الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

'صح النوم' عرض قاهري لمسرحية إيطالية

عرض يحمل الكثير من التساؤلات غير المعلنة المتعلقة بالمرأة والضغوط الحياتية التي يتم فرضها عليها من قبل المجتمع والزوج والبيئة المحيطة.

العرب ناهد خزام [نُشر في 2017/11/19، العدد: 10817، ص(15)]

العمل المسرحي يوغل في أدق تفاصيل ومشاعر المرأة

عن النص المسرحي “نوبة صحيان” للكاتب الإيطالي داريو فو الحاصل على جائزة نوبل، قدمت الممثلة والمخرجة المصرية دعاء حمزة عرضها الأخير تحت عنوان “صح النوم”، وهو عرض مونودراما قامت حمزة ببطولته وإخراجه. وتُرجم النص إلى العربية بواسطة منحة البصراوي، بينما تولت حمزة عمليه إعداده مسرحياً ليكون ملائماً للجمهور المصري أو بالأحرى تمصيره. قدم العرض أخيراً في مؤسسة “دوار” بوسط القاهرة وهي إحدى المؤسسات المستقلة الناشئة والمعنية بالثقافة وإتاحة المجال للتجارب المسرحية الجديدة.

تسلط المسرحية الضوء على المرأة المكافحة والتعقيدات الحياتية التي تعترضها من خلال فترة زمنية صغيرة مقتطعة من أحد الأيام العادية في حياة واحدة من النساء المهمشات والكادحات. يحمل العرض الكثير من التساؤلات غير المعلنة المتعلقة بالمرأة والضغوط الحياتية التي يتم فرضها عليها من قبل المجتمع والزوج والأسرة والبيئة المحيطة. تدور أحداث المسرحية

خلال تلك الساعات القليلة التي تفصل بين استيقاظ الزوجة المفاجئ من نومها مبكراً وحتى عودتها إلى النوم من جديد، يوغل النص في أدق التفاصيل والمشاعر، مشاعر المرأة هنا هي خليط ما بين الإحباط والهوس والرضا.

المرأة والكابوس

تستيقظ تلك الزوجة على وقع كابوس مخيف صور لها أن إحدى ماكينات المصنع الذي تعمل فيه وقد قطعت يدها. حين تستيقظ المرأة من نومها فزعة تدرك على الفور أنها قد تأخرت على موعد عملها، فتسرع في إنهاء طقوسها اليومية المعتادة، توقظ طفلها وترتب حجرات بيتها على عجل، وتبحث كعادتها اليومية على مفتاح البيت فلا تجده.

بين كل هذه التفاصيل التي تمارسها تلك المرأة على عجالة تشارك الجمهور آلامها وأحزانها الصغيرة متذكرة كل ما دار بينها وبين زوجها في الليلة السابقة من جدل كاد يتطور إلى شجار حول أشياء تافهة. يتابع النص تفاصيل حياة تلك الزوجة وهي تنتقل من النقيض إلى النقيض، بين السعادة والحزن، بين الإفراط في التعبير عن مشاعرها وكتمان هذه المشاعر. هي امرأة مطحونة ومرتبكة، لا يمكنك أن تصف حياتها بالسعيدة، لكنها تصر على استكمال حياتها كما هي، لا لشيء سوى أن الخيارات لديها شبه منعدمة. تُختتم المسرحية باكتشاف الزوجة أن هذا اليوم هو يوم عطلتها الأسبوعية، فتعود إلى نومها من جديد بعد نوبة يقظة استثنائية.

المسرحية تسلط الضوء على المرأة المكافحة، والتعقيدات الحياتية التي تعترضها من خلال فترة زمنية صغيرة مقتطعة من أحد الأيام العادية في حياة واحدة من النساء المهمشات والكادحات

بين الصراخ والغناء والحركة والسكون أشعل أداء الممثلة دعاء حمزة تلك المساحة الصغيرة المخصصة للعرض والتي تحلق حولها جمهور قاهري يبحث عن عروض خارج السياق، كتلك التي يقدمها عرض “صح النوم” رغم فقر التجهيزات وتضاؤل المساحة. ويحسب لبطلة العمل نجاحها في الاحتفاظ بانتباه الجمهور خلال مدة العرض التي لم تتجاوز الساعة، إذ تميز أداءها بالرحابة في الانتقال من حالة شعورية إلى أخرى، كما أضفى حضورها التمثيلي على العرض نوعا من الاشتباك بين الجمهور والشخصية المؤداة.

نص مفتوح

يكتسب النص الذي كتبه داريو فو عالميته من كونه نصاً مفتوحاً على كافة الثقافات والمجتمعات المعاصرة، ومستوعباً للإضافات التي تحتمها المعالجات الإخراجية والتمثيلية المختلفة في بيئات متعددة، فالعمل يتحدث عن المرأة الكادحة كنموذج إنساني في مجتمع معقد ومتشابك التفاصيل.

وقد أتاح العمل بطبيعته المفتوحة هذه الفرصة لبطلة العرض لإضفاء رؤيتها الخاصة على سياقه، إذ تمكنت دعاء حمزة من استغلال المساحات ما بين السطور على نحو جيد لتقريب النص إلى الروح المصرية، خلافاً لإضافة الغناء ومنح الشخصية اسماً من البيئة الشعبية المصرية هو “أمّ إمام” في حين لا وجود للاسم في النص الإيطالي، ساعد على ذلك أن النص الأصلي للمسرحية مكثف جداً ويحمل القدرة على التطويع، فبطلة العرض هي نموذج لأيّ زوجة عاملة أو سيدة في العالم، يمكن أن تتشابه تفاصيل حياتها اليومية مع أيّ امرأة أخرى.

ورغم أن نص المسرحية كتب في السبعينات من القرن الماضي إلا أنه يحمل مقومات استمراريته الزمنية، فالضغوط الحياتية التي تتعرض لها المرأة العاملة لم تتغير بل ربما تزايدت، وهي ضغوط لا تقتصر على المرأة وحدها بل تشمل جميع أطراف الأسرة على حد سواء.

انتباه الجمهور

يمثل عرض “صح النوم” تحدياً للمخرجة الشابة نظراً لكونه أول عمل مسرحي تتولى هي مسئولية إخراجه وتمثيله في نفس الوقت، فالجمع بين الإخراج والتمثيل ينطوي على صعوبات كثيرة من بينها افتقاد الممثل أو المؤدي إلى عين خارجية أو موجه يستطيع ضبط إيقاع العمل على نحو سليم، كما أن طبيعة العروض المونودرامية تحتاج إلى ممثل ذي طبيعة خاصة، فأقل خطأ أو خروج عن السياق من شأنه الإضرار بالعرض ككل، ويكون التحدي الأكبر في مثل تلك العروض هو الاحتفاظ بانتباه الجمهور إلى أقصى حد ممكن. ولعل صاحبة العرض قد استفادت كما تقول سيرتها الذاتية من ورش الحكي المتعددة التي شاركت فيها، فعروض الحكي تزود الممثل بالشجاعة الكافية عند مواجهة الجمهور.

ومن بين الأشياء اللافتة في عرض “صح النوم” هو تلك البساطة التي تم التعامل بها مع عناصر الديكور والذي غلب عليه الاختزال، فكل عنصر من عناصر الديكور المستخدمة له معنى ووظيفة، من دون زخرفة زائدة أو تلخيص، فقد اختُزلت المساحات التي تتحرك بينها بطلة العرض إلى مجموعة من المفردات القليلة الدالة عليها، فإناء الطهي على سبيل المثال يمثل المطبخ، ووعاء الغسيل يشير إلى الحمام، ليجد المشاهد نفسه أمام حالة أشبه باللعب، وفي أداء يجمع بين الحقيقة والتقمص أو التمثيل. أما أكثر النقاط المضيئة في هذا العرض على الإطلاق أنه نجح في تجاوز التحديات المتعلقة بالمساحات المخصصة للعروض المستقلة، رغم ضعف التمويل والتقشف البادي على جاهزية المكان.

كاتبة من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر