الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

طموحات الإصلاح الأوروبي رهينة الانتخابات الألمانية

  • مع أن الانتخابات الألمانية لن تغير عضوية البلد في الهياكل الأوروبية سيكون لها تاثير مهم على مستقبل الاتحاد الأوروبي. فبعد عقد من التأزم تعيد الكتلة تقييم جولة جديدة من الإصلاحات المؤسساتية لجعل منطقة اليورو أقوى ومهيأة أكثر للتعامل مع الأزمات في المستقبل. وبعد مرور عاصفة الانتخابات الفرنسية، وفوز إيمانويل ماكرون، تتطلع بروكسل الأحد إلى الانتخابات الألمانية باعتبارها الخطوة التالية لاتخاذ أي خطوات هامة لتنفيذ خطة الإصلاح والتكامل الأوروبي الذي اهتز إثر صدمة البركسيت.

العرب  [نُشر في 2017/09/23، العدد: 10760، ص(7)]

ألمانيا قوية بأوروبا القوية

برلين- لم يصحب حملة الانتخابات التشريعية الألمانية قلق أوروبي كبير على تماسك الاتحاد الأوروبي ووضعه الاقتصادي والسياسي، مقارنة بالانتخابات التي شهدتها دول أوروبية أخرى، على غرار هولندا وفرنسا، ذلك لأن المشككين الألمان في الاتحاد الأوروبي ضعاف ومن المرجح أن تبقى الأحزاب السياسية المعتدلة في الحكم.

مع ذلك ستكون نتيجة الانتخابات الألمانية بنفس أهمية نتائج الانتخابات الفرنسية، التي كادت تفوز بها مارين لوبان، لكن حسم الأمر في الأخير لصالح إمانويل ماكرون، حيث ستلعب الحكومة المقبلة في برلين دورا مصيريا في تشكيل القرارات السياسية والاقتصادية والمؤسساتية في المجموعة. وتم تأجيل الكثير من القرارات في أوروبا بشأن تخفيف الديون عن اليونان وإصلاح منطقة اليورو وغير ذلك من الملفات المفتوحة، في انتظار الحكومة الجديدة في ألمانيا.

وينظر الأوروبيون إلى الانتخابات التي ستشهدها ألمانيا الأحد 24 سبتمبر 2017 باعتبارها مرحلة مكملة لعملية بدأت بانتخاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في شهر مايو الماضي. ويقول الباحث بيير فيمونت، في معهد كارنغي أوروبا، “ليس هناك شك من جانب الرئيس الفرنسي بفوز المستشارة أنجيلا ميركيل، الذي ينظر إليه على أنه دافع إضافي يعزز من الروح الإيجابية الجديدة الملاحظ تناميها بين باريس وبرلين منذ شهور مضت”.

ينظر الأوروبيون إلى الانتخابات الألمانية باعتبارها مرحلة مكملة لعملية بدأت بانتخاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

ويضيف فيمونت “بالنسبة للقيادة الفرنسية، فإن إعادة انتخاب ميركل تعد أيضا حافزا حقيقيا لإعادة تعميق تكامل الاتحاد الأوروبي، وهو الشيء الذي يروج له ماكرون منذ أن تولى رئاسة فرنسا”.

منذ استلم منصبه رسميا، انغمس الرئيس الفرنسي في تنفيذ خطته المتعلقة بالتغيير الاقتصادي والاجتماعي اللذين “كانا بمثابة الصدمة التي أصابت الشعب الفرنسي”، وفق وصف فيمونت، الذي يرى أن ماكرون من خلال هذه الطريقة بعث برسالة واضحة إلى برلين يؤكد فيها جدية الحكومة الفرنسية في إصلاح سوق العمل، على عكس المماطلة والتأجيل اللذين شهدتهما ألمانيا من الحكومة الفرنسية في الماضي.

وفور انتهاء الانتخابات الألمانية، تتوقع فرنسا الحصول على نفس الالتزام القوي من ناحية برلين، وهذه المرة لصالح التكامل الأوروبي الذي اهتز إثر صدمة البركسيت. ومن المنظور الفرنسي أصبحت الساحة السياسية الآن مؤهلة أمام الاتحاد الأوروبي للمضي قدما بوتيرة متسارعة.

ويؤكد فيمونت أنه “سيتعين على قادة فرنسا وألمانيا إنهاء خلافاتهم لتوحيد قوتهم لصالح توجيه أوروبا إلى الأمام، وسيكون هذا هو التحدي الذي ستواجهه كل من الدولتين في الأشهر المقبلة”.

ميركل تستعيد عافيتها السياسية

تقلصت شعبية المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بشكل كبير بين أواخر سنة 2015 وبداية 2016 عندما انتقد الكثير من الناخبين الألمان قرارها بفتح حدود البلاد لمئات الآلاف من طالبي اللجوء. وفي الوقت نفسه وصلت شعبية البديل من أجل ألمانيا أرقاما قياسية غذتها المخاوف من الهجرة. وبحلول سنة 2017 صعدت شعبية الحزب الديمقراطي الاجتماعي كذلك بشكل كبير بعد أن عين شولتز مرشحا له.

فوز أنجيلا ميركل يحدد مستقبل أوروبا

لكن في الأشهر الأخيرة عادت المشاعر السياسية لتتكون من جديد، إذ بينت عمليات سبر الآراء صعود شعبية الاتحاد الديمقراطي المسيحي. وتخوض ميركل الانتخابات التشريعية الأحد بفارق كبير عن باقي الأحزاب الألمانية في استطلاعات الرأي.

وفي الوقت الذي تميل فيه كافة التوقعات لفوز مؤكد للمستشارة في الانتخابات وتوليها فترة رابعة في منصبها، يترقب المحللون بشغف وقلق أيضا نتائج حزب “البديل من أجل ألمانيا”، حيث من المتوقع أن يحصد الحزب اليميني الشعبوي 10 بالمئة من الأصوات على الأقل وأن يصبح ثالث أكبر قوة في البرلمان الألماني (بوندستاغ).

ويتمثل التطور الآخر الملحوظ في تعافي الحزب الديمقراطي الحر في استطلاعات الرأي. كان هذا الحزب في السابق ثالث حزب في ألمانيا وشارك في حكومات ائتلاف مع الحزب الديمقراطي المسيحي ومع الحزب الديمقراطي الاجتماعي، وبعد فشله في دخول البوندستاغ في سنة 2013 بإمكان الحزب الديمقراطي الحر أن يكون مرة أخرى “صانع ملوك”.

والمتنافسان اللذان يجب مراقبتهما هما الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ بزعامة أنجيلا ميركل، والحزب الديمقراطي الاجتماعي من الوسط اليسار بزعامة رئيس الاتحاد الأوروبي السابق مارتن شولتز.

هذان الحزبان يحكمان حاليا في ائتلاف حكومي لكنهما سيبحثان عن تحالفات مع أحزاب أصغر حجما بعد انتخابات سبتمبر مما يجعل القوى السياسية الصغيرة مثل الحزب الديمقراطي الحر من اليمين الوسطي وحزب الخضر المدافع عن البيئة وحزب اليسار من الجناح اليساري مفاتيح لتشكيل الحكومة المقبلة لألمانيا.

وقد يدخل حزب البديل من أجل ألمانيا المناهض للهجرة والمشكك في الاتحاد الأوروبي البوندستاغ لأول مرة في هذه الانتخابات، لكن من المرجح أن يتم استبعاد الحزب من محادثات الائتلاف.

وحسب نتائج الانتخابات قد تستغرق محادثات الائتلاف أسابيع، إن لم تكن أشهرا. في سنة 2013 مثلا استغرق الأمر ثلاثة أشهر لتفاوض الأحزاب حول تشكيل حكومة ائتلافية والمصادقة عليها.

في الأشهر الأخيرة عادت المشاعر السياسية لتتكون من جديد، إذ بينت عمليات سبر الآراء صعود شعبية الاتحاد الديمقراطي المسيحي. وتخوض ميركل الانتخابات التشريعية الأحد بفارق كبير عن باقي الأحزاب الألمانية في استطلاعات الرأي

وتفيد استطلاعات الرأي بأن ائتلافا بزعامة الحزب الديمقراطي المسيحي قد يحتاج حزبا آخر فقط (ربما الحزب الديمقراطي الحر) بينما الائتلاف بزعامة الحزب الديمقراطي الاجتماعي سيتطلب ثلاثة أحزاب على الأقل. وفي حين أن “ائتلافا كبيرا” آخر لن يكون أولوية بالنسبة إلى الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الاجتماعي، لن يكون أمام هذين الحزبين من خيار سوى الاستمرار في التحالف.

لا خلاف ألمانيا بشأن أوروبا

يحمل كل من الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الاجتماعي وجهات نظر مختلفة تماما عن كيفية تسيير ألمانيا، إذ تتمثل أولوية المحافظين في الحفاظ على توازن الميزانية، أما التقدميون فيعدون بالترفيع في الإنفاق الحكومي.

لكن عندما يتعلق الأمر بأوروبا يدافع كل من الحزبين عن الاتحاد الأوروبي وعضوية ألمانيا في منطقة اليورو والحاجة إلى تحالف فرنسي ألماني قوي. وبناء على ذلك لن تسبب الانتخابات الألمانية تهديدا مباشرا لمستقبل الكتلة بالطريقة نفسها التي فعلتها الانتخابات الفرنسية والبروز القوي للأحزاب المناهضة للمؤسسة هناك.

ومن المحتمل أن تكون حكومة ائتلاف تضم الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الحر أقل استعدادا لقبول إجراءات تقاسم المخاطر في منطقة اليورو مثل إصدار سندات اليورو، أو زيادة خطط استثمار تشمل كامل الاتحاد، أو إحداث آلية تأمين مشتركة للبنوك في المنطقة.

ومن المتوقع أن تكون حكومة ائتلاف من اليمين الوسطي حذرة من قبول هذه المطالب التي ستأتي من بلدان من قبيل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا. أما الائتلاف المكون من أحزاب يسارية وسطية بزعامة الحزب الديمقراطي الاجتماعي فسيلقى ترحيبا كبيرا في أوروبا المتوسطية لأنه سيفتح الباب لنوع السياسات التي تفضلها المنطقة. وبغض النظر عن ذلك، لن تقبل الحكومة الجديدة في برلين سياسات قد تضر بثروة ألمانيا إلا مقابل المزيد من تحكم الاتحاد الأوروبي باقتصاديات أوروبا الجنوبية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر