الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

إيران تنتقل من تجريم مدمني المشروبات الكحولية إلى التوعية والعلاج

  • تم حظر وتجريم تداول وتعاطي المشروبات الكحولية منذ الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. ووفقاً للقانون المحلي الساري فإن تعاطي الكحول مخالف للشريعة الإسلامية، لكن إيران تدرك حجم مشكلة إدمان الكحوليات التي يواجهها شعبها. وهو ما جعل السلطات تخطو مؤخرا خطوات تضمر اعترافا منها بحجم الظاهرة في إيران وتتخذ إجراءات وقائية تقوم على التوعية وتتعامل مع مدمني الكحول على أنهم أشخاص يحتاجون إلى العلاج أكثر من اعتبارهم مجرمين يعاقبون بالسجن والجلد كما في الماضي.

العرب  [نُشر في 2017/09/20، العدد: 10757، ص(12)]

الشرطة الإيرانية تستعرض إتلاف المحجوز من الكحول المهربة

طهران – تقوم الحكومة الإيرانية بحملات عامة تحذّر فيها الإيرانيين من القيادة تحت تأثير المشروبات الكحولية وهو أمر لم تكن تفعله في الماضي. وعلى طول الطرق المؤدية إلى بحر قزوين، الوجهة المفضلة لقضاء العطلات، انتشرت لوحات الإعلانات التي تظهر زجاجات ويسكي وسيارات محطمة لتفاجئ العديد من السائقين.

وتعمل الشرطة الإيرانية في نفس الوقت على تنظيم استعراضات إعلامية تقوم فيها الجرافات بسحق آلاف الزجاجات والعلب التي تمت مصادرتها من المهربين. وهو أمر لافت للانتباه في إيران لأنه في الماضي كانت الحكومة لا تصرح بحجم مشكلة إدمان الكحوليات التي يعاني منها شعبها، إلا أنها بدأت الآن توفر أجهزة فحص النفَس للسائقين تحت تأثير الكحول.

ومنذ عام 2015، أمرت وزارة الصحة مراكز علاج الإدمان برعاية المدمنين على الكحول، وافتتحت العشرات من العيادات الخاصة والمؤسسات الحكومية مكاتب للمساعدة ودوائر خاصة للمدمنين على الكحول. كما سمحت الحكومة بإنشاء شبكة متزايدة من المجموعات التابعة لمنظمة مدمني الكحول “ألكوهوليكس أنونيموس”، على غرار تلك الموجودة في الولايات المتحدة.

واعتبرت هذه الإجراءات كتخفيف في قانون حظر المشروبات الكحولية للمدمنين وسمحت لهم، مثلما سمحت لمهدي الذي خضع لعملية إعادة تأهيل للإقلاع عن شرب الكحول، بالخروج من الظلال والدخول في دائرة علاقات جديدة مع مدمني الكحول المتعافين مثله. وقضى مهدي فترة طويلة في السجن وتعرض للجلد الذي ترك علامات على ظهره.

والآن وهو في الثلاثينات من عمره، وقد ظهر الشيب في رأسه قبل الأوان، وبمساعدة منظمة مدمني الكحول “ألكوهوليكس أنونيموس” أقسم على أنه أخيراً توقف عن الشرب.

يموت عشرات الأشخاص من التسمم بالكحول كل عام بعد استهلاكهم مشروبات كحولية منخفضة الجودة

وقال مهدي المتخصص في مجال الكمبيوتر والذي طلب عدم الكشف عن هويته بسبب وصمة العار التي لا تزال تلاحق مدمني الكحول في إيران، في حديث لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية، “لقد أقلعت عن الشرب لمدة أسبوعين تقريبا. وهذه خطوة كبيرة بالنسبة إلى شخص كان في حالة سكر معظم الوقت”.

وحاول الرئيس الإيراني حسن روحاني، الذي تسلم السلطة في عام 2013، إدراج بعض الواقعية في أيديولوجيا إيران الصارمة في أغلب الأحيان، خصوصا عندما أصدر قراراً بفتح المزيد من عيادات علاج مدمني الكحول من قبل وزارة الصحة، والذي عكس الآلية التي أدخلت بها العديد من التغييرات الاجتماعية في إيران من خلال الأمر بفتحها بهدوء وتنفيذ السلطات المحلية للأمر تحت المراقبة.

ويُرجع هذا التغيير في موقف السلطة إلى التغيرات التي شهدها المجتمع الإيراني، حيث تظهر الإحصاءات الرسمية أن 10 بالمئة على الأقل من الشعب الإيراني يشربون الكحول في الجمهورية الإسلامية. وبالنسبة إلى بعض الطبقات الوسطى الحضرية في الدولة، أصبح شرب الكحول أمراً طبيعياً كما هو الحال في الغرب.

وأفادت وسائل الإعلام الإيرانية بأن هؤلاء الإيرانيين الذين يشربون يميلون إلى القيام بذلك حتى أكثر من شعوب الدول الأخرى المشهورة بشرب الكحول مثل روسيا وألمانيا.

ومن ضمن أحد الأسباب التي ساهمت في انتشار الإدمان على الكحول في إيران سهولة شرائها، حيث يمكن لأي شخص الاتصال بموردي الكحول وسيقومون بتسليمه كل ما يريد ويوصلون طلبه إلى عتبة منزله.

ويحصل تجار المشروبات الكحولية على بضائعهم من خلال شبكة توزيع غير قانونية واسعة بعد إدخالها لإيران عن طريق العراق المجاور. ويؤدي توافر الكحول بكثرة إلى حد ما في حدوث تغييرات عديدة في المواقف الرسمية للحكومة.

وقال رضا كونجيدي، 36 عاما، وهو مدمن كحول سابق يدير العديد من مجموعات الدعم التابعة لمنظمة مدمني الكحول “ألكوهوليكس أنونيموس” في طهران، “ينتشر في هذه الأيام الكثير من أنواع المشروبات الكحولية، ومعاقبة الجميع واستخدام القوة لن يعودا يُجديان نفعا.

كان يُنظر إلى الشرب وتداوله بشكل غير مشروع على أنهما من الجرائم المتكافئة التي يتعرض الناس للجلد على إثرها. ولكن الآن ينظر مسؤولو الأمن والبلدية إلى مدمني الكحول على أنهم مرضى يحتاجون العلاج وليسوا مجرمين”.

10 بالمئة على الأقل من الشعب الإيراني يشربون الكحول وبالنسبة إلى بعض الطبقات الوسطى الحضرية في الدولة، أصبح شرب الكحول أمراً طبيعياً

وقبل الثورة كان المشروب الوطني الإيراني المنتشر هو “ساجي”، الذي يتم تقطيره من الزبيب، ويتكون من نسبة 65 بالمئة من الإيثانول. ولا يزال هذا المشروب يتمتع بشعبية واسعة ويباع في حاويات كبيرة.

أما تداول الكحول بشكل غير مشروع فيُعد مشكلة كبيرة. حيث يموت عشرات الأشخاص من التسمم بالكحول كل عام بعد استهلاكهم مشروبات كحولية منخفضة الجودة. وفي العام 2013، توفي حوالي 135 شخصا بسبب التسمم وهو آخر عام توافرت فيه الإحصاءات الرسمية حول هذه القضية. وفي يوليو الماضي، وبعد وفاة ثلاثة أشخاص وتسمم العشرات في مدينة سيرجان، نشر رئيس شرطة سابق رسالة مفتوحة تدعو إلى إنهاء تحريم شرب الكحول.

وقام كونجيدي بإحضار مهدي إلى مجموعة المدمنين المُتعافين، بعد قضائه ما يقارب عقدا من الزمن مواجها مشكلات عديدة مع رجال القانون. وقال كونجيدي إنه كان يشرب لينسى مشكلاته المادية “الاقتصاد ليس جيداً هنا. كلما شعرت بالضغط، أجلب زجاجة وأشربها”.

وتقول زوجة كونجيدي، سامين، التي التقت به في أحد هذه الاجتماعات إنها تحتاج إلى اجتماعين على الأقل يومياً لتشجيعها على عدم شرب الكحول. وقالت “هذه الاجتماعات هي مثل العلاج الكيميائي بالنسبة لي. أحتاج دائماً إلى جرعة لعلاج مرضي”.

ووفقاً لما قاله كونجيدي ترعى المجموعات التابعة لمنظمة مدمني الكحول “ألكوهوليكس أنونيموس” ومجموعة أخرى تُدعى “أوير أنونيموس” العديد من المدمنين في جميع أنحاء إيران، وتوجد العشرات من هذه المجموعات في طهران وحدها وأكثر من 1000 في أنحاء الجمهورية.

وقال كونجيدي “إن السلطات المحلية في جميع أنحاء إيران تطلب مساعدتنا وتسهل مقابلاتنا لأنها ترى الآن أنها فعالة”. الشيء الوحيد الذي ينقص هو الحصول على تصريح رسمي لممارسة هذه الأنشطة، وهو ما تتحصل عليه حتى مجموعات مدمني المخدرات بسهولة، ذلك لأن القرآن الكريم حرم شرب الخمر ولكن لم يذكر شيئاً عن إدمان المخدرات.

وتقول سامين زوجة كونجيدي “في الدين الإسلامي، يرى البعض أن شرب الكحول أسوأ بكثير من تعاطي المخدرات. بينما يرى الكثيرون في المجتمع أن تعاطي المخدرات أسوأ بكثير”.

وينظر بعض الإيرانيين، وخاصة في المدن الكبيرة، إلى الكحول على أنها أمر طبيعي تماما. ففي مساء أحد الأيام، التقى ثمانية إيرانيين على سطح أحد المنازل، وشربوا النبيذ الأحمر، والفودكا والعرق بكل أريحية.

وقال أحدهم إنه أُلقي القبض عليه مؤخراً وهو يقود السيارة تحت تأثير الكحول، وهو الآن ينتظر تنفيذ حكم الجلد. وقال آخر إنه، مثل كثيرين غيره، قد أصيب بمشاكل صحية في الكبد بسبب إدمانه على شرب الكحول.

وقال كونجيدي إنه شهد تزايداً في أعداد مدمني الكحول على مدار سنوات خلت، وذلك قبل عقد من الزمان عندما كان متشرداً ومدمن كحول. وأضاف “نحن بحاجة إلى المزيد من اللوحات الإعلانية والمزيد من المجموعات لمساعدة المدمنين على الإقلاع على شرب الكحول”.

ولم يرد أي تعليق رسمي على ما إذا كان الحظر والتجريم اللذان استمرا قرابة الأربعين عاماً هما أفضل طريقة لمنع الناس من الشرب. وأضاف كونجيدي “على الأقل يتخذ الآن مسؤولون في الدولة الخطوات الصحيحة للتعامل مع مدمني الكحول. يجب أن نكون سعداء بهذه الخطوات”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر