الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

سر الوحش البحري

وجوه مُغايرة تماما عمّقت من شعوري بالوحدة، وجدت أنني اعتدت عليها لكثرتها ولم تعد تخيفني، إلاّ في لحظات تجل أنحاز من خلالها إلى مقارنتها مع ما كنت أراه سابقا من وجوه.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/11/17، العدد: 10815، ص(17)]

بعد أيام من إعصار هارفي الذي ضرب ولاية تكساس الأميركية تم اكتشاف جثة كائن بحري مخيف يملك جسما إنسيابيا وأسنانا عريضة، بعد فترة أعلن عالم الطبيعة كينيث تاي من متحف التاريخ الطبيعي أن الحيوان الغامض هو نوع من ثعابين البحر ذوات الأنياب الحادة، عادة ما يبلغ طوله مترا، ويقضي معظم وقته على عمق يتراوح بين 30 و90 مترا تحت المياه، ويُضيف العالم أنه يعتقد “أنه جُرف من أعماق البحر إلى الشاطئ بفعل الإعصار”.

وهذه ليست أول قصة عن مخلوق مخيف يظهر هنا أوهناك، على اليابسة أو في البحار، ولن تكون الأخيرة، ففي العالم مخلوقات أكثر مما اكتشفنا حتى الآن بكثير، والأهم من ذلك أن في العالم أيضا الكثير من التوحش، بما أصبحنا نحن عليه، مما جعلنا مخيفين أكثر من أي مخلوق بحري غامض جرفته الأمواج.

في أحيان كثيرة عندما أسير في الشوارع أجد نفسي مُحاطة بنوع خاص من الوجوه وقد بدأت تتكاثر بشكل مخيف، وجوه أقل إنسانية، وجوه متوحشة تنضح منها رذالة النفس والكذب والرياء والوصولية وغياب الحساسية.

وجوه مُغايرة تماما عمّقت من شعوري بالوحدة، وجدت أنني اعتدت عليها لكثرتها ولم تعد تخيفني، إلاّ في لحظات تجل أنحاز من خلالها إلى مقارنتها مع ما كنت أراه سابقا من وجوه.

لا أبالغ إن قلت إن الكثير من تلك الوجوه التي أصادفها في الشارع تحيلني إلى نوع من الفن يُطلق عليه “فن المخلوقات الفضائية”، وقد أكون أنا ذاتي نوعا شبيها بكائنات فضائية ما، ولكنني لم أدرك ذلك بعد.

ومع ذلك، فالأعمال الفنية التي تنضوي تحت عنوان “فن المخلوقات الفضائية” مُصنفة مُسبقا أنها من نسيج خيال الفنان وإن كان هذا الفنان يقدم “مخلوقاته” على أنها احتمالات وجود حاضر لم نكتشفه بعد أو مُستقبلي لم يولد بعد.

إذا كان إعصار هارفي جرف الحيوان المخيف ذا الأنياب الحادة من أعماق البحر إلى الشاطئ، فما الذي جرف هذه الشخوص البشرية المخيفة إلى طول الشوارع وعرضها؟

أعتقد أنها ليست قادمة من أي مكان غريب، هي صيغة “مُستحدثة” عنا، مستعينين بانهيار نظم القيم الأخلاقية، نحن نقوم تلقائيا بإعادة صنع إنسانيتنا وفق معايير جديدة يغلب عليها التوحش، قد يكون، على سبيل المثال، الفنان الهولندي بياتر بروغل من أهم من صور الإنسان ووضاعته وآفاته في فترة غابرة من الزمن، ولكن على الأقل، كان “إنسانه” لا يزال يمتلك في لوحاته هيئة إنسانية، وإن ليس تماما في كل اللوحات.

أما اليوم فالأمر قد اختلف، لا أقصد أن معظم من يسير على الشوارع ويدير شؤون البلاد ويجلس في المكاتب لم تعد لديهم هيئات إنسانية، ليس بعد على الأقل، ولكن أقصد أن الوحوش التي اجتاحت اللوحات التشكيلية على اعتبار أنها كائنات إنسانية قد اكتسبت مصداقيتها ونالت شرعيتها وصرنا نراها بشرية حتما.

أذكر من تلك اللوحات تلك التي أنجزها الفنان سبهان آدم، والفنان شربل صامويل عون وغيرهما من الفنانين، أذكر أيضا بشكل خاص الفنان قيس سلمان لا سيما من خلال المعرض الذي أقامه منذ سنوات قليلة تحت عنوان “مُجتمع متحضر”.

وفي هذا المعرض بالذات ظهرت الحقيقة بكل عريها في وجوه وملامح وقامات بشر ما بعد الحداثة، لن يشعر الناظر إليها بأي حرج، أو استغراب لأنه قادر على استشعار القرابة العميقة التي تربط ما بينها والحقيقية الفجة التي يرى فصولها في نشرات الأخبار التلفزيونية.

رسم الفنان شخوصه الممعنة في إنسانيتها الجديدة كحفنة نتنة من النقانق “المُقددة” والمطلية بالحمرة كما تتطلى بالدهن اللحوم المُحمرة، أغلب الظن أنها شخوص مخيفة أكثر بكثير من أي مخلوق غرائبي سكن في وحدته أعماق البحار واقتلعته أعاصير، قد تكون مفتعلة، لتقذف به إلى الشواطئ، حيث نحن.

ناقدة لبنانية

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر