الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

ثنائية معكوسة للطبيب والمريض

أن تنعكس ثنائية الطبيب والمريض في العالم المعاصر، أمر لا يوحي أننا جميعا على ما يرام، الإنسان صار بجودة أقل منذ أن بدأ الأطباء يشكون حالتهم إلى المرضى!

العرب كرم نعمة [نُشر في 2017/11/20، العدد: 10818، ص(24)]

رحب الطبيب بالمريض الذي جلس قبالته، فيما كان مستمرا بتصفح ملفه على شاشة الكمبيوتر التي أمامه، اكتشف بشكل سريع أن مريضه لم يراجع الطبيب منذ أكثر من عام وهذه فرصة طيبة تدعو لعدم القلق، القلق ينتقل أحيانا من المريض إلى الطبيب، ليس القلق المرتبط بمصير المريض، بل قلق الطبيب على نفسه، الأطباء يمرضون أيضا.

لم تدم المعاينة أكثر من دقائق واقترح الطبيب على مريضه إجراء فحوص الدم في نوع من الاطمئنان المضاعف، وهكذا انتهت المقابلة لولا أن الطبيب نفسه أراد استمرارها بنصائح تقليدية لمريضه بالتحرك الدائم وعدم الركون إلى المكتب والمنزل، قال له المريض “افعل ذلك في نهاية الأسبوع، لأنني غارق في العمل”.

وهنا انطلق الطبيب بالكلام بطريقة جعلته يمارس دور المريض، قال: هذا ليس كافيا عليك أن تمشي يوميا ولا تخضع لشاشة الكمبيوتر اللعين.

بدا الطبيب كمن يشكو حالته لمريضه الجالس بهدوء وبلا أوجاع، وهو يتحدث عن يومه في العمل، وكيف يستغل فرصة استراحة الغداء ليغادر المصحة ماشيا يدور في الشوارع من أجل الدوران وحده.

ربما يتحدث مع نفسه هذا الطبيب، لكنه مؤمن بأن طبيعة عمله تسبب المرض نفسه، مكتب صغير يتميز بأجهزة قياس الضغط وكمبيوتر يؤرشف لملفات مئات المرضى، وكلام مكرر عن نزلات البرد وآلام الظهر وصداع الرأس ومغص المعدة، وهو في كل الأحوال لا يغادر المكتب إلا في استراحة الغداء ظهرا، عمل وظيفته يعالج المرضى لكنه يسبب المرض بلا شك.

استمر الطبيب المسكين يتحدث لمريضه وكيف أنه يمشي متجولا يوميا في الأماكن نفسها القريبة من مبنى المصحة ويحسب وقت استراحته ليعود إلى العمل، لقد حفظ واجهات المحلات عن ظهر قلب وتأمل في المعروضات نفسها، مر أمام المقاهي نفسها مئات المرات منذ أن اقترح على نفسه قضاء فترة استراحة الغداء مشيا تحت وطأة هاجس الهروب من جلسة المكتب المسببة للاكتئاب والمرض والعجز.

هذا الطبيب المسكين يؤمن من دون رجعة بأن المكاتب والكمبيوترات ومقابلة المرضى تقصر العمر.

ليس مهما بعدها أن يعلق المريض على سرد الطبيب، فليس من اللياقة أن يمارس دور الناصح لطبيب جاء إليه ليخفف علته، فاكتشف أنه يشكو من مرض اسمه الجلوس في المكتب والعمل على الكمبيوتر.

أن تنعكس ثنائية الطبيب والمريض في العالم المعاصر، أمر لا يوحي أننا جميعا على ما يرام، الإنسان صار بجودة أقل منذ أن بدأ الأطباء يشكون حالتهم إلى المرضى!

كرم نعمة

:: مقالات أخرى لـ كرم نعمة

كرم نعمة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر