الاربعاء 17 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10872

الاربعاء 17 يناير/كانون الثاني 2018، العدد: 10872

'الحوت الأزرق'.. تسويق الوهم للتغطية على ظواهر اجتماعية في الجزائر

  • تفاقم اللغط الدائر في الجزائر حول التوسّع المريب لقائمة ضحايا لعبة “الحوت الأزرق” في أوساط الأطفال والمراهقين، حيث باتت وسائل الإعلام المحلية تتناقل يوميا أخبار المنتحرين أو المحولين إلى المستشفيات، ما خلف حالة هلع حقيقية لدى الرأي العام، لا سيما وسط التضارب المسجل بين الوقائع والمختصين، وحتى أولئك الذين نفوا وجود لعبة أو تطبيق إلكتروني لهذا الاسم والمحتوى.

العرب صابر بليدي [نُشر في 2017/12/15، العدد: 10843، ص(21)]

تأثير مخيف للعالم الافتراضي

الجزائر - نفى مصدر مهتم بالشؤون الاجتماعية وجود أي لعبة أو تطبيق إلكتروني بالاسم والمحتوى الذي يروج له مؤخرا في الجزائر، لا سيما فيما يتعلق بلعبة "الحوت الأزرق"، التي نسب لها انتحار عدد من الأطفال والمراهقين، كونها تؤدي دور المخدر للطفل أو المراهق، وتدفعه إلى القيام بالعشرات من التحديات يكون أقصاها تحدي الموت بواسطة الانتحار، وهو ما أدى إلى سقوط عدد من الضحايا والمحاولات في عدد من محافظات الجمهورية.

وقال إعلامي، تحفظ على الكشف عن هويته، في اتصال لـ”العرب”، “لا وجود في عالم الإنترنت لأي لعبة أو تطبيق إلكتروني بهذا الاسم والمحتوى، وكل ما في الأمر أن مجموعات ناشطة على شبكات التواصل الاجتماعي، تعمل على استقطاب الأطفال والمراهقين، ويتم استعراض وتبادل الأفكار حول عالم تحدي المخاطر، بما فيها تحدي الموت”.

وأضاف “ظاهرة انتحار الأطفال في الجزائر ليست وليدة الموجة التي يروّج لها عن قصد أو عن غير قصد، وإنما الظاهرة تعود إلى سنوات ماضية، حيث سجلت الجزائر انتحار نحو 200 طفل، منهم نحو 60 طفلا في محافظة بجاية (شرق العاصمة)، وأن الخلفيات والأسباب لم تتغير، ولا علاقة بدور أو مفعول مفترض لما بات يعرف بلعبة الحوت الأزرق”.

وتابع “بعض وسائل الإعلام باتت مهتمة بتهويل الوقائع المسجلة، وتنسب المسألة لأمر لم يتم التحقيق فيه والتثبت من وجوده، فلحد الآن لم تقدم دلائل على وجود لعبة أو تطبيق إلكتروني بهذا الاسم والمحتوى، ولا بالوقوف على الأسباب الحقيقية لحالات أو محاولات الانتحار المسجلة في بعض البلدات والمحافظات، إلا مجرد رسوم أو وشم لسمكة”.

وكانت وزيرة البريد وتكنولوجيات الاتصال هدى فرعون، قد أكدت أمام نواب البرلمان، للرد على دعوات تدخل الحكومة لإنقاذ الأطفال والمراهقين من تنامي ظاهرة الانتحار، على أن المعطيات المتوفرة لدى مصالحها، لا تتحدث عن وجود لعبة أو تطبيق إلكتروني، وإنما الأمر يتعلق بمجموعات وناشطين على شبكات التواصل الاجتماعي، وهو الأمر الذي لا يمكن حجبه في البلاد، وأن الحل يكمن في متابعة الأولياء لأبنائهم في عالم التواصل الإلكتروني.

ظاهرة انتحار الأطفال في الجزائر ليست وليدة الموجة التي يروج لها عن قصد أو عن غير قصد، وإنما تعود إلى سنوات ماضية

وذهبت بعض المصادر في الجزائر إلى أن لعبة الحوت الأزرق تتوطن في روسيا، وهي لعبة تتضمن 50 تحديا يقوم به العنصر تباعا إلى غاية بلوغ التحدي الأخير وهو الموت، وأن شابا روسيا يبلغ من العمر 21 عاما تم توقيفه مؤخرا، هو من اخترع اللعبة.

وأمام حالة الهلع في وسط الآباء والأمهات والأولياء والدعوات المتصاعدة للحكومة، من أجل الحماية الإلكترونية للأطفال والمراهقين، والتدخل بغية حجب اللعبة أو التطبيق في البلاد، أطلقت حالة استنفار قصوى في القطاعات المتصلة بالملف، على غرار تكنولوجيات الاتصال والتربية والعدل والأمن وحتى الشؤون الدينية.

وفي هذا الخصوص أعلن الطيب لوح وزير العدل عن “فتح تحقيق قضائي حول لعبة ‘الحوت الأزرق’ والضحايا الذين سقطوا، وأن التحقيق القضائي شرعت فيه النيابات العامة المختصة مع الهيئة الوطنية للوقاية من جرائم تكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها”.

وهو ما ذهبت إليه في وقت سابق، مفوضة ورئيسة الهيئة الوطنية لحماية وترقية الطفولة مريم شرفي، بتأكيدها على أن “الحكومة ستتخذ خطوات هامة الأسبوع المقبل على رأسها حجب اللعبة، والتركيز على ضرورة سهر واهتمام الآباء والأمهات بمراقبة نشاط أبنائهم الإلكتروني وأجهزتهم الذكية”.

وأوحى تأكيد الوزير على “إعطاء أوامر بسحب كل ما هو غير مشروع ومتعلق باللعبة، كما تم تحديد عناوين إلكترونية عن اللعبة”، على اعتبار الخلفية الإلكترونية للهاجس، عكس القراءات التي أدلت بها زميلته في الحكومة ومصالح الأمن وبعض المهتمين بالشؤون الاجتماعية.

ولم تكشف التحقيقات التي فتحتها مصالح الأمن الجزائري، بحسب رئيس مصلحة مكافحة الجريمة الإلكترونية بالمديرية العامة للأمن الوطني بشير سعيد، لحد الآن عن أسباب وخلفيات الوفيات الأخيرة لدى بعض الأطفال والمراهقين، وإن كانت ناجمة عن هذه اللعبة أم عن أسباب أخرى.

مجموعات ناشطة على شبكات التواصل الاجتماعي، تعمل على استقطاب الأطفال والمراهقين، ويتم استعراض وتبادل الأفكار حول عالم تحدي المخاطر، بما فيها تحدي الموت

وشدد المتحدث على أن “أغلبية الدول التي وضعت أنظمة للحجب لم تكن نتائجها في مستوى الهدف المنشود، وأن تطور التكنولوجيا بسرعة كبيرة يستطيع من خلالها أصحابها فتحها بطرق وفي منصات أخرى”. وحضّت وزيرة التربية نورية بن غبريط، على تضافر جهود الجميع، وعلى رأسهم وزارات التربية والبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية والتكنولوجيات والرقمنة ومصالح الأمن لتجنيب الأطفال والمراهقين مخاطر لعب العالم الافتراضي.

وأكدت بن غبريط على “ضرورة مراقبة ومرافقة الأولياء لأبنائهم، وحمايتهم من مخاطر الإنترنت وألعاب العالم الافتراضي، لا سيما تلك التي يمكنها أن تؤدي إلى انعكاسات سلبية على الأطفال”.

وكان رئيس مصلحة الطب الشرعي بمصلحة مستشفى بشير منتوري بالقبة في العاصمة، عبدالرحمن خير الدين، قد أكد على أن “عمليات محاولة الانتحار بدأت تمس الأطفال بفعل تأثير التكنولوجيا”.

وقال “عالم الطفل جد حساس، وهو كتلة من الوجدان، فأصبح يتجه لإيذاء نفسه نتيجة العزلة وغفلة الأولياء وإهمالهم لأبنائهم، واكتظاظ الأقسام في المدارس، مما يولد حالات نفسية ومشكلات خاصة بعيدا عن الرعاية النفسية للأستاذ وطبيب المدرسة، لذلك تجدهم يعيشون حالات كبت نظرا لعدم وجود وقت ولا شخص يفرغون له ما بداخلهم”.

وذكر أن “الطب الشرعي سجل في الآونة الأخيرة محاولات انتحار وسط الأطفال، جراء إصابتهم بجروح خطيرة امتثالا للعبة إلكترونية بحسب روايات أوليائهم، وأن مصلحته استقبلت جثة تلميذة في الـ12 من عمرها، انتحرت برمي نفسها من فوق سطح منزلهم في العاصمة ولكن ليس بسبب الحوت الأزرق، بل بسبب تأثرها بتساقط شعرها، حيث قام زميلها في المدرسة بشدها من الخمار وسحبه عن رأسها، فخجلت من الموقف وبعد العودة مساء إلى البيت انتحرت”.

وهذه الرواية وغيرها تعزز فرضيات وأسباب اجتماعية متنوعة لحالات الانتحار المسجلة مؤخرا في الجزائر لدى الأطفال والمراهقين، رغم التهويل الممارس من طرف عدة أوساط لتبرير الظاهرة بمفعول لعبة أو تطبيق إلكتروني “الحوت الأزرق”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر