه.

كان الأكثر وقعا من ذلك، تلك الصدمة التي تلقاها شلبي من المؤسسة القضائية، التي بدت له وكأنها تخلّت عنه بسهولة، وقدّمته إلى المحاكمة، دون اعتراض أو حتى محاولة ممارسة أيّ ضغوط للتغطية عليه، مثلما كان يعتقد هو أو يفهم، خاصة وأن المجلس رفع عنه الحصانة القضائية في أقل من 3 ساعات من ورود خطاب المستشار نبيل صادق، النائب العام، بتورطه في القضية.

القضاة في مصر شخصيات يحظر الاقتراب منها، أو التفتيش في ملفاتها، كل هذا يزيد من الاحتقان الشعبي تجاهها، لا سيما خلال السنوات الثلاث الأخيرة التي ظهر فيها القضاة وكأنهم "قدس الأقداس"، الذي لا يجوز المساس به.

وبلغ أمر تخلّي المجلس عن شلبي، أن المجلس، قرر تشكيل لجنة برئاسة المستشار ياسر الكردينى، نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية ممثل عن وزارة المالية، وممثل عن الجهاز المركزي للمحاسبات (جهة رقابية)، وبعض العاملين بإدارة التفتيش الإداري بمجلس الدولة، لفحص كل المستندات الخاصة بجميع العقود التي أبرمها مجلس الدولة خلال تولي شلبي مسؤولية النواحي المالية والإدارية، للوقوف على مدى مطابقتها للقانون، وتأكيد المجلس أنه لا يتستّر على أي فساد أو فعل يشكل مخالفة للقانون مهما كان من ارتكبه.

شعور شلبي بأن الجميع تكاتف ضده، والسيناريو غير المتوقع للقضية ذاته، ربما أخل بالثبات الانفعالي عنده، ثم تطور الأمر إلى حد الاكتئاب.

هذه الدوافع النفسية السيئة التي مهّدت لانتحار القاضي المستقيل، دعمها خليفته في المنصب، المستشار فؤاد عبدالفتاح، أمين عام مجلس الدولة الجديد، بتأكيده أن شخصية وائل شلبي، كانت لا تميل إلى الانتحار، لكن الضغوط النفسية الكبيرة وغير المتوقعة كانت السبب الأقوى في تخلصه من حياته.

الوصول السريع

وسط هذه التفسيرات، التي تبدو مقنعة للبعض ممن حاول ربط الخيوط ببعضها للوصول إلى أبعاد وسيناريو انتحار هذا القاضي البارز، لم يغفل البعض الآخر الطريقة التي صعد بها إلى مشارف قمة هرم مجلس الدولة المصري، رغم أن عمره لم يتجاوز الـ46 عاما، عند تكليفه بالمنصب في مايو من العام 2015.

وقد عُرف عن شلبي، أنه شخصية تجيد بناء علاقات قوية مع الدوائر المقربة من النظام الحاكم، وتستفيد منها في تقوية نفوذها داخل الهرم القضائي، تمهيدا للمزيد من التصعيد في المنصب، والاستناد عليها لتخطي الحواجز أو ما يمكن اعتباره “أعرافا قضائية”، في تولي المراكز القيادية المهمة، حيث أن العرف القضائي في مصر يمنح المناصب الأعلى طبقا للأقدمية والسن الأكبر.

ورغم حداثة سنة تعيينه بمجلس الدولة في العام 1991، استغل منصبه القضائي ولقب “المستشار”، في أن يتقرّب إلى شخصية تحمل نفس اللقب ولكن في منصب المحافظ (أعلى حاكم محلي في البلاد)، حيث كان وقتها المستشار يحيى عبدالمجيد محافظا للشرقية (مهبط رأس القاضي المنتحر)، والذي ساعده في أن يلتحق للعمل كعضو بالمكتب الفني لرئيس مجلس الدولة، بعد أيام من صدور قرار تعيينه في المجلس.

أدرك شلبي سريعا، أنه أصبح من صُنّاع القرار داخل المجلس، كشخصية قريبة من رئيسه، ويتعامل معه بشكل مستمر ويتردد عليه داخل مكتبه يوميا أكثر من مرة بحكم عمله في المكتب الفني، المعروف بمطبخ الهيئة. وبعد فترة قصيرة نجح في أن يقتنص منصب الأمين المساعد للشؤون المالية والإدارية والعلاقات الخارجية بمجلس الدولة.

ومع لباقته الشديدة في تعاملاته وتكوينه لشبكة من العلاقات قوية داخل مجلس الدولة، أسندت إليه مهمة التشكيل النهائي للمناصب القيادية بالمجلس، وبعدما كان يتقرب من الكبار، أصبحوا يتقربون منه، حتى استطاع أن يشغل منصب الأمين العام المساعد قبل توليه منصب أمين عام مجلس الدولة وعدد من الوظائف القضائية بهيئة مفوضي الدولة والقضاء الإداري والتفتيش الفني.

شلبي كان يحصل على أرباح سنوية تتجاوز عشرات الملايين من الجنيهات، حيث حصل على أرباح سنوية من جهاز الاتصالات في العام 2009 بلغت المليون ومئة وسبعين ألف جنيه

بعد ما استطاع تحقيق حلمه في توسيع النفوذ والعلاقات والمناصب القيادية المتعددة، أدرك أهمية استغلال ذلك في خدمة نفسه على المستوى المادي بعيدا عن الهيئة، حيث انتدب إلى أكثر من عشر جهات حكومية، بينها أنه كان المستشار القانوني لمحافظ الشرقية، والمستشار القانوني لجامعة المنوفية التي تخرّج منها في كلية الحقوق، وعضو مجلس إدارة شركة الاتصالات ممثلا عن مجلس الدولة، وعضو مجلس إدارة جهاز حماية المستهلك، ممثلا عن المجلس.

اتهامات قديمة بالفساد

فوجئ متابعو القضية، التي صُنّفت “الأبرز” في ختام العام 2016، بأن شلبي كان ضمن قائمة طويلة من شخصيات قضائية، رفع مستشارون في مجلس الدولة الاتهام بحقها عام 2011 إلى المجلس العسكري الذي تولى زمام الحكم في البلاد بعد رحيل نظام مبارك، بأنها شخصيات أفسدت الهيئة، وقامت بارتكاب وقائع فساد عديدة، وطالبوا آنذاك بتدخل فوري للتحقيق في هذه الوقائع، لكن يبدو أن الظروف السياسية في البلاد وقتها لم تكن سانحة لفتح هذا الملف الشائك.

في تقرير شامل، وقّعه نحو ألف قاضٍ آنذاك، على اتهامات طالت قيادات في مجلس الدولة، تصدرهم شلبي، منها إهداره للمال العام، من خلال إخفاء العمليات المحاسبية الخاصة بمجلس الدولة، وإقراره العديد من العمليات بالمخالفة للقانون، وأنه أسند تجديد المقر الرئيسي لمجلس الدولة لإحدى شركات المقاولات بالأمر المباشر، فضلا عن توريد الأثاث المكتبي ومستلزمات المقار وهدايا رأس السنة الميلادية وغيرها بشكل سري.

وبلغت حدة الفساد الذي اشتمل عليه تقرير الألف قاضٍ، أن شلبي كان يحصل على أرباح سنوية تتجاوز عشرات الملايين من الجنيهات، حيث حصل على أرباح سنوية من جهاز الاتصالات في العام 2009 بلغت المليون ومئة وسبعين ألف جنيه، إضافة إلى بدلات تحت مسميات وهمية شهريا، مثل بدل الضيافة، والإنجاز، وفائض الميزانية، وبدل التمثيل، والانتقالات الخاصة، وغيرها من المبالغ الشهرية.

سواء أغلق انتحار شلبي قضية الرشوة الكبرى أو حتى كان انتحاره بداية لفتح المزيد من الملفات والوقائع المتعلقة بها، فإن وفاته تؤثر سلبا على وضع القضاة في مصر سواء بتحجيم نفوذهم وسلطتهم، أو إطلاق يد السلطة التنفيذية في التعامل مع السلطة القضائية، باعتبارها في حاجة إلى إعادة ضبط إيقاع طريقة اختيار رموزها، ما يقوي مبررات البرلمان في الموافقة على مشروع القانون الذي ينظره حاليا، والخاص بتعيين رؤساء الهيئات القضائية، وهو ما سيجعلها تتم وفق رؤية الدولة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر