الاربعاء 17 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10872

الاربعاء 17 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10872

جزيرة 'فاضل' قرية فلسطينية على الأراضي المصرية

  • قبيلة “النامولي” الفلسطينية اختارت الهجرة من بئر السبع إلى الأراضي الفلسطينية هربا من بطش المستعمر لتستقر في أرض وهبها إياها مصري يدعى محمد الفاضل في محافظة الشرقية نظير مقابل مادي ضئيل، هناك أنشأ أفراد القبيلة مجتمعا مصغّرا بخصوصيات وعادات فلسطينية.

العرب أحمد حافظ [نُشر في 2017/12/15، العدد: 10843، ص(20)]

فرص اللعب قليلة قبل الانخراط في الشغل الشاق

الشرقية (مصر)- على بعد نحو 120 كيلومترا من القاهرة، يعيش نحو 4 آلاف فلسطيني في جزيرة “فاضل” الواقعة بمدينة أبوكبير في محافظة الشرقية (شمال القاهرة) في تجمع للفلسطينيين الذين فروا من ديارهم عقب نكبة 1948 ويعيشون في هذا المكان بعد رحلة شاقة من التيه.

يعيشون بإرادتهم، لم يعرفوا المخيمات أو اللجوء، السلطات تعاملهم منذ زمن على أنهم مواطنون مصريون، انخرطوا في المجتمع ولم يعرف أبناؤهم وأحفادهم غير مصر بلدا لهم، باستثناء الحفاظ على بعض المظاهر التي تشعرك بأنك في مكان يختلف عن طبائع المصريين.

منذ اللحظة الأولى يشعر من يزور الجزيرة بأنه دخل قرية موجودة في الأراضي الفلسطينية، فهذا المكان له خصوصية وعادات وتقاليد ولهجة مميزة لأبنائه، وحتى الأزياء الرسمية التي يرتديها كبار السن تذكرك بفلسطين ونمط حياتها.

جميع سكان الجزيرة من الفلسطينيين وينتمون إلى قبيلة “النامولي” الواقعة في مدينة بئر السبع جنوب فلسطين، فرّ بهم نصير النامولي كبير القبيلة إلى مصر هربا من عدوان الاحتلال الإسرائيلي عام 1948.

الفتاة عندما تصل إلى سن الخامسة عشرة يُستوجب زواجها، لأن ذلك سيرفع عن أسرتها جزءا من الأعباء

استقرار هؤلاء في محافظة الشرقية تحديدا لم يكن من قبيل المصادفة، لأن لقبيلة “النامولي” امتداد قديم في المحافظة منذ عهد الدولة العثمانية، وكانت هناك هجرات دائمة لأبناء القبيلة وغيرها من العشائر الفلسطينية وبعض القبائل العربية الأخرى، وما زالت اللهجة البدوية منتشرة بين سكانها إلى اليوم.

بنيت المنازل بطوب اللبن ويتكون معظمها من طابق واحد، وهو ما يميزها عن باقي قرى مدينة أبوكبير التي تنتشر فيها البنايات الإسمنتية ذات الطوابق المرتفعة، ولا يكاد الشارع يتعدى عرضه مترين لتمر منه عربة خشبية يجرها حمار أو “تريسيكل” (دراجة بخارية)، وهما وسيلتا النقل الوحيدتان هناك.

وراء هذه الأسوار الطينية، تعيش أربعة أجيال، الجيل الأول هو الذي عاصر وما زال يتذكر سنة النكبة ورأى وسمع الطيران الإسرائيلي وهو يقصف الأراضي الفلسطينية، بينما الأجيال الثلاثة التالية تعتمد على قصص وروايات الأجداد لتعرف فلسطين، ومِن هذه الأجيال مَن لا يعرف مِن فلسطين سوى الاسم.

هي ليست جزيرة بالمعنى الحرفي، ولا تحيطها المياه من كل جانب، كما هو متعارف عليه في الجزر المصرية، لكن الأجداد الفلسطينيين عندما وصلوا إليها عام 1948 استقبلهم مصري من محافظة الشرقية يدعى محمد فاضل ووهب لهم 300 فدان من أملاكه ليقيموا عليها نظير مقابل مادي ضئيل يتم سداده بالتقسيط المريح، مراعاة لظروفهم، ومن شدة حسن معاملة الرجل لهم أطلقوا اسمه على المكان، فأصبح يسمى “جزيرة فاضل”.

هم يطلقون على مكانهم هذا الاسم، لكن سكان المحافظة يسمونه “جزيرة العرب”، هذا ما اكتشفته جريدة “العرب” عندما حلّت بالمنطقة، حيث بدا سائق “التوك توك” (وهو وسيلة نقل الأفراد التي تستطيع الدخول إلى الممرات الضيقة للجزيرة) أنه يجهل العنوان رغم أنه يعيش في المنطقة منذ مدة طويلة، وعندما علم أن المقصود هو تجمع الفلسطينيين، تبسّم ورد قائلا “تقصدون جزيرة العرب؟”.

خلال 15 دقيقة، مدة الوصول من مدينة أبوكبير إلى التجمع الفلسطيني، روى سلامة عيد سائق “التوك توك” بعض المعلومات عن سكان الجزيرة، فهم حسب قوله يعملون في الحقول الزراعية ويمتهنون بعض الحرف البسيطة، ورغم أنهم يقيمون في المكان منذ 69 عاما فإنهم غير منخرطين تماما في المجتمع المحيط بهم، لهم عادات وتقاليد لا يريدون لها الاندثار.

على الطريق الرئيسية المؤدية إلى الجزيرة، تقف فتاة عشرينية تبيع المناديل الورقية لسائقي السيارات، أشار إليها سائقنا بالقول “هذه فلسطينية”، مستطردا “أعرف نساءهم (نساء سكان الجزيرة) من ملابسهن وطريقتهن في تغطية الوجه.. أكثر سكان الجزيرة من البسطاء، نتعامل معهم كأنهم مصريون، فهم أشقاؤنا في العروبة ويكفي ما يحدث في بلادهم من عدوان”.

أزقة ضيقة لمجتمع منغلق على نفسه

في نهاية سور طيني طويل، دخل السائق من ممر ضيق، وعلى عتبة منزلها القديم كانت تجلس امرأة تكاد لا تظهر ملامحها من كثرة التجاعيد على وجهها، ويبلغ عمرها نحو 80 سنة، “هي نفسها لا تتذكر عمرها بالضبط”، وتعد من أوائل الفلسطينيين الذين جاءوا إلى الجزيرة.

ما زالت تتذكر البعض من الأحداث الأليمة والدموية عندما كانت شابة، فقد قُتل ستة من إخوتها وأبناء عمومتها جراء هجمات الطيران الإسرائيلي قبل نزوحها برفقة زوجها مع من عبروا الأراضي الفلسطينية إلى سيناء ومنها إلى هذه الجزيرة.

تتحدث العجوز “نافلة سالم” عن بدايات حياتها في الجزيرة قائلة “كنا فئة قليلة، اصطحبنا كبيرنا (شيخ القبيلة) إلى بئر العبد في سيناء (جنوب غربي العريش) وتجمعنا هناك، وكان معنا البعض من الإبل التي استخدمناها وسيلة للتنقل.

وتكمل “عشنا أياما صعبة للوصول إلى هنا.. كنا نبيت الليل في الصحاري ونشعل الحطب، ثم نمضي في طريقنا بعد كل فجر حتى وصلنا إلى هذا المكان وبدأنا نبني المنازل بالبوص ثم بالطين”.

تقدم نافلة في السن لم يفقدها أمل العودة إلى فلسطين كي تعيش في بلدها الأم، فقد قالت بصوت مبحوح “أشتاق إلى زيارة من ماتوا من أهلي في قبورهم، أدعو الله في صلاتي أن أدفن بفلسطين، نعم مصر لم تعاملنا بسوء وأحسنت استضافتنا،لكن أريد أن أعود وأدفن في إحدى مقابر بلادي”.

لا تعرف نافلة أو أيّ من أبنائها ما يجري هذه الأيام بشأن القضية الفلسطينية منذ قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فهي لا تمتلك تلفزيونا تتابع من خلاله الأحداث، لكنها تدعو على إسرائيل بالهلاك والدمار، أما أبناؤها الـ10 وأحفادها الـ25 فهم منشغلون بالزراعة (كعمال عند ملاك الأراضي) لمواجهة صعوبات الحياة. أكثر أبناء السيدة العجوز لم يلتحقوا بالمدرسة، لأن العمل مقابل50 جنيها يوميا أفضل من المدرسة مئة مرة، هذا التوجه يبدو سائدا لدى سكان الجزيرة.

علاقة متقلبة مع الرؤساء

علاقات سكان جزيرة فاضل برؤساء مصر السابقين غير مستقرة، إذ يتحكم فيها مزاج الأنظمة السياسية وعلاقتها بالقيادة الفلسطينية، فهم ما زالوا يضعون الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في مرتبة خاصة، ويعتبرون أنه أفضل من أكرمهم بعدما خصص لهم معاشات شهرية ومساعدات دورية من زيوت وأرز ودقيق.

جميع سكان الجزيرة من الفلسطينيين وينتمون إلى قبيلة “النامولي” الواقعة في مدينة بئر السبع جنوب فلسطين، فرّ بهم نصير النامولي كبير القبيلة إلى مصر هربا من عدوان الاحتلال الإسرائيلي عام 1948

في المقابل لا يذكرون أنور السادات بخير، بعدما أوقف صرف المعاشات والمساعدات لأسر الجزيرة، وكانت علاقته (السادات) بالقيادة الفلسطينية آنذاك متوترة، إلى درجة أنه قرر معاملة الفلسطينيين معاملة الأجانب، حسب قول بعض السكان.

مع تنصيب حسني مبارك رئيسا للبلاد عقب اغتيال سلفه السادات في أكتوبر 1981، أعيدت المعاشات والمساعدات الحكومية، حتى توقفت مجددا عقب اندلاع ثورة 25 يناير 2011، دون سبب معلوم.

كان سلمان منصور، وهو أحد المعمرين بالجزيرة، يعوّل على المعاش الشهري المقدر بـ200 جنيه (11 دولارا) في شراء أدوية مرض السكري الذي أصابه قبل عشر سنوات، إذ يستلزم علاجه الحصول على عقاقير طبية بقيمة مئتي جنيه كل أسبوعين.

يصمت قليلا قبل أن يلقي نظرة إلى أحفاده الذين يلهون حفاة، “أتمنى عودة المعاش كي أشتري الدواء وأرفع العبء عن ابني لكي يخصص كل دخله اليومي لتربية هؤلاء الصغار”.

ويضيف “نحن لا نملك أراضي ولا منازل، وليست لنا وظائف لأن جميعنا يمتلك الجنسية الفلسطينية وليس لنا حق التملك، حتى المسؤولون في فلسطين يبدو أنهم نسونا، ولكننا لم ننس وطننا وما زال حلم العودة يراودنا”.

ثقافة كثرة الإنجاب

سلمان مثل أغلب سكان الجزيرة، يهوى كثرة الإنجاب ويعمل على زرع هذه النزعة في نفوس أبنائه وأحفاده (لديه 10 أبناء)، فكثرة أعدادهم تجعلهم قوة في المجتمع، حسب تصوره.

لا يعترفون بشيء اسمه تحديد النسل، فالجميع يشجع بعضه البعض على الإنجاب، فأقل أسرة لديها 10 أبناء فضلا عن الأحفاد، ومن ينجبْ أقل من ذلك يكنْ قد خالف العادات، حتى أن فرحانة محمد، ابنة العشرين عاما، لديها 4 أبناء، بعد أن تزوجت بشكل عرفي علني، وهذا النوع من الزواج منتشر بشدة وسط سكان الجزيرة، فالفتاة عندما تصل إلى سن الخامسة عشرة يُستوجب زواجها، كما هو موجود في بعض القرى والمناطق العشوائية بمصر، لأن زواجها سيرفع عن أسرتها جزءا من الأعباء.

يقتاتون من الزراعة والقمامة

لا تعير فرحانة مسألة تعليم أطفالها الأربعة اهتماما، لأن سكان الجزيرة قلما يلحقون أبناءهم بالمدارس، فإلى جانب التشدد في إجراءات قبولهم وحاجة الطفل إلى أوراق رسمية عديدة، إما من السفارة الفلسطينية بالقاهرة وإما من المؤسسات الحكومية المصرية، هناك ثقافة التمسك بعمل الأطفال منذ الصغر حتى يكونوا مسؤولين عن أسرهم.

لا ترفض هذه الأم عمل ابنها مع أبيه في جمع القمامة، فأغلب السكان هناك يفعلون ذلك، إذ تنتشر أكوام القمامة على نطاق واسع وهذا ثمرة جهدهم، حسب قولها. الأطفال وحتى الكبار يسعدون بكثرة القمامة التي يجمعونها، ويلهو الصغار إلى جوارها، فليس هناك مكان سوى هذه الشوارع الضيقة للعلب ومواصلة حيواتهم، والمنازل من الداخل تبدو مظلمة لأنها بنيت بالطين، كما أنها شديدة الضيق وبالكاد تتسع للنوم والطهي.

الهوية الفلسطينية

لا يتزوج شباب وفتيات سكان جزيرة فاضل من مصريين أو مصريات، وهذه ثقافة موجودة منذ 68 عاما، حتى يزداد عددهم بجنسياتهم الأصلية حفاظا على الهوية الفلسطينية أولا، والتمسك بالتقاليد والأعراف القبلية ثانيا، وعدم الانخراط في بيئة وطريقة حياة غريبة عنهم قد لا يقبلونها وينتهي بهم المطاف إلى الطلاق.

لكن إصرار الفلسطينيين في الجزيرة على الزواج من بعضهم البعض، خلّف وراءه أمراضا وراثية وعيوبا خلقية عديدة للأطفال، لكنهم لا يعبأون بكل ذلك. فرحانة لا تعرف الكثير عن فلسطين، حتى الأبناء عرفوا فلسطين سماعا من أجدادهم، كما عرفوا أن بلدهم فلسطين وأنهم جاءوا إلى هذا المكان بسبب الحرب الدائرة هناك، لكن مع وجود فصل لمحو الأمية داخل الجزيرة يلتحق به بعض الطلاب وبُني بجهود ذاتية، يتم ترسيخ الهوية الفلسطينية في وجدانهم.

المعلم “محمد نصر” مصري الجنسية، وقبل التدريس في هذا الفصل دون مقابل، والميزة أنه يركز دائما على تعريف الصغار بهويتهم وتاريخ بلادهم إلى جانب تعليمهم. في الفصل الصغير ذي الجدران الإسمنتية وليست الطينية كما منازلهم، يتراص الأطفال على المقاعد متزاحمين.

بعد ظهيرة كل يوم حيث ينتهي من عمله في مدرسته الحكومية، يستقبل المعلم أطفال الجزيرة ممن لم يلتحقوا بالمدارس الحكومية البعيدة عنهم (نحو 5 كيلومترات)، ثم يعلمهم أبجديات القراءة والكتابة، واعتاد أن تكون أول كلمة يكتبها الطفل هي فلسطين، وبعدها يشرح لهم بلغة بسيطة تاريخ هذا البلد ونضال شعبه، ويكشف لهم بشكل قصصي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

حاكم الجزيرة

لا يعترفون بشيء اسمه تحديد النسل، فالجميع يشجع بعضه البعض على الإنجاب، فأقل أسرة لديها 10 أبناء فضلا عن الأحفاد

يحكم الجزيرة مجلس عرفي يتألف من 7 أشخاص للبت في النزاعات التي تقوم بين الأهالي، ولا يسمحون بأي تدخل قضائي لأن ذلك في عرفهم وتقاليدهم يمكن اعتباره “عارا”، والأحكام القبلية هي الأقوى عندهم، ويجلسون في دوار العمدة (منزل كبيرهم) ليتم حل النزاع، وغالبا ما تكون العقوبات بإرغام المتهم بدفع غرامة مالية.

الوصول إلى طريقة حل النزاع بين السكان كان المحطة الأخيرة في رحلة “العرب” إلى جزيرة فاضل، إذ انتهت الجولة قبل أن تكتمل، بعدما حضر عدد من أفراد الأمن بشكل مفاجئ إلى حيث نجلس في إحدى البنايات، وتنوعت الأسئلة الموجهة إلينا ما بين “من أنتم؟ وكيف جئتم، وعما تبحثون، وماذا قيل لكم؟”.

وبعد مفاوضات طويلة معهم تركونا نرحل في هدوء وظلوا يرصدون تحركنا بـ”التوك توك” حتى تأكدوا من اختفائنا بعيدا عن الجزيرة. يقول بركات الفرا رئيس مؤسسة الصداقة المصرية الفلسطينية بالقاهرة، إن تقنين تعامل سكان الجزيرة مع الإعلام يجنبهم المضايقات، لأن هناك من يستغل سوء أحوالهم المعيشية ويوظفها وفق توجهاته السياسية ضد الحكومة.

يؤمن الفرا في حديث هاتفي مع “العرب”، وهو أيضا سفير فلسطين السابق، بأن ما يعانيه فلسطينيو جزيرة فاضل صورة طبق الأصل مما يشكو منه السكان المصريون في المناطق العشوائية والفقيرة، وبالتالي هم ليسوا استثناء.

حسب كلامه، أعضاء هذه الفئة بحاجة إلى توعية وتغيير سلوكيات أكثر من أي مساعدات مالية أو عينية لأنهم متمسكون بثقافات خطيرة ودخيلة على حياتهم مثل زواج الأقارب الذي ينتج عنه أطفال معاقون، كما أن اهتمامهم بالعمل على حساب التعليم كارثة.

يقر بركات الفرا بأن سكان جزيرة فاضل محرومون من السفر إلى فلسطين لأنهم بحاجة إلى موافقات أمنية للعبور فضلا عن سلامة جوازات السفر، ثم يستطرد “أنا نفسي لا أسافر إلى فلسطين إلا بتصريح وحافظة أوراق رسمية، لك أن تتخيل حال هؤلاء من المغلوبين على أمرهم”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر