السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

الهروب إلى الحلول السهلة يعمق جراح الاقتصاد المصري

  • حذّر اقتصاديون مصريون من إمعان الحكومة في اتباع حلول سهلة في مواجهة الأزمات الاقتصادية، بدلا من وضع أسس حقيقية لمعالجة طبيعة تلك المشكلات التي تطارد الاقتصاد المتعثر، وباتت تلجأ إلى المسكنات الفورية التي تزيد من معاناة المواطنين.

العرب محمد حماد [نُشر في 2017/07/24، العدد: 10701، ص(11)]

موجة ركود قاسية

فضّلت مصر تحقيق معادلات متوازنة لاقتصادها الذي يعاني من خلل هيكلي، عبر تبنّي سياسات نقدية انكماشية منها رفع معدلات الفائدة بهدف مواجهة التضخم الناتج عن تحرير سعر صرف عملتها.

وتتمادى السياسات الاقتصادية في تبني تكتيكات دون رؤية اقتصادية عميقة، فعلى صعيد مشكلة نقص سلعة الأرز بالأسواق التي تتكرر كل عام، أعلنت الحكومة منع تصديره للخارج مؤقتا، رغم وجود فائض في معدلات الانتاج يفوق الاستهلاك.

ويصل إنتاج محصول الأرز خلال العام الحالي لنحو 7.5 مليون طن، وتنتج البلاد نحو 4.5 مليون طن أبيض، في حين أن استهلاك مصر من الأرز يُقدر بنحو 3.3 مليون طن أرز أبيض، بما يعني أن هناك حوالي 1.2 مليون طن فائضا عن الاستهلاك المحلي.

هاني توفيق: إنفاق الحكومة موجه بشكل خاطئ والأفضل إعادة تشغيل المصانع المتوقفة

ولم تتحرك الحكومة لضبط الأسواق ومطاردة محتكري السلعة، واتجهت إلى سياسات تفقدها البعض من أسواقها الخارجية بدلا من وضع إطار عام يقضي على المشكلة للأبد. كما لجأت إلى زيادة أسعار تذاكر مترو الأنفاق، بدل زيادة كفاءته.

وأدت هذه السياسات إلى تفاقم الأزمة ودخل الاقتصاد في مرحلة الركود التضخمي، الذي أدى إلى ارتفاع مستويات الأسعار بمعدلات تفوق قدرة المستهلكين على الشراء والمنتجين على تسويق المنتجات، لترتفع الأسعار تزامنا مع ركود الأسواق.

وأجمع اقتصاديون على أنه لا سبيل أمام الحالة المصرية للخروج من عثرتها إلا من خلال سياسات توسعية تعزز قدرة الاقتصاد على النمو.

وانتقدوا توجه الإنفاق الاستثماري للحكومة إلى المشروعات الكبرى فقط رغم أهميتها مستقبلا، وقالوا إن تلك السياسات لا بد أن يتواكب معها إنفاق على صعيد المشروعات الصغيرة والمتوسطة حتى تتكامل منظمة النمو الاقتصادي بالبلاد.

وقال هاني توفيق، رئيس الاتحاد العربي للاستثمار المباشر، لـ“العرب” إن “الإنفاق الحكومي مطلوب من الناحية الاقتصادية في حالات الكساد والركود وبوار السلع في الأسواق، في ظل إنتاج لا يجد من يشتريه”.

وأكد أن الحكومات تلجأ عادة إلى مواجهة هذا النوع من الركود إلى زيادة الإنفاق على مشروعات الطرق والمرافق والمدن الجديدة، بغرض تشغيل شركات المقاولات والعمال وزيادة دخولهم، وبالتالي تنشيط الطلب المحلي الفعّال على هذه السلع الراكدة.

أما في حالة الركود فيرى أن البطالة ناشئة عن إغلاق المصانع لأسباب منها الارتفاع المبالغ في قيمة الجنيه قبل التعويم وانعدام المنافسة لصالح الاستيراد من الخارج، ما أدى إلى تهالك المعدّات والمباني وعدم توافر العمالة المدربة والمؤهلة، ومن ثم عدم توافر سلع منتجة محليا.

وقدّرت لجنة التعثر باتحاد الصناعات المصرية عدد المصانع المغلقة منذ يناير 2011 وحتى الآن بنحو 4200 مصنع.

وتقول غرفة التشييد والبناء باتحاد الصناعات المصرية إن هناك نحو 90 صناعة مرتبطة بقطاع الإنشاءات والمقاولات.

مدحت نافع: الحلول الحالية قائمة على ردود الأفعال وهو أسلوب لا يبني تنمية مستدامة

ويعتقد توفيق أن الإنفاق الحكومي في هذه الحالة يجب توجيهه لإعادة تشغيل المصانع المتوقفة وتجديد معداتها وإعادة تأهيل عمالها بغرض زيادة الإنتاج وفتح الأسواق التصديرية التي فقدتها المنتجات المصرية، تزامناً مع ظروف تنافسية تخفيض عملتها.

ويلفت البعض من المراقبين إلى أن اللوم في هذا التوجّه يقع على عاتق المجموعة الاقتصادية السابقة التي لم توجّه نظر الحكومة لهذا الفرق الجوهري بين نوعي الإنفاق الحكومي، والتي كلفت البلاد طباعة مليارات الجنيهات، نتج عنها زيادة مؤقتة في التشغيل والطلب، مع كثير من التضخم.

وسجلت معدلات التضخم في مصر مستويات قياسية وصلت إلى 30.9 بالمئة خلال شهر يونيو الماضي.

وشرح مدحت نافع خبير الاستثمار والتمويل ذلك الأمر بالقول إن “كافة الحلول الحالية هي رد فعل لمشكلة حقيقية، وهو أسلوب لا يتلاءم مع استراتيجيات بناء تنمية مستدامة لاقتصاد البلاد”.

وأوضح لـ“العرب” أن هناك نموذجا للحلول الصعبة التي أتت ثمارها بشكل ملموس، وبدأت وزارة قطاع الأعمال العام في إصلاح هياكل عدد من الشركات الخاسرة، من خلال ضخ سيولة نقدية في رأس المال العامل بها، ما أدى إلى تحويلها من شركات خاسرة إلى شركات رابحة.

وقال أشرف الشرقاوي وزير قطاع الأعمال العام إن “صافي أرباح الشركات التابعة للوزارة خلال النصف الأول من العام المالي الماضي بلغت 150 مليون دولار بعد أن تم رصد 89 مليون دولار لتطوير هذه الشركات”.

وهذا النموذج دليل على أن المواجهة الحقيقية للمشكلات الاقتصادية تؤسس لاقتصاد قوي قائم على دعائم حقيقية، بدلا من إرضاء المؤسسات المالية، دون وضع إجراءات تساعد على زيادة قيمته المضافة التي تعزز من توليد الوظائف وزيادة الإنتاجية.

وتتبع القاهرة سياسات انكماشية نتيجة ضغوط صندوق النقد الدولي الذي منحها قرضا لمساندة برنامجها لإصلاح الاقتصاد بقيمة 12 مليار دولار على مدار 3 سنوات، وحصلت على دفعتين منه حتى الآن بنحو 4 مليارات دولار.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر