الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

لا خبر

سماع 'فرتكة' لعماد بعرور أهم من أي تعديل وزاري في جيبوتي أو بلغاريا، بل ومن مداهمات في الفيليبين لمهربي مخدرات أو افتتاح قاعدة عسكرية في كازاخستان.

العرب حسين صالح [نُشر في 2017/11/14، العدد: 10812، ص(24)]

العنوان أغنية عراقية لفاضل عواد شاعت وذاعت في السبعينات وما كنا نتصورها ستختفي يوما وستحتاج إلى تعريف لكنها الآن كذلك. ليس لموضوع الأغنية علاقة بالموضوع، لكنها تقول “لا خبر”، وهذا هو الموضوع.

في مساء يوم موعود في ربيع عام 1930 حانت ساعة إذاعة النشرة المسائية لراديو البي بي سي. فاجأ المذيع المستمعين المنتظرين بالقول: لا توجد عندنا أخبار تستحق أن نطلعكم عليها ونخصص وقت النشرة لإذاعة عزف منفرد على البيانو.

ما حدث عام ثلاثين يبدو مستحيلا بعد قرابة التسعين عاما رغم أن وسيلة بث الأنباء كانت محدودة جدا وهي إذاعة البي بي سي وحدها. اليوم تضاعف عدد وسائل البث المئات من المرات، إضافة إلى مواقع الإنترنت وما زلنا قادرين على ملئها كل ساعة من كل يوم. والمتلقي اليوم يألف الأخبار التي لا تعني له شيئا بالمرة.

اختيار مقطوعة البيانو بدل الأخبار اختيار كريم. أنا أعرف أخبارا يغنيني عنها لا العزف الراقي بل أي أغنية مهما كان مستواها. سماع “فرتكة” لعماد بعرور أهم من أي تعديل وزاري في جيبوتي أو بلغاريا، بل ومن مداهمات في الفيليبين لمهربي مخدرات أو افتتاح قاعدة عسكرية في كازاخستان.

وهناك أخبار نقبلها ونهتم بها لا لشيء إلا لأن الإعلام المتعطش إلى ملء دقائق البث أراد لنا أن نعرفها وأن نهتم بها. قبل أسبوعين ثار ضجيج كبير في العالم كله من خبر مفاده أن هناك أصحاب ملايين يتفادون دفع الضرائب. هل هذا خبر؟ طبعا يتفادون الضرائب، هذا الخبر يوازي أن يأتيك أحدهم ليقول لك إن آية الله خامنئي شيعي أو إن الشيخ أحمد الطيب سني أو إن بابا الفاتيكان كاثوليكي.

تقييم اللا-خبر أو الخبر نسبي أحيانا ومرتبط بثقافات وحضارات. ما هو خبر بالنسبة لك قد يكون لا خبر للآخرين. وأذكر أني كنت أعمل منذ زمن بعيد في صحيفة عربية تصدر من لندن. كلمني صديق إنكليزي كان منضما إلى حملة عرقلة إنجاز طريق سريع يقتضي حفرا وتعديلات على الطبيعة الأمر الذي يؤذي بعض الفراشات.

باعتباري أعمل في الصحافة، أراد هذا الصديق أن يهديني سبقا صحافيا. رتب لقاء سريعا في سيارته. تكلم بصوت هامس نظرا لخطورة الموضوع. قال لي إن لديه أدلة تشير إلى وجود تنسيق وتعاون بين الحكومة وشرطة المقاطعة. فتخيلت قارئنا العربي ونحن نطالعه بعنوان مثير: “شرطة بريطانيا متواطئة مع الحكومة البريطانية”. موضوع سيهز ضمير الأمة كما يقال.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر